شريط الأخبار
الملك: الإرهابيون ليسوا منا .. والشعوب لا تنسى ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة واهم خطاب العرش.. رسائل ملكية ومسؤولية وطنية وفد كنسي يزور "الميداني الأردني" في نابلس للتعزية بشهداء الكرك د. ذوقان عبيدات يكتب: كلنا درسنا المناهج نفسها! بيان لشخصيات ومثقفين أردنيين: مِنْ أجلِ وطن تعدُّديّ عصيّ على التَّطرُّف والإرهاب الملك يفتتح "عادية الأمة": الأردن سيبقى صامدا في مواجهة الإرهاب الملك يصل مجلس الأمة لافتتاح الدورة العادية الثالثة الأردن وسوريا… حين تكشف الأحداث خطأ الرهانات صحيفة تكشف: مفوض «الأونروا» يضع مخططاً لتصفية الوكالة وتسليم مهامها لمجلس السلام مع تسارع التهديد بالتصعيد.. ايران تعلن استعدادها لفتح هرمز "خلال يومين" التعليم العميق التوليدي اتفاقيَّة لتوسعة وإعادة تأهيل محطة تنقية وادي الشلالة النفط يهبط 3% بفعل تفاؤل حيال محادثات تقودها قطر لإنهاء حرب إيران "أوبك بلس":لا تغيير على حصص إنتاج النفط في كانون الأول الملك يفتتح الاثنين الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة البنك الأردني الكويتي يوقّع اتفاقية شراكة استراتيجية مع مؤسسة "تضامن" الزرقاء تبحث حلولا مستدامة للحد من الكلاب الضالة أجواء معتدلة الاثنين وانخفاض تدريجي بدءًا من الثلاثاء الحكومة تصدر بلاغ موازنة 2027 متضمنا زيادة 30 دينارا لموظفي ومتقاعدي القطاع العام سفير الهند والذنيبات يزوران الشيدية

الأردن وسوريا… حين تكشف الأحداث خطأ الرهانات

الأردن وسوريا… حين تكشف الأحداث خطأ الرهانات


د. طـارق سـامي خـوري

 

ليست المشكلة في أن نخطئ في قراءة المشهد السياسي، بل في أن نستمر في الخطأ بعدما تكشف الوقائع حقيقته.

 

عندما اتجهت الإرادة الدولية والإقليمية نحو إسقاط النظام السوري السابق، لم يكن ذلك، في تقديري، انتصارًا مفاجئًا لقيم الحرية والديمقراطية كما أُريد له أن يظهر، بقدر ما كان نتيجة حسابات سياسية واستراتيجية استهدفت تغيير موقع سوريا ودورها في معادلات المنطقة.

 

فسوريا، على امتداد عقود، كانت جزءًا أساسيًا من محور دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وهو موقع جعل نظامها في مواجهة مباشرة مع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين والسياسات الأمريكية في المنطقة. ومن هنا أرى أن إسقاط النظام لم يكن منفصلًا عن السعي إلى إنهاء هذا الدور وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بمشاركة قوى عربية ودولية متعددة.

 

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس لماذا سقط النظام السابق، بل من الذي جرى تقديمه بديلًا عنه، وعلى أي أساس اعتقد البعض أن تغيير السلطة يعني بالضرورة تغيير الفكر والسلوك؟

 

لقد وصل أبو محمد الجولاني إلى السلطة بخلفية قيادية في جبهة النصرة، التي ارتبطت بتنظيم القاعدة، ثم جبهة فتح الشام، وصولًا إلى هيئة تحرير الشام. وهذه ليست مجرد أسماء في سجل سياسي عابر، بل محطات تستوجب التوقف الجاد عند طبيعة الفكر الذي حكم تلك التنظيمات وتاريخها وممارساتها.

 

فالجولاني الذي ارتدى ربطة العنق اليوم هو ذاته الذي قاد جبهة النصرة، التنظيم الذي ارتبط اسمه بالاعتداء على كنائس معلولا وخطف راهباتها، وهي أحداث عاصرناها ولا يجوز محوها من الذاكرة أو القفز فوقها لمجرد تبدّل الخطاب والمظهر. فربطة العنق قد تغيّر صورة الرجل، لكنها لا تمحو تاريخه، ولا تكفي وحدها دليلًا على تغيّر فكره ونهجه.

 

وقد اختار الأردن التعامل مع السلطة السورية الجديدة، ومدّ جسور التعاون معها، والمساهمة في منحها فرصة للاندماج في محيطها العربي والإقليمي، انطلاقًا من حسابات سياسية وأمنية قد تكون مفهومة في سياقها.

 

لكن التعامل مع الأمر الواقع شيء، ومنح الثقة السياسية والأخلاقية لمن لم يثبت تحوله الحقيقي شيء آخر تمامًا.

 

فالدول لا تُقاس بقدرتها على مجاراة التحولات الدولية، بل بقدرتها على حماية مصالحها عندما تتعارض تلك التحولات مع أمنها الوطني.

 

ثم جاءت جريمة كنيسة حمود في الكرك، بما حملته من دماء بريئة واعتداء على أمن المجتمع ووحدته، لتعيد التذكير بأن الفكر التكفيري ليس خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه بالمجاملات، بل خطر يتجاوز الحدود ويهدد الجميع.

