هدى العتوم والتعليم الأردني: عندما يصبح الصوت أعلى من الحجة
كتبت شيرين قسوس
ليست المشكلة في أن
تنتقد النائب هدى العتوم سياسات التعليم، فالنقد النيابي حق، والمساءلة واجب،
والاختلاف مع الحكومة جزء أصيل من العمل العام. المشكلة تبدأ عندما تتحول
الملاحظات إلى أحكام قاطعة، ثم تُقدَّم تلك الأحكام للرأي العام باعتبارها حقائق
نهائية، بينما تكشف الوثائق الرسمية صورة أكثر تعقيدًا. عندها لا يعود الخلاف حول
الموقف السياسي، بل حول الطريقة التي تُبنى بها الأحكام: هل تستند إلى قراءة
متأنية للواقع، أم أن قوة العبارة أصبحت بديلًا عن قوة الحجة؟
لسنوات، تكرر في خطاب
العتوم الحديث عن حذف آيات وأحاديث وثوابت دينية ووطنية، وعن تضخم حضور مفاهيم
الجندر في المناهج على حساب القيم والهوية. وهذه قضايا حساسة تستحق التدقيق الجاد،
لا الاستخدام الانتقائي. لكن حين نعود إلى الإطار الرسمي لمبحث التربية الإسلامية،
نجد أن القرآن وعلومه، والسنة، وأصول الإيمان، والسيرة، والقيم والأخلاق، والفقه،
وحقوق الإنسان، والمرأة في الإسلام، والمقدسات، والوطن والانتماء، كلها حاضرة ضمن
البناء المنهجي. كما ينص الإطار على إعداد جيل متمسك بدينه ومعتز بأمته ووطنه.
وهذا لا يعني أن
المناهج فوق النقد، ولا أن كل كتاب مدرسي بلغ الكمال. المنهج الذي لا يُراجع
يتجمد، والتعليم الذي لا يتطور يتراجع. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين القول إن بعض
المضامين تحتاج إلى مراجعة، وبين تصوير عملية تطوير المناهج كلها وكأنها عملية
إقصاء للدين والهوية. والدراسات الاجتماعية الرسمية نفسها تعلن أن المناهج الجديدة
تعزز قيم المواطنة والهوية الوطنية، وتحافظ على الثوابت الوطنية والدينية، وتعزز
الولاء والانتماء والقضية الفلسطينية، إلى جانب إدخال مهارات التفكير وحقوق
الإنسان والتكنولوجيا والبحث. ولذلك، إذا كان الحديث عن إقصاء الدين والهوية يراد
له أن يتحول من موقف سياسي إلى حقيقة، فلا بد أن يحدد موضع هذا الإقصاء تحديدًا،
لأن النصوص القائمة لا تؤيد هذا التوصيف بالصورة التي يُطرح بها.
ومن مضمون المناهج
ينتقل الجدل تلقائيًا إلى طريقة تطويرها؛ فالمسألة ليست فقط في ماذا نُعلّم
أبناءنا، وإنما في كيفية تغيير ما نُعلّمهم ومعايير هذا التغيير. ومن حق أي نائب
أن يثير مسألة كثرة التعديلات في المناهج ونظام الثانوية العامة، ومن حق المجتمع
أن يطالب باستقرار أكبر في العملية التعليمية. لكن تحويل كثرة التعديلات تلقائيًا
إلى تخبط ليس تحليلًا كافيًا؛ فالتعليم منظومة حية، والمعرفة تتغير، واحتياجات سوق
العمل تتغير، وطرائق التعلم تتغير. التغيير ليس عيبًا في ذاته، كما أن الاستقرار
ليس فضيلة إذا كان استقرارًا على الخلل.
المعيار الحقيقي هو ما
إذا كان التغيير قد سبقته دراسة وتجربة وتقييم، وما إذا كانت نتائجه قد قادت إلى
تصحيح المسار. والمركز الوطني لتطوير المناهج يضع ضمن مهامه رصد تطبيق الأطر
وتقييمها، ومراجعة المناهج والكتب بصورة دورية، وإعداد آليات لتجريب الكتب المطورة.
ومن ثم فإن الحكم على الإصلاح لا يصح أن يُبنى على عدد المرات التي تغير فيها
المنهج أو الامتحان، بل على ما تركه ذلك التغيير في مستوى الطلبة وجودة التعلم
واستقرار العملية التعليمية؛ فإذا كانت النتيجة تخبطًا، ظهرت آثاره في الميدان،
وإذا كانت إصلاحًا، وجب أن تظهر ثماره في النتائج.
