الأردن وفلسطين في مواجهة التهديدات المتداخلة
قراءة في هجوم الكرك والجنوب السوري والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية
قراءة تحليلية تستند إلى المعلومات المعلنة حتى 27 أكتوبر 2026
بقلم عارف الهدمي
لم يكن الهجوم الإرهابي
على كنيسة حمود في الكرك حادثة أمنية عابرة يمكن فصلها عن البيئة المضطربة التي
تعيشها المنطقة فقد استهدف أرواح أردنيين وأمن مجتمع عرف بتماسكه وتعايش أبنائه
وجاء في وقت تتداخل فيه التهديدات على حدود المملكة مع تصعيد إسرائيلي في الضفة
الغربية يطال الأرض والإنسان ويثير مخاوف متزايدة من توسيع النزوح والتهجير
وبين الكرك وجنوب سوريا
والخليل تبرز الحاجة إلى قراءة المشهد في أبعاده المتصلة حماية الأردن من الإرهاب
وصيانة علاقته مع سوريا ومساندة صمود الفلسطينيين في أرضهم والانتباه إلى مصالح
القوى التي قد تجد في اضطراب المنطقة فرصة لتعزيز نفوذها
لقد كان الهجوم الذي
استهدف مراسم تشييع في كنيسة حمود يوم 23 أكتوبر 2026 وأدى إلى مقتل تسعة أشخاص
وإصابة آخرين جريمة استهدفت مواطنين أردنيين وحاولت المساس بأمن المجتمع ووحدته
وقد تحركت الأجهزة الأمنية الأردنية لملاحقة المشتبه بهم وأعلنت القبض على ثلاثة
منهم فيما استمرت التحقيقات لكشف ملابسات الجريمة والجهات المرتبطة بها
وفي مساء 26 أكتوبر
أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن سلاح الجو الملكي نفذ عملية الردع الأردني حمود
ضد مواقع لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا وقالت إن منفذي هجوم الكرك مرتبطون
بالتنظيمات المستهدفة وإن العملية أدت إلى مقتل وإصابة عناصر وتدمير مواقع وآليات
ويفهم التحرك الأردني
في ضوء ما أعلنته القوات المسلحة من موقع مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها
وملاحقة مصادر التهديد التي تقول إنها رصدتها فالهجوم على الأردنيين اعتداء خطير
يستدعي المواجهة خاصة حين تشير المعلومات الأردنية المعلنة إلى امتدادات خارج
الحدود
الأردن وسوريا في
مواجهة خطر مشترك
جاء التحرك الأردني وفق
المعلومات الرسمية المعلنة استنادا إلى معطيات ميدانية بشأن تهديدات تستهدف الأمن
الوطني الأردني وفي مقدمتها خطر تنظيم داعش وخلاياه وما تمثله الشبكات المتطرفة من
تهديد لأمن الأردن وسوريا واستقرار المنطقة
وأعلن الجانب الأردني
أن العملية أوقعت خسائر في صفوف تنظيم داعش ودمرت مستودعا للأسلحة تابعا له كما
أكد أن الأردن تجنب استهداف مواقع أشارت المعلومات إلى وجود مدنيين فيها وأعرب عن
أسفه لسقوط ضحايا مدنيين
وفي المقابل أعلنت
الجهات السورية سقوط ضحايا بينهم أطفال وقال الدفاع المدني السوري إن حصيلته
الأولية بلغت سبعة قتلى بينهم ثلاثة أطفال وامرأة وثلاثة مصابين وقد تباينت بعض
التفاصيل في التغطيات فيما أعلنت الحكومة السورية فتح تحقيق في ملابسات الغارات
إن حياة المدنيين
الأبرياء وحق عائلاتهم في معرفة الحقيقة يحظيان بأهمية إنسانية كبيرة كما أن توضيح
الوقائع يخدم أمن البلدين ويمنع استغلال المأساة لإثارة الفتنة بين الشعبين
الشقيقين
وتتسم البيئة الأمنية
في الجنوب السوري بالتعقيد بفعل تعدد القوى المسلحة وهشاشة الأوضاع والتدخلات
الخارجية وقد تستغل جماعات متطرفة مناطق مأهولة للتخفي والتحرك إلا أن تحديد ما
إذا كان ذلك قد حدث في المواقع المستهدفة يحتاج إلى معلومات وأدلة تتعلق بكل موقع
