بيوك أدا: جزيرة الأمراء التي تنام على كتف التاريخ (صور)
كتب جودت مناع
كانت الشمس تتخلى ببطء
عن مضجعها خلف الأفق، وترسل أولى شعلاتها فوق مياه بحر مرمرة الهادئة، كأنها توقظ
جزر الأمراء واحدة تلو الأخرى من سباتها الليلي. هناك، في بيوك أدا، أكبر تلك
الجزر وأجملها، كانت البيوت الخشبية القديمة تلتقط الضوء الذهبي على استحياء،
فتتلألأ شرفاتها ونوافذها المزخرفة كما لو أنها خرجت لتوها من صفحات رواية عثمانية
نسيها الزمن على رف بعيد.
ما إن غادرت العبّارة
حتى شعرت أنني عبرت حدود مدينة ودخلت زمناً آخر. التفت يميناً ويساراً أبحث عن
طريق يقودني إلى قلب الجزيرة، فيما كانت التلة الخضراء التي تحتضن عمرانها
التاريخي ترتفع أمامي بهدوء الملوك القدامى. لم تكن الجزيرة قد استيقظت تماماً
بعد. وحدها خطوات الزوار كانت تتردد على الأرصفة الضيقة، وهمسات بلغات متعددة
تتسلل بين الأشجار، كأن الجميع تواطأ على عدم إزعاج هذا الصباح النائم.
على امتداد الشارع
الرئيسي بدت البيوت وكأنها تحرس ذاكرتها الخاصة. واجهات خشبية تعود إلى أواخر
العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، وشرفات معلقة فوق الحدائق، وأبواب عتيقة
أخفت وراءها حكايات أمراء وتجار ومنفيين وفنانين مروا من هنا ثم اختفوا. كانت بيوك
أدا، التي عُرفت عبر قرون باسم "جزيرة الأمراء"، ملجأً للأمراء
البيزنطيين المنفيين أولاً، ثم مصيفاً للأثرياء من الأرمن واليونانيين واليهود
والعثمانيين في ما بعد، قبل أن تتحول إلى واحدة من أشهر وجهات إسطنبول الصيفية.
تحولت بعض القصور القديمة
إلى فنادق صغيرة ومطاعم أنيقة ومقاهٍ تطل على البحر، لكن روح المكان بقيت عصية على
التغيير. كل حجر هنا يبدو كأنه يروي سيرة صاحبه، وكل شجرة صنوبر تحفظ سراً من
أسرار الذين مروا تحت ظلالها.
ومع ارتفاع الشمس في
السماء بدأت الجزيرة تستعيد نبضها. أصوات الدراجات الهوائية والكهربائية راحت
تتسلل بين الأزقة. لفت انتباهي أن كثيراً من الدراجات التي تستأجرها السيدات تتزين
بسلال أمامية تتدلى منها زهور ملونة.
توقفت أمام مكتب صغير
لتأجير الدراجات وسألت صاحبه إن كان يتحدث الإنجليزية. أجابني بإشارة من يده أوحت
بأن معرفته بها محدودة. أشرت إلى إحدى الدراجات المزينة بالزهور وسألته:
* لماذا تحظى السيدات بهذه الزينة الجميلة بينما
تُترك دراجات الرجال بلا ورد؟
ابتسم، لكنه ترك السؤال
معلقاً في الهواء.
قلت مازحاً:
* ومع ذلك فهي زهور بلا رائحة.
ضحك طويلاً، وصفق بكفه
على كفي، ثم تركني أكمل طريقي بينما بقيت ابتسامته معلقة في المكان.
في بيوك أدا يصعب
المرور أمام منزل دون الرغبة في تصويره. البيوت هنا لا تشبه البيوت، بل لوحات فنية
تتجاور على جانبي الطريق. لكن الغريب أن أصحابها كانوا غائبين عن المشهد، وكأن
الجزيرة بكاملها تحولت إلى متحف مفتوح. حاولت أن أجد أحد السكان. وبعد بحث طويل
رأيت رجلاً مسناً يفتح بوابة حديقة واسعة. سألته إن كان صاحب المنزل. هز رأسه
نافياً، فأدركت أنه البستاني الذي يعتني بالحديقة أكثر مما يعتني أهل البيت
بالمكان نفسه.