وإذا كان الحكم على
التغيير يمر عبر نتائجه، فإن النتائج لها كلفة أيضًا. وهنا ينتقل النقاش من شكل
الإصلاح إلى فاتورته، خصوصًا مع ما أثير حول الكتب المدرسية وتكاليف طباعتها
وعددها. تحدثت العتوم عن ارتفاع كلفة طباعة الكتب المدرسية من نحو 18 مليون دينار
عام 2021 إلى 35 مليونًا عام 2025، وانتقدت عدد الكتب التي يحملها طالب الصف
الأول، وتضخم الكتب في الصفوف الثلاثة الأولى. وهذه قضايا تستحق التدقيق، فالمال
العام يجب أن يخضع للمراجعة، والكتاب المدرسي يجب ألا يتحول إلى عبء مالي أو معرفي
على الطالب والأسرة.
لكن الرقم المالي لا
يفسر نفسه. ارتفاع كلفة الطباعة يحتاج إلى النظر في عدد الطلبة والنسخ والصفحات
وأسعار الورق والطباعة والتوزيع وحجم التغيير في الكتب، كما أن كثرة الكتب لا تثبت
وحدها وجود عبء معرفي غير مبرر؛ فالمحتوى والزمن المخصص له وطريقة استخدامه هي
التي تحدد ذلك. وقد تكون هناك أبواب للهدر تحتاج إلى مراجعة، وقد يكون بعض الإنفاق
قابلًا للتخفيض، لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى الحساب الكامل لا إلى الرقم
المجرد؛ لأن تضخيم حجم المشكلة يبدأ أحيانًا من رقم صحيح يُنتزع من سياقه.
لكن كلفة الإصلاح ليست
وحدها ما يستحق المحاسبة؛ فالإنفاق يصبح أكثر أهمية حين نبحث في النتائج التي
حققتها البرامج الجديدة. ومن هنا يبرزBTEC،
الذي دخل إلى قلب النقاش حول التعليم المهني والتسرب والإنفاق.
من أكثر الملفات التي
تحتاج إلى ضبط في الخطاب العام الربط بين برنامج BTEC وارتفاع التسرب المدرسي إلى أكثر من 22 ألف طالب، كما ورد في
مداخلة العتوم. وجود مشكلة تسرب يستحق التحقيق بلا أدنى شك، لكن تحويل وجود التسرب
إلى اتهام مباشر لبرنامج بعينه يحتاج إلى إثبات السببية. فالمقارنة بين معدلات
التسرب قبل التطبيق وبعده، وبين الملتحقين بالبرنامج وغير الملتحقين، إلى جانب
دراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية، هي التي يمكن أن تحدد حجم
مسؤولية البرنامج عن الظاهرة. أما مجرد التزامن بين ظهور البرنامج واستمرار مشكلة
التسرب فلا يكفي وحده لتحميله المسؤولية.
وفي المقابل، فإن تقديم
العتوم سؤالًا نيابيًا رسميًا حول المبالغ المدفوعة لشركة Pearson مقابلBTEC،
وتكاليف البنية التحتية، وأعداد المعلمين المرتبطة بالبرنامج، هو ممارسة رقابية
مشروعة تستحق الإجابة الحكومية التفصيلية. وهنا تحديدًا تظهر قيمة السؤال النيابي
حين يبقى مفتوحًا على الإجابة، لا حين يتحول قبل اكتمالها إلى حكم نهائي؛ فالرقابة
الجادة تبحث عن العلاقة بين السبب والنتيجة، لا عن مجرد واقعة تتزامن مع أخرى.
ومن البرامج والكلفة
نصل إلى الصورة الأوسع للتعليم: فرص الوصول إليه، وبنيته الإدارية، والجهة التي
تملك قرار تطويره. وهنا تظهر قضايا رياض الأطفال والحوكمة والتعاون الخارجي، وهي
ملفات لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر حول كفاءة النظام التعليمي واستقلال قراره.
تحدثت العتوم عن انخفاض
الالتحاق برياض الأطفال في بعض المحافظات إلى نحو 39%، وربطت ذلك بكلفة الغرفة
الصفية، كما أثارت مخاوف من إعادة هيكلة الإدارة التعليمية تحت مظلة "تنمية
الموارد البشرية"، وحذرت من تدخل جهات خارجية في المناهج. وهذه قضايا تستحق
النقاش، فالتعليم المبكر قضية وطنية، وإعادة هيكلة المؤسسات التعليمية تحتاج إلى
دراسة دقيقة، والتعاون الخارجي يجب أن يبقى ضمن إطار يحفظ القرار الوطني.
