بيان ضد الفاشية الجهادية (1 من 3 )


هيثم مناع *
دخلت "غرفة
العمليات العسكرية" بقيادة "هيئة تحرير الشام" إلى دمشق في الثامن
من ديسمبر 2024 في أقل المعارك العسكرية التي خاضتها في تاريخها من ناحية الخسائر
المادية والبشرية، كان من الظاهر للعيان أن خسارة حماس وحزب الله لمعركتهما في غزة
ولبنان، ونجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية قد خلقا وضعا إقليميا
ودوليا جديدا لم يعد فيه للغلام الأسد مكان. وأن أردوغان-فيدان قد قررا وضع حد
لفكرة دولة سورية ذات سيادة، عبر تنصيب الفصيل الأكثر تطرفا وتعصبا وغرابة عن
المجتمع السوري حاكما على كل السوريين. دخل الملثمون العاصمة السورية
"محررين" للبلد من طغيان وفساد عائلة حولت سوريا إلى مزرعة سبخا ومدمرة،
وفي يوم "الاحتفال" بعرس النصر، لم يتوقف معظم السوريين عند مشهد العروس،
سوريا، تغتصب في وضح النهار.
• في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سيطرت قوات
النخبة المكونة بشكل رئيسي من هيئة تحرير الشام على نقاط رئيسية في دمشق: دار
الإذاعة والتلفزيون، والبنك المركزي، والدوارات الرئيسية في المدينة، والقصر
الرئاسي، ومراكز الشرطة الرئيسية. أقاموا نقاط تفتيش. أغلبية أفراد هذه القوات
ملثمون ويرتدون ملابس تحمل شعار "هيئة تحرير الشام".
• سرعان ما بدأت حملة تصفيات وغسل دم لمؤسسات
الدولة من غير السنة، وأصبح مصطلح "الفلول" (بقايا النظام القديم)
الكلمة الأساسية للإشارة إلى أعداء السلطة الجديدة ضمن مفهوم هذه المجموعة للصراع
في سوريا باعتباره صراعا مع "نظام علوي أجمع الفقهاء على تكفيره". لذا
كان أول القرارات، تنفيذ فتوى ابن تيمية حرفيا: "لا يحل لأحد أن يعاونهم على
بقائهم في الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد السكوت عن القيام عليهم بما أمر الله به
ورسوله".
• تمت عملية نقل السلطة بسرعة كبيرة، حكومة
"هيئة تحرير الشام" في إدلب جرى نقلها بقضها وقضيضها إلى دمشق لإعادة
هيكلة مؤسسات الدولة في عموم البلاد وفق "النموذج الإدلبي الناجح" (حقان
فيدان). حيث وفي أصغر محافظة سورية، جرى بناء 11 سجنا لضبط الأمن! ومع تنظيم
وتوطين "المهاجرين الجهاديين" في بيوت نصف سكان المحافظة الذين أصبحوا
لاجئين ومشردين، نجحت "هيئة تحرير الشام" في ضبط الأوضاع الأمنية.
• قامت قيادة العمليات العسكرية بتأمين الأوضاع
المعيشية لعناصر ميليشياتها في المنازل المُصادرة من الضباط وضباط الصف، وأصدرت
القيادة قراراً يقضي ببقاء عناصر الجيش والشرطة من النظام البائد في منازلهم ثم
الاستدعاء الفردي لتقرير مصيرهم. وصلتنا قائمة غير حصرية بأسماء 13 ألف جندي وضابط
تم اعتقالهم في ظروف غير إنسانية في ثمانية سجون.
• منذ الأيام الأولى، بدأت الهجمات ضد العلويين
بوصفهم كذلك بطريقة عشوائية وغير منتظمة، ولكن بشكل منهجي ينطلق من ضرورة إبعاد كل
من ينتمي لهذه الطائفة عن مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والمعاشية والعسكرية
والأمنية عملا بفتوى ابن تيمية. تزايدت أعمال الانتقام العمياء والمروعة، وشجعت
قوى الأمن الجديدة ما أسمته الحق الخاص، أي أن يأخذ مواطن سني انظلم أو فقد شهيدا
من أسرته، حقه بيده من أقرب علوي يجاوره في السكن أو الحي. صار من النادر على الحواجز
الأمنية للسلطة الجديدة عدم طرح السؤال: أنت علوي أم سني؟ وقد جرت عمليات استفزاز
ضد المسيحيين في أحيائهم جرى تحجيمها إثر ردود الفعل الأوربية.