على حدة وإن معرفة الحقيقة تحمي المدنيين وتخدم مواجهة الشبكات التي تهدد أمن
البلدين
علاقة أخوية لا تحتمل
الفتنة
أعلنت الحكومة السورية
أن الغارات نفذت دون تنسيق أو إبلاغ مسبق وأنها فتحت تحقيقا وقنوات اتصال مع
الأردن كما أكدت الخارجية السورية أنها أبلغت الجانب الأردني تحفظها على تنفيذ
عمليات داخل الأراضي السورية دون تنسيق مسبق وفي المقابل نقلت وكالة رويترز أن
الأردن قال إن العملية جرت بالتنسيق مع دمشق
ويظهر من ذلك تباين في
الروايتين بشأن التنسيق فيما لم تكن التفاصيل المنشورة كافية لتحديد طبيعة أي
اتصال جرى وتوقيته ومضمونه
وهذا التباين لا يلغي
حقيقة أن أمن الأردن وسوريا مترابط وأن الجماعات المتطرفة والجهات التي تستفيد من
الفوضى لا تخدم استقرار أي منهما ومن هنا تكتسب قنوات الاتصال المفتوحة بين عمان
ودمشق أهميتها في توضيح ما جرى وتبادل المعلومات ومنع اتساع الخلاف
إن الأردن الذي فتح
أبوابه للأشقاء السوريين واحتضنهم خلال محنتهم وواصل الوقوف إلى جانبهم ينظر إلى
سوريا وشعبها بعين الأخوة والاحترام ويؤمن بأن أمن سوريا ووحدتها واستقرارها
وسلامة أراضيها مصلحة أردنية وعربية مشتركة
وقد ظل موقف المملكة
قائما على دعم سوريا وشعبها ومساندة جهود استعادة أمنها وعافيتها وصون سيادتها
ووحدتها في مواجهة الإرهاب والأطماع الخارجية ولا سيما في الجنوب السوري
وفي هذا السياق تبرز
أهمية التنسيق الأردني السوري المستمر في مواجهة الإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات
وما أعلن عنه الجانب الأردني من تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تداعيات العملية وتعزيز
التعاون في مواجهة داعش
إن استمرار التواصل بين
عمان ودمشق وتبادل المعلومات والتحقيق في الوقائع يعزز القدرة على مواجهة الخطر
المشترك ويحمي العلاقة التاريخية بين الشعبين ويغلق الطريق أمام من يسعى إلى
استغلال أي تباين للإضرار بأمن البلدين واستقرارهما
وقد أعلنت السلطات
السورية إغلاق معبر نصيب يوم الثلاثاء 27 أكتوبر وتعليق حركة المسافرين والتجارة
في الاتجاهين معللة ذلك بالتطورات الميدانية في درعا واعتبارات السلامة ويمثل
المعبر شريانا مهما للعلاقات الإنسانية والاقتصادية بين البلدين وتستحق حركته
والقرارات اللاحقة بشأنه متابعة دقيقة
وركزت الصحافة السورية
في تغطيتها على الضحايا والتحقيق وموقف دمشق من التنسيق ونقلت شهادات لعائلات
وسكان طالبوا بمعرفة أسباب استهداف المواقع وتبرز هذه الأصوات الحاجة إلى توضيح
الوقائع في وقت تتطلب فيه العلاقة بين الشعبين الشقيقين الحذر من خطاب التحريض
والتعميم
الخليل والضفة الغربية
خطر يجب ألا يغيب
في الوقت الذي كان
الأردن يتعامل فيه مع آثار جريمة الكرك وتداعيات العملية في الجنوب السوري كانت الخليل
تشهد عملية عسكرية إسرائيلية واسعة رافقتها عمليات إخلاء ونزوح لأعداد كبيرة من
الفلسطينيين وهدم منشآت وقيود على الحركة
وقد حذر مفوض الأمم
المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن العملية الإسرائيلية في الخليل تثير مخاوف
جدية تتعلق بالتطهير العرقي وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من اعتداءات
المستوطنين والقيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم
إن ما يجري في الخليل
وسائر الضفة الغربية يمس الأمن والاستقرار الإقليميين فالأردن بحكم موقعه ودوره
التاريخي وصلته الوثيقة بفلسطين يقف في موقع رئيسي في مواجهة تهجير الفلسطينيين
والدفاع عن حقهم في البقاء على أرضهم وإقامة دولتهم
وصمود الفلسطينيين في
أرضهم ورفض تحويل معاناتهم إلى وسيلة لفرض واقع سياسي وديمغرافي جديد يتصلان
اتصالا مباشرا بالمصلحة الوطنية الأردنية وبمستقبل المنطقة
من المستفيد من انشغال
الأردن ومحيطه
يبرز هنا سؤال
استراتيجي يستحق المتابعة وهو من يمكن أن يستفيد من تزامن التوتر الأمني في محيط
الأردن مع اتساع الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية
إن انشغال الأردن
بتحديات أمنية متلاحقة أو تعميق الخلاف بينه وبين سوريا أو تحويل الاهتمام العربي
بعيدا عن فلسطين قد يهيئ ظروفا تستفيد منها أطراف إسرائيلية تسعى إلى توسيع
السيطرة على الأرض الفلسطينية وإضعاف المواقف التي تتصدى للتهجير
وفي ضوء التدخل
الإسرائيلي في الجنوب السوري وتعدد القوى والشبكات المسلحة في تلك المنطقة لا يجوز
استبعاد احتمال أن تسعى جهات إسرائيلية إلى استغلال شبكات متطرفة أو اختراقها أو
توظيف أنشطتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما يضر بأمن الأردن وسوريا
وهذه فرضية أمنية
مفتوحة تستحق البحث في ضوء ما قد تكشفه التحقيقات عن الاتصالات والتمويل والتسليح
والامتدادات الخارجية أما الارتباط الذي أعلنه الأردن حتى الآن فهو بين منفذي هجوم
الكرك وتنظيمات في جنوب سوريا ولم تعلن تفاصيل تثبت وجود دور إسرائيلي في الهجوم وتبقى
الأدلة أساس تحديد طبيعة أي صلة
الجبهة الداخلية مصدر
القوة
لقد أراد الإرهاب أن
يوقع الألم وأن يزرع الخوف والفرقة لكن وحدة الأردنيين وتماسكهم هما الرد الأبلغ
على هذه المحاولات فالأردن الذي يجمع أبناءه بكل مكوناتهم الدينية والعرقية ومن
شتى الأصول والمنابت يملك في وحدته الوطنية رصيدا أساسيا لحماية استقراره ومواجهة
التحديات
وتبرز في هذه المرحلة
أهمية الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة وتقدير جهود القوات المسلحة والأجهزة
الأمنية والتعامل الواعي مع الشائعات وخطاب الفتنة كما تظل العلاقات الأخوية مع
الشعب السوري والموقف الثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني جزءا من قوة الأردن ودوره
في محيطه
إن أمن الأردن ومواجهة
الإرهاب وصون سيادة سوريا واستقرارها وحماية حق الفلسطينيين في أرضهم مصالح
مترابطة وكلما تعزز التعاون العربي في مواجهة التهديدات ضاقت المساحة أمام من يسعى
إلى استغلال الانقسامات أو فرض وقائع جديدة بالقوة
الخاتمة
سيبقى الأردن بإرادة
أبنائه ووحدة صفه عصيا على الغزاة والإرهاب ودعاة الفتنة وستظل قوته في قيادته
وشعبه وجيشه وأجهزته ومؤسساته وفي إيمان الأردنيين بأن أمن وطنهم مسؤولية مشتركة
ومصيرهم واحد
وتستحق قيادة جلالة
الملك عبد الله الثاني والقوات المسلحة الأردنية الباسلة والحكومة والأجهزة
الأمنية التقدير لجهودها في حماية الوطن وملاحقة التهديدات والحفاظ على استقرار
المملكة
ويستحق الشعب الأردني
بكل مكوناته الدينية والعرقية ومن شتى الأصول والمنابت الإشادة بوحدته ووعيه
وثباته في مواجهة كل من يحاول النيل من أمن الوطن أو بث الفرقة بين أبنائه
وسيظل الأردن سندا لحق
الشعب الفلسطيني في الثبات على أرضه ورافضا تهجيره أو تصفية قضيته فحماية الوطن
والدفاع عن الحق وصون كرامة الإنسان ثوابت تجمع الأردنيين وتمنح موقفهم قوته ومعنا


