لكن الحكم على هذه
الملفات لا يمكن أن يقوم على المخاوف وحدها. نسبة الالتحاق تحتاج إلى سياقها
الإحصائي، وتأثير أي إعادة هيكلة يحتاج إلى تقييم مؤسسي، والحديث عن تدخل خارجي
يحتاج إلى تحديد واضح لطبيعة هذا التدخل وحدوده. والمركز الوطني لتطوير المناهج
مؤسسة وطنية أُنشئت لتولي مهمة تطوير المناهج والكتب، وتعلن رسميًا أن عملها يستند
إلى فلسفة التربية والتعليم الأردنية والثوابت الدينية والوطنية، إلى جانب
الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية. وهذا لا يمنع الرقابة على عمله، بل يجعلها
أكثر ضرورة، لكنه يجعل الحديث عن تدخل خارجي بحاجة إلى ما يتجاوز التخوف من
التعاون أو الاستعانة بالخبرات؛ فالاستقلال لا يُحمى بالمخاوف، وإنما بوضوح
الصلاحيات والقرارات ومن يملكها فعلًا.
وعند هذه النقطة تتجمع
الملفات كلها: المناهج، والتعديلات، والكتب، والبرامج، والتسرب، والتعليم المبكر،
والحوكمة. وكلها تعيدنا إلى جوهر واحد: كيف يجب أن تكون الرقابة على التعليم؟
لا أحد يطلب من هدى
العتوم أن تصفق لوزارة التربية، ولا أن توافق الحكومة في كل قرار. وظيفة النائب أن
يسأل ويضغط ويكشف الخلل ويطالب بالتفسير، بل إن وجود صوت نيابي قوي في ملف التعليم
أمر ضروري، لأن الوزارة والمؤسسات التعليمية ليست فوق المساءلة.
لكن قيمة المعارضة لا
تُقاس بعدد الملفات التي تفتحها، وإنما بقدرتها على التمييز بين الخلل المثبت،
والخلل المحتمل، والخلل المتخيَّل. حين يُقال إن الدين أُقصي من المناهج، يجب
تحديد موضع ذلك. وحين يُقال إن التوجيهي أصبح حقل تجارب، يجب النظر إلى نتائجه.
وحين يُقال إن الكتب تستنزف المال العام، يجب معرفة موضع الهدر. وحين يُقال إن BTEC تسبب في التسرب، يجب إثبات العلاقة. وحين يُقال
إن جهات خارجية تتحكم بالمناهج، يجب تحديد من يملك القرار فعلًا. هذه ليست شروطًا
تعجيزية على نائب، وإنما قواعد بسيطة لأي نقاش جاد حول مستقبل مئات آلاف الطلبة
وملايين الدنانير؛ فالمساءلة القوية لا تكتفي بطرح المشكلة، بل تضبط حجمها وتحدد
مسؤوليتها وتدفع نحو علاجها.
والأردني الذي يرسل
أبناءه إلى المدرسة لا يعنيه أن تنتصر الوزارة في السجال، ولا أن تنتصر المعارضة
فيه؛ ما يعنيه أن يرى تعليمًا مستقرًا حين يجب أن يستقر، ومتطورًا حين تفرض الحاجة
تطويره، وإنفاقًا رشيدًا، وقرارات واضحة يمكن مساءلة أصحابها عنها.
لهذا لا ينبغي أن تتحول
الرقابة على التعليم إلى معركة مواقف، بل إلى عملية فرز دقيقة بين ما ثبت وما
يحتاج إلى مراجعة وما لا يزال مجرد ادعاء. فالمناهج تُراجع، والبرامج تُقيّم،
والإنفاق يُدقّق، والسياسات تُحاسب على نتائجها.
وفي النهاية، قيمة أي
حديث عن إصلاح التعليم لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرته على الاقتراب من
الحقيقة ودفع المؤسسات إلى تصحيح الخلل حيث يوجد. فمستقبل الطلبة لا يحتمل أحكامًا
متسرعة، ولا سجالات تنتهي بانتهاء التصريح؛ إنه يحتاج إلى قرارات تُبنى على معرفة،
وإصلاح يُقاس بنتائجه، ومساءلة تضع مصلحة الطالب فوق كل اعتبار.
وحين تتحول قضايا
التعليم إلى مادة للمواجهة السياسية، يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام عن
الغاية من تضخيم الملفات قبل اكتمال صورتها، وعن المستفيد من خطاب يرفع منسوب
القلق أكثر مما يرفع مستوى الفهم. فالمعارضة التي تريد إصلاح التعليم مطالبة بأن
تكون أكثر دقة من أن تكتفي بإثارة المخاوف، وأكثر مسؤولية من أن تترك الانطباع يحل
محل التحقق.

