• تم جمع سجلات العاملين في القطاع العام. ومن ثم
استدعاء هؤلاء لاتخاذ قرار فصل أكثر من 28% من الموظفين المدنيين، وهو الرقم الذي
أكدته الوزارات المعنية.
• جرى استدعاء وتوقيف ومحاكمة العاملين في الأجهزة
الأمنية والشرطة والجيش السوري، بتسويات أو بدون تسويات. خلال الشهر الأول، لم يتم
دفع رواتب موظفي القطاع العام في مختلف القطاعات.
• أصدر السيد الشرع مرسوماً يمنح فيه أعلى رتب
"الجيش الجديد" (المكون جزئياً من الجهاديين الأجانب، وخاصة من آسيا
الوسطى: الأويغور والأوزبك والتركستان وغيرهم) إلى 49 شخصاً، سوريين وغير سوريين،
أصبحوا جنرالات وألوية وعقداءً بملاحظة وورقة موقعة منه. بعد أسبوع، تم الانتهاء
من بناء وحدات الجيش الجديدة، بقيادة جهادي أردني وآخر تركي ومصري، لم يجر استدعاء
آلاف الضباط المنشقين رغم انتماءاتهم المذهبية "السنية"، والرأي في ذلك
كان واضحا منذ زمن على لسان أنس خطاب، الذي نصب مديرا للمخابرات العامة وبعدها
وزيرا للداخلية: "لا يجوز الالتحاق بالجماعات والجيوش التي تنتسب لمذهب
الوطنية، لأنها جماعات على ضلالة، وقتالها ليس في سبيل الله، وإنما هو في سبيل
الوطن، ومن قُتِل في سبيل الوطن فلا يجوز أن يقال عنه شهيد، إذ الشهادة منزلة
دينية بحتة، وليست وسامَ شرفٍ بشريٍّ يُخضعه الناس لفلسفاتهم وأفكارهم
الباطلة."( أنس خطاب، حكم الانتساب للجماعات والجيوش الوطنية).
• أصبح من الواضح أن الفريق الجديد يريد احتكار
السيطرة على أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي والجيش، قبل مناقشة أي قضايا أخرى.
لذا صار من شروط التوظيف في الشرطة والأمن الانتماء السني والتعليم الديني
والاستعداد للدفاع عن "الإسلام الحق".
• منذ إنشاء حكومة الأمر الواقع الأولى في إدلب،
كان هدف هيئة تحرير الشام هو السيطرة الكاملة على العمل النقابي والجمعي ومختلف
أشكال المجتمع المدني. وقد صادرت الحكومات الإدلبية السبع أهم المشاريع التي ولدت
من مبادرات مدنية وشعبية ووضعتها تحت سيطرتها. ويبدو واضحاً، حتى الآن، أن عملية
نقل هذا النموذج البائس إلى دمشق جارية على قدم وساق.
• في 29 يناير/كانون الثاني 2025، جرى تنظيم
"مؤتمر النصر"، وانطلاقاً من مبدأ أن من "يحرر" يقرر، جرى حلّ
مؤسسات الجيش والأمن والشرطة، وكذلك هيئات التفاوض والأحزاب والقيادات النقابية...
أعطي مؤتمر النصر العسكري في جلسته الأولى والأخيرة صلاحيات (أهل الحل والعقد)،
فعين أحمد الشرع رئيساً للجمهورية، مع منحه صلاحية تشكيل مجلس دستوري، وإقرار
المبادئ الدستورية، وتشكيل حكومة انتقالية.
