التسامح والوحدة الوطنية في ندوة باتحاد الكتّاب الأردنيين
عمان – اشرف محمد حسن
في أمسية وطنية وإنسانية حملت رسائل المحبة
والتضامن والوحدة الوطنية، نظّم اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين، مساء الأربعاء
4 تشرين الثاني 2026، ندوة بعنوان «تسامح الأديان في وطن الأمن والأمان»، استذكر
خلالها ضحايا الاعتداء الذي شهدته قرية الحمود، مؤكداً أهمية ترسيخ ثقافة التسامح
ونبذ التطرف وصون قيم العيش المشترك.
وأقيمت الندوة، التي
نظّمتها اللجنة الثقافية في الاتحاد بقاعة روكس العزيزي بمقر الاتحاد في عمّان،
بمشاركة وزير الأوقاف الأسبق الدكتور هايل عبد الحفيظ داود، والقس سامر ناصر عازر،
وأدارتها الأديبة والشيخة الدكتورة سارة طالب السهيل، بحضور عدد من المثقفين والأدباء
والمهتمين بالشأن الوطني والثقافي.
واستُهل اللقاء بالوقوف
دقيقة صمت وقراءة الفاتحة على أرواح ضحايا قرية الحمود، تعبيراً عن التضامن مع
ذويهم ومواساتهم في مصابهم، واستحضاراً لقيم التآخي والتكافل التي تجمع أبناء
المجتمع الأردني.
وفي كلمته الترحيبية،
أكد رئيس الاتحاد الشاعر عليان العدوان أهمية الدور الذي يضطلع به الكتّاب
والمفكرون في نشر ثقافة المحبة والتسامح، وتعزيز الحوار وقبول الآخر، وترسيخ مبادئ
العدل والمساواة والعيش المشترك.
وأشار العدوان إلى أن
اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين شكّل على مدى سنوات طويلة نموذجاً في احتضان قيم
السلام والتآخي ووحدة الحال، ولم يكن يوماً بعيداً عن التعبير عن المحبة والتوقير
للرسولين الكريمين محمد وعيسى ابن مريم عليهما السلام، مؤكداً أن الاتحاد سيظل
منبراً ثقافياً وفكرياً لمواجهة الأفكار المشوّهة، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم بين
أبناء الوطن.
وتقاطعت مداخلات
المشاركين عند التأكيد على أن الأردنيين يجمعهم تاريخ واحد وهوية وطنية راسخة، وأن
روابط المحبة ووحدة الدم والمصير تتجاوز الاختلافات الدينية، وتظهر بوضوح في مواقف
التضامن والتكاتف، لا سيما في أوقات المحن والأزمات. كما أكدت الكلمات أهمية الدور
الذي يقوم به جلالة الملك عبدالله الثاني في ترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز العيش
المشترك، إلى جانب جهود الأجهزة الأمنية في حماية الوطن وصون أمن المواطنين.
من جانبه، تناول
الدكتور هايل عبد الحفيظ داود، المتخصص في الشريعة الإسلامية، موقف الإسلام من
الاعتداء على النفس البشرية، موضحاً أن قتل الإنسان بغير حق يتعارض بصورة قاطعة مع
مقاصد الشريعة وتعاليم القرآن الكريم. وأكد أن الجماعات المتطرفة التي تتخذ من
الدين غطاءً لممارساتها العنيفة لا تمثل حقيقة الإسلام، وأن خطابها يقوم على
تأويلات منحرفة تُستغل لإشاعة الفتنة والكراهية وإثارة الانقسام والعنصرية بين
أبناء المجتمع الواحد.
بدوره، تحدث القس سامر
ناصر عازر عن عمق الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع المسلمين والمسيحيين في
الأردن، مؤكداً أن المساواة بين المواطنين واحترام حقهم في الاعتقاد وممارسة شعائرهم
الدينية يشكلان أساساً للمواطنة الحقيقية.
وأشار إلى أن مسيحيي
الأردن جزء أصيل من النسيج العربي، مستحضراً الامتداد التاريخي للمسيحية العربية
من خلال الغساسنة والمناذرة، ومشدداً على أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في
الأردن تتجاوز مفهوم التعايش التقليدي؛ فهم أبناء أرض واحدة، وشركاء في تاريخها
وحاضرها ومستقبلها، تجمعهم روابط الأخوة والانتماء والمصير المشترك.
وفي مداخلتها التي حملت
عنوان «كيف نربّي على التسامح ونحمي الأمان المشترك»، سلطت الأديبة والشيخة
الدكتورة سارة طالب السهيل الضوء على الدور المحوري للأسرة والمدرسة والثقافة في
بناء وعي الأطفال والناشئة، محذرة من خطورة الكلمات والممارسات اليومية التي قد
تبدو عابرة، لكنها تزرع بذور الإقصاء والتمييز في نفوس الأجيال الجديدة.