 

وأعقبت الجريمة ضربات جوية أردنية على مواقع في الجنوب السوري، أعلن الأردن أنها استهدفت عناصر من تنظيم داعش مرتبطة بالتهديدات لأمنه الوطني. وفي المقابل، أعلنت السلطات السورية سقوط ضحايا مدنيين، واعترضت على الضربات ونفت حصول تنسيق مسبق بشأنها. وهذه وقائع لا يجوز تجاهل أي جانب منها، فحماية الأردن واجب، وحياة المدنيين السوريين ليست أقل حرمة.

 

لكن ما يستوقفني سياسيًا، إلى جانب هذه الأحداث، هو الخطاب العدائي الذي ظهر في بعض الأوساط السورية تجاه الأردن، وما رافقه من شتائم وتحريض ونزعات تكفيرية. وهو خطاب لا يمثل الشعب السوري، لكنه يستدعي مساءلة جدية عن البيئة الفكرية التي ما زالت تنتجه.

 

فمن اعتاد اعتبار الاختلاف كفرًا، والخصومة خيانة، والعنف وسيلة لحسم الخلاف، لا يصبح بالضرورة رجل دولة لمجرد انتقاله من الخندق إلى القصر، أو استبداله اللباس العسكري بالبدلة الرسمية.

 

وهنا نستحضر فكر أنطون سعاده، الذي جعل العقل أساسًا لنهضة الإنسان والمجتمع، حين قال: «العقل في الإنسان هو نفسه الشرع الأعلى والشرع الأساسي». فالإرهاب لا يبدأ بالرصاصة، بل بالفكرة التي تكفّر الآخر، وتنزع عنه إنسانيته، وتستبيح حياته. ومواجهته لا تكون أمنيًا وحده، بل ببناء الوعي والمعرفة، وتحرير العقل من الجهل والتعصب، وتجفيف منابع التحريض والتكفير. فلا يمكن أن نحارب نتائج التطرف، ونتساهل في الوقت نفسه مع الفكر الذي ينتجه، أو أن نتصور أن تبديل المواقع والألقاب كفيل بتغيير العقائد والقناعات.

 

ولعل أخطر ما في المشهد أن كل انتقاد لسلطة الأمر الواقع السورية يُواجَه باستحضار النظام السابق وسلوكياته، وكأن إدانة الماضي تمنح الحاضر حصانة من المحاسبة، أو كأن السوريين محكومون بالاختيار الأبدي بين استبداد سابق وتطرف محتمل.

 

نحن لا نبحث عن تبرئة النظام السابق من أخطائه، ولا عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكننا نرفض أيضًا أن يتحول الماضي إلى ذريعة لتبرير الحاضر، وأن يصبح مجرد الاعتراض على السلطة الجديدة اتهامًا بالانتماء إلى «الفلول».

 

وإذا كانت المقارنة اليوم تثير لدى البعض حنينًا إلى مرحلة سابقة، وخصوصًا في ما يتعلق بأمن الحدود والعلاقات الأردنية السورية، فإن ذلك يستوجب مراجعة النتائج بدل الهروب إلى الشعارات.

 

فليس كل تغيير تقدمًا، وليس كل سقوط لنظام ولادةً لدولة أفضل.

 

أما الأردن، فقد كان عليه منذ البداية أن يميز بين ضرورة الحفاظ على علاقات طبيعية مع الدولة السورية، وبين المراهنة على شخصيات وتنظيمات ذات ماضٍ متطرف قبل التحقق من حقيقة تحولها.

 

فالاعتراف السياسي لا يمحو التاريخ، والدعم الدبلوماسي لا يصنع الاعتدال، والمصافحات الرسمية لا تكفي لإثبات التخلي عن العقائد السابقة.

 

ولا يجوز أن تتحول مصالح الأردن وأمنه إلى جزء من تجربة دولية لإعادة تأهيل جماعات مسلحة، ثم نكتشف أن تبديل الخطاب المعلن لم يكن كافيًا لتغيير الممارسات على الأرض.

 

إنني أرى أن ما جرى في الكرك، وما تلاه على الحدود السورية الأردنية، ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة سياسية وأمنية شاملة، لا لمجرد معالجة أزمة عابرة.

 

مراجعة تعيد النظر في القرار السياسي الأردني، وتضع أمن المواطن وحماية الدولة فوق حسابات التحالفات الدولية والإقليمية، وتؤكد أن العلاقة مع سوريا يجب أن تكون علاقة بين دولتين وشعبين تجمعهما مصالح ومصير مشترك، لا علاقة رهينة لأشخاص أو تنظيمات أو مشاريع خارجية.

 

وأختم بالقول: إن من أخطر الأخطاء السياسية أن نتصور أن من حمل فكرًا تكفيريًا بالأمس قد تخلى عنه اليوم لمجرد أنه أصبح شريكًا في السلطة، أو حليفًا للمجتمع الدولي.

 

فالتاريخ لا يُمحى بقرار سياسي، والثقة لا تُمنح بشهادة حسن سلوك تصدرها القوى الكبرى، وإنما تُكتسب بالأفعال والمواقف واحترام حياة الناس وحقوقهم وسيادة الدول.

 

ولعل الدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم هو أن الأوطان لا تُحمى بحسن النيات، ولا تُدار بالرهانات على الآخرين، ولا يجوز أن نضع أمننا ومستقبلنا في أيدي من لم يثبتوا أنهم تخلوا عن ماضي العنف والتكفير.

 

فليكن ما حدث درسًا نراجع فيه حساباتنا، قبل أن ندفع ثمن أخطاء لم يكن ينبغي أن نقع فيها أصلًا.