اتساع الخطر على الأمن القومي العربي
إيران على حافة الانفجار بين مفاوضات الفرصة الأخيرة وحسابات الضربة
و
تقدير موقف إعداد: عارف
الهدمي
الثلاثاء 3 تشرين
الثاني 2026
آخر تحديث الساعة 6:53
مساء بتوقيت عمّان
تدخل المواجهة
الأمريكية الإسرائيلية مع إيران مرحلة شديدة الحساسية تتزامن فيها الاتصالات
الدبلوماسية مع التعزيزات العسكرية والضربات المحدودة والتهديدات المتبادلة بما
يجعل الفصل بين التفاوض والتحضير للتصعيد أمرا صعبا فكل طرف يحاول انتزاع تنازلات
من الآخر عبر إقناعه بأن البديل عن الاتفاق سيكون أشد كلفة ومع ذلك فإن الوقائع
المتاحة لا تثبت انهيار المفاوضات ولا تسمح باعتبار الحرب الواسعة قرارا نهائيا
وإنما تكشف عن مسار تفاوضي متعثر يتحرك تحت ضغط احتمال عسكري جدي
أمريكيا جاء إعلان
ترامب اتفاقه مع نتنياهو على وقف التمويل السنوي لإسرائيل بنهاية العام ليضيف
عنصرا جديدا إلى المشهد لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة فالتصريح صدر بالفعل بينما بقي
نطاق التنفيذ وآليته ومدى اتصاله بالالتزامات القائمة دون توضيح مكتمل ومن الخطأ
تحويله إلى إعلان عن تخلي واشنطن عن حليفها أو انتهاء التسليح والتعاون الاستخباري
والحماية السياسية خصوصا أن ترامب أبقى باب المساعدة مفتوحا عند الحاجة والتقدير
أن الإعلان يجمع بين حسابات الإنفاق ومحاولة تخفيف الكلفة الانتخابية للدعم
الأمريكي مع احتمال إعادة صياغة العلاقة باتجاه زيادة الاعتماد على المشتريات
العسكرية بدلا من التمويل المباشر
وفي الملف الإيراني
تستمر واشنطن في الجمع بين الحديث عن إمكان الاتفاق والإبقاء على أدوات القوة فقد
أبدى ترامب انفتاحا على تسوية وأجاب بالنفي عندما سئل عن التفكير في ضرب إيران بعد
الانتخابات لكن هذه الإشارات تتزامن مع تقارير عن توجه حاملة طائرات إضافية وآلاف
الجنود إلى المنطقة واستمرار الحصار البحري وتنفيذ ضربات محدودة قرب مضيق هرمز
وصفتها واشنطن بأنها دفاعية وهذه الوقائع تعني أن القدرة على التصعيد يجري تعزيزها
وأن التفاوض لا يوفر حصانة من الاشتباك لكنها لا تكفي وحدها لإثبات صدور أمر بحملة
شاملة
إسرائيليا تبرز
التقارير عن ضغط نتنياهو على ترامب لاستئناف الهجمات بعد الانتخابات الأمريكية
بوصفها أحد أهم مؤشرات الخطر وهي تقارير تستند إلى مصادر مطلعة غير مسماة ولم
تتحول إلى إعلان رسمي عن عملية مقررة ويمكن تقدير أن نتنياهو يرى في المواجهة فرصة
لإضعاف القدرات الإيرانية وإعادة تقديم نفسه باعتباره ضرورة أمنية في ظل أزمته
السياسية الداخلية وربما توسيع فرص تشكيل حكومة طوارئ لكن هذه قراءة في دوافعه
المحتملة وليست دليلا على أن واشنطن تبنت خياره أو أن الحرب ستنتج له المخرج الذي
يريده
أما التسريبات المتعلقة
بعملية قصيرة ومكثفة تستهدف منشآت نووية وقدرات صاروخية وبنى للطاقة فهي تعكس وجود
تصورات عسكرية جرى تداولها خلال الأسابيع الماضية ويجب التمييز هنا بين إعداد
الخطط والموافقة على تنفيذها والأخطر في تصور الحرب القصيرة أنه يفترض إمكان التحكم
برد الخصم بينما تستطيع إيران إطالة المواجهة أو توسيع ساحاتها بما يحول ضربة
محسوبة إلى استنزاف يصعب ضبط نهايته
إيرانيا يقوم الموقف
المعلن على إبقاء الدبلوماسية مفتوحة بالتوازي مع رفع الجاهزية والتلويح برد
يتجاوز التوقعات والحدود الجغرافية ولا تناقض بالضرورة بين المسارين فطهران تحاول
إقناع واشنطن بأن الاتفاق ممكن وأن الإكراه العسكري لن يحقق استسلاما سياسيا لكن
لغة الردع لا تثبت بذاتها القدرة على تنفيذ كل التهديدات كما أن الرسائل والصور
الرمزية المتداولة لا تكفي لتحديد أهداف عملياتية أو توقيت عسكري
وتتركز العقدة
التفاوضية في ترتيب الالتزامات ومضمون الضمانات إذ تربط إيران إعادة فتح مضيق هرمز
وإنجاز التفاهم بإنهاء الحصار البحري ومعالجة مطالبها المتعلقة بالعقوبات وصادرات
النفط قبل الانتقال إلى ملفات أخرى وقد أعلنت إمكان اختصار تنفيذ مقترحها إلى
يومين لكن تقليص المدة لا يعني التراجع عن الشروط ولذلك فإن الخلاف يدور حول من
يبدأ التنفيذ وكيف يتحقق الطرف المقابل منه وما الذي يمنع العودة إلى الضغط
العسكري بعد تقديم التنازلات
وفي هذا السياق تكتسب
أهمية خاصة المعلومات المنقولة عن مصادر إيرانية ترجح هجوما أمريكيا جديدا على
التوصل إلى اتفاق فهي تكشف ارتفاع مستوى التحسب داخل الجانب الإيراني لكنها تبقى
تقديرات مصادر وليست معرفة مؤكدة بقرار واشنطن وفي المقابل لم تعلن الوساطة
القطرية انتهاء المحادثات بل أكدت استمرار دراسة المقترحات وتحدث مسؤول مطلع عن
توقع ردود خلال ست وثلاثين ساعة وهذه نافذة منتظرة للرد التفاوضي وليست إنذارا
عسكريا أو ساعة صفر للحرب
صينيا تعكس اللقاءات
المنفصلة مع مسؤولين إيرانيين وسعوديين محاولة لتوسيع مساحة التهدئة وحماية أمن
الطاقة والممرات البحرية وقد أكدت بكين رفض اعتبار القوة العسكرية حلا للأزمة لكن
لا توجد معطيات علنية تثبت أن هذه الاتصالات أنتجت اتفاقا إقليميا أو ضمانة دفاعية
لإيران فالصين تسعى إلى منع اضطراب طويل يضر بمصالحها ويهدد استقرار الخليج مع
تعزيز دورها السياسي في إدارة الأزمة
روسيا بدورها أبدت قلقا
شديدا من احتمال تجدد العمليات العسكرية ودعت إلى تكثيف الدبلوماسية واستمرت
اتصالاتها مع الجانب الإيراني لكن الدعم السياسي والاتصالات الأمنية لا يجوز
تحويلهما إلى افتراض مشاركة روسية مباشرة في الحرب والتقدير أن موسكو وبكين
تستطيعان زيادة الكلفة الدبلوماسية للتصعيد والمساهمة في توفير مخارج تفاوضية
بينما يبقى مدى تأثيرهما في القرار الأمريكي مرتبطا بموازين أوسع وباستعداد
الأطراف للتسوية
عربيا تتحرك قطر في صلب
الوساطة فيما تستمر الاتصالات الإيرانية السعودية بشأن منع التصعيد وترتيبات الأمن
الإقليمي وهذه التحركات مهمة لكنها لم تتبلور بعد في موقف عربي تفاوضي موحد قادر
على حماية مصالح المنطقة ضمن أي اتفاق فالدول العربية معرضة لتحمل أعباء استهداف
المنشآت واضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين وتعطل سلاسل الإمداد واتساع
المواجهة بين الخليج والبحر الأحمر وهي أعباء لا يعالجها تفاهم ثنائي يتجاهل أمن
الدول المحيطة وسيادتها
والتقدير في هذه
المرحلة أن خطر الضربة مرتفع بما يستوجب التحسب الجدي بينما يظل إعلان فشل
المفاوضات سابقا لأوانه فالمشهد يسمح باستمرار الضغط والاشتباكات المحدودة كما
يسمح بتفاهم مرحلي إذا أمكن الاتفاق على خطوات متبادلة قابلة للتحقق أما الانتقال
إلى حملة واسعة فيزداد احتماله إذا رفضت المقترحات الجديدة أو اتسعت الهجمات أو
سقط عدد كبير من الضحايا أو اعتقد أحد الأطراف أن الوقت يعمل ضده ولا توجد قاعدة
مهنية تبرر تحديد موعد قطعي للضربة أو منح أي سيناريو نسبة حسابية بلا أساس
إن أخطر ما يهدد المنطقة
هو اعتقاد أي طرف أنه يستطيع بدء الحرب وتحديد نهايتها منفردا ولذلك فإن المصلحة
العربية تقتضي موقفا مشتركا يرفض استخدام الأراضي والمنشآت العربية ساحات لتصفية
الحسابات ويرفض استهدافها من أي جهة ويدفع نحو حماية الملاحة وسيادة الدول وتسوية
تمنع تكرار دورات الابتزاز العسكري كما يقتضي إبقاء الحقوق الفلسطينية في صلب أي
تصور للاستقرار الإقليمي لأن معالجة التهديدات المتبادلة مع ترك جذور الصراع
مفتوحة ستنتج هدنة قابلة للانفجار
المنطقة أمام اختبار لقدرة الدبلوماسية على تحويل الرسائل إلى التزامات قابلة للتنفيذ
ولقدرة العرب على حماية مصالحهم قبل أن تحددها تفاهمات الآخرين أو تفرضها نتائج
الحرب فالفرصة السياسية ما زالت قائمة لكن استمرارها مرهون بقرارات ملموسة وكل يوم
يمر مع اتساع الاحتكاك العسكري يجعل كلفة الخطأ أكبر ومساحة التراجع أضيق


