وتوقفت السهيل عند بعض
العبارات المتداولة في الحياة اليومية، التي تدعو إلى مقاطعة الجار أو عدم تهنئته
في مناسباته الدينية أو مواساته في أحزانه بسبب اختلاف معتقده، مبينة أن تكرار مثل
هذه الرسائل يجعل التمييز أمراً مألوفاً، وقد يفتح الطريق أمام تقبّل خطاب
الكراهية والتطرف.
كما استعرضت المراحل
التي قد يتشكل من خلالها الفكر المتطرف لدى الشباب، بدءاً من استقطابهم بخطاب
يمنحهم شعوراً زائفاً بالانتماء والخصوصية، مروراً بتعزيز النظرة العدائية تجاه
الآخرين، وصولاً إلى تبرير الإساءة إليهم أو الاعتداء عليهم.
وأكدت أن مواجهة هذه
الظاهرة تبدأ بالانتباه إلى التحولات في الخطاب والسلوك، ومن ذلك تكرار العبارات
التي تنتقص من كرامة الآخرين، أو الاحتفاء بالعنف وتبريره، مشيرة إلى ضرورة فهم
البيئة الفكرية والاجتماعية التي يتأثر بها الشاب، ومصادر المعلومات التي يتلقاها،
بعيداً عن الأحكام المتسرعة.
وتطرقت إلى أهمية تفكيك
الأفكار المتطرفة من خلال الحوار الهادئ والإصغاء الواعي، وفهم الأسباب التي دفعت
الشباب إلى تبنيها، ثم مراجعة مصادرها وتصحيح المعلومات المغلوطة والتأويلات
الدينية المجتزأة، بمساندة الأسرة والأشخاص الموثوقين والاستعانة بالمختصين عند
الحاجة.
وشددت السهيل على ضرورة
تطوير المضامين الدينية في المناهج التعليمية، وتقديمها بأسلوب معرفي وتربوي
يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة، ويتيح للطلبة طرح الأسئلة وفهم المعاني
الحقيقية للرحمة والعدل وحرمة النفس البشرية واحترام الآخر. وأكدت أن التعليم
الديني الرصين يمثل إحدى وسائل حماية الأجيال من الخطابات المتطرفة التي تتلاعب
بالنصوص وتوظفها لخدمة أهداف عدائية وهدامة.
وفي سياق متصل، حذرت من
خطورة توظيف الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر الكراهية وترويج الشائعات،
خصوصاً من خلال المقاطع المجتزأة والرسائل المضللة التي يسهل تداولها بين الأطفال
واليافعين. ودعت إلى تعزيز دور الأسرة في الحوار مع الأبناء ومتابعة ما يشاهدونه
ويتفاعلون معه، وإلى قيام المدرسة بتعليمهم مهارات التحقق من المعلومات ومصادر
الأخبار قبل تصديقها أو إعادة نشرها.
كما أكدت أهمية أدب
الطفل في غرس قيم المواطنة والتسامح، موضحة أن القصة قادرة على إيصال المعاني
الإنسانية والتربوية بصورة قريبة من وجدان الطفل، من خلال مواقف وشخصيات تعكس
الصداقة والتعاون ومساندة الجار لجاره والوقوف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة.
وربطت السهيل بين مفهوم
الوحدة الوطنية والمسؤولية الإنسانية تجاه أسر الضحايا والمصابين، مشيرة إلى أن التضامن
الحقيقي لا يتوقف عند تقديم العزاء، بل يمتد إلى متابعة احتياجات الأسر، ومساندة
المصابين، والاهتمام بالأطفال الذين مروا بتجارب الخوف والفقد، بما يضمن عدم تركهم
وحدهم في مواجهة آثار المحنة.
واختُتمت الندوة
بالتأكيد على أن التسامح ليس مجرد شعار أو مناسبة ثقافية، بل ممارسة يومية
ومسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية
والإعلامية، وأن حماية النسيج الوطني تتطلب مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز قيم
المحبة والاحترام والمواطنة.
وفي ختام الفعالية،
كرّم رئيس الاتحاد الشاعر عليان العدوان المشاركين، والتُقطت الصور التذكارية التي
جمعت رئيس الاتحاد بالمحاضرين وأعضاء الهيئة الإدارية ورؤساء اللجان وأعضاء الهيئة
العامة والحضور، في أجواء عكست روح التقدير والتآخي والاعتزاز بالهوية الوطنية
الأردنية.



