بعد أمتار قليلة وقفت
أمام بوابة عريضة تعلوها لافتة صغيرة كتب عليها "قصر الأميرة". خلف
البوابة كان مبنى أنيق يختلط فيه الطراز الأوروبي المتأخر بملامح العمارة
العثمانية. أخبرتني المشرفة أن القصر تحول منذ سنوات إلى فندق يستقبل الباحثين عن
هدوء الجزيرة بعيداً عن صخب إسطنبول.
وفي الطريق اشتريت بوظة
تركية. طلبت من البائع أن يمزج نكهتين مختلفتين داخل البسكويت. تناول أداة معدنية
طويلة وبدأ يشكل البوظة بحركات مسرحية متقنة، حتى بدت كأنها وردة ملونة أكثر منها
حلوى صيفية. كان العرض جزءاً من الطقس اليومي الذي لا يمل السياح من مشاهدته.
خلال حديثي معه أشار
إلى عدد من المباني التاريخية القريبة. كان أبرزها المنزل المرتبط باسم ليون
تروتسكي، أحد أشهر منفيي القرن العشرين. هنا، في بيوك أدا، عاش الزعيم السوفيتي
بين عامي 1929 و1933 بعد نفيه من الاتحاد السوفيتي على يد ستالين. في تلك السنوات
كتب أجزاء مهمة من مذكراته وأعماله السياسية، وأمضى ساعات طويلة يتأمل البحر
ويصطاد السمك من الشاطئ الصخري القريب. لم يبق من قصره اليوم سوى أطلال تتآكل
ببطء، لكن ظله ما زال يحوم فوق الجزيرة كما لو أنه لم يغادرها قط.
كلما توغلت في الأزقة
ازداد فضولي لمعرفة من يملك هذه القصور. أخبرني أحد الباعة أن كثيراً منها يعود
إلى عائلات قديمة من أصول يونانية وأرمنية ويهودية وتركية، وأن أسعارها بلغت
أرقاماً يصعب تصورها. كانت تلك البيوت شاهدة على قرنين من التحولات السياسية والاجتماعية
التي مرت بها إسطنبول وجزرها.
ومن أغرب ما يلفت النظر
في بيوك أدا غياب السيارات الخاصة تقريباً. منذ سنوات طويلة فرضت السلطات قيوداً
صارمة على حركة المركبات حفاظاً على البيئة والطابع التاريخي للجزيرة. لذلك يعتمد
السكان والزوار على المشي والدراجات والعربات الكهربائية الصغيرة. ولهذا السبب
تبدو الشوارع أكثر هدوءاً واتساعاً مما هي عليه في الواقع، كأن الضجيج بقي عالقاً
على الضفة الأخرى من بحر مرمرة.
في طريق العودة مررت
بمسجد صغير، ثم بمبنى رسمي قديم، وبمقر للهلال الأحمر التركي. كانت الحياة تتدفق
ببطء تحت أشجار الصنوبر التي تملأ الجزيرة بعطرها المالح القادم من البحر.
ومع اقتراب الظهيرة
امتلأت الشوارع بالسياح. أصبح التقاط صورة واحدة يحتاج إلى انتظار طويل. مجموعات
سياحية تتوقف أمام القصور والكنائس والأديرة القديمة، ومرشدون يروون حكايات
المنفيين والأمراء والرهبان الذين عاشوا هنا عبر القرون. كانت الواجهات الملونة
تتوهج تحت الشمس، فيما يواصل الزوار البحث عن الزاوية المثالية لالتقاط صورة
يحتفظون بها دليلاً على أنهم مروا ذات يوم من جزيرة لا تشبه سوى نفسها.
عند مغادرتي بيوك أدا
أدركت أن سرها لا يكمن في جمال بيوتها أو زرقة بحرها فحسب، بل في قدرتها النادرة
على مقاومة الزمن. فبينما تندفع إسطنبول إلى المستقبل بكل سرعتها، تظل هذه الجزيرة
معلقة بين قرنين، تنام على كتف التاريخ وتستيقظ كل صباح لتعيد سرد الحكاية ذاتها،
بصوت البحر.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