• في 6 مارس/آذار، قامت مجموعة صغيرة من أفراد الجيش
السابقين باحتجاز عناصر من الأمن كرهائن. فأعلن أحمد الشرع التعبئة العامة ضد
الفلول، أطلقت الدعوات الجهادية في العديد من المساجد، وجرى استنفار كل الغرائز
الطائفية المريضة الكامنة. قام قرابة خمس عشرة فصيلاً مسلحاً، في مقدمتهم
تلك المؤلفة من جهاديين أجانب، الساحل السوري مرددين شعار "الموت للعلويين".
• خلال الأيام الأربعة التالية، تم توثيق 25
مجزرة، والتحقق من 811 فيديو، وتحديد هوية 2246 ضحية. ولدينا أيضًا قائمة بأسماء
2100 مدني علوي مفقود. كما تم تسجيل 42 ضحية من ديانات أخرى، قُتلوا بسبب تضامنهم
مع المدنيين أو محاولة إخفائهم. وبالإضافة إلى ذلك، ما زال قرابة 30 ألف نازح أو
لاجئ في شمال لبنان.
• منطقة الساحل اليوم على شفا كارثة إنسانية غير
مسبوقة، حيث يعيش 97% من السكان تحت خط الفقر، وهناك أكثر من 10 آلاف حالة موثقة
من الاعتقالات غير القانونية والاختفاء القسري، وموجة من التسريح الجماعي لنحو
2000 موظف مدني في قطاعي الصحة والتعليم.
• في 12 مارس/آذار 2025، أعلنت الرئاسة السورية،
بموجب مرسوم رئاسي أصدره أحمد الشرع، عن تشكيل مجلس للأمن الوطني يتألف حصراً من
مسؤولين من هيئة تحرير الشام. مهمة المجلس هي تنسيق وإدارة السياسات الأمنية
والسياسية للبلاد. هذا المجلس المكون من مجموعة أشخاص تلوثت أيديهم بالدم السوري،
هو من يرسم السياسة الأمنية والعسكرية في البلاد.
• ها نحن نقترب من نهاية الشهر الرابع على
دخول هيئة تحرير الشام إلى دمشق، ولم يتم اتخاذ قرار سياسي واحد بشأن الوضع
الاقتصادي الكارثي الذي يعيشه جميع السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الهيئة.
• تم تعيين حكومة انتقالية صورية من قبل الرئيس في
30 مارس 2025، لفترة غير محددة. أخذ الجولاني بعين الاعتبار في هذه الحكومة، من
باب العرفان بالجميل، تسليم عامل في قناة الجزيرة منصب وزير الثقافة وأحد تلامذة
عزمي بشارة وزيرا للإعلام.
• جرت تسمية المفتي العام للجمهورية ومجلس الإفتاء
من أغلبية مشهود لها "بالنقاء" الإيديولوجي الجهادي، واعتبارها تنظيف
البلاد من الفرق الضالة والعلمانيين والديمقراطيين والوطنيين واجبا دينيا. وعلى
ذمة الشيخ النابلسي، فإن من مهماتها الرقابة على القوانين والتشريعات ومدى توافقها
مع الشريعة الغراء.
قسم غير قليل من الطبقة
السياسية المهترئة والتعبة، ما زال يتحدث عن الثياب الجديدة للأمير الجديد،
واكتشاف طاقاته العبقرية التي بقيت مدفونة طيلة 14 عشر عاما، وعن فريقه الشاب الذي
سيعيد لبلاد الشام مجدها الأموي، في وقت تثبت فيه السلطة الجديدة جملة أركان بناء
سلطة شمولية طائفية تتعيش من إذكاء خطاب الحقد بين أطياف المجتمع المختلفة وتثبت
العنصرية والتمييز الديني في كل هياكلها الجديدة.
للحقيقة والتاريخ، فإن
صناع القرار الجدد لم يضعوا حجابا على آرائهم ومواقفهم، بل كانوا أكثر صراحة
ووضوحا في رؤيتهم لبناء الدولة. عندما طرحنا منذ سنوات، ضرورة بناء جيش وطني سوري
جديد، كان أول من رد علينا بوقاحة وصفاقة في رسالته "حكم الانتساب للجيوش
والجماعات الوطنية"، "الجنرال" أنس خطاب، قائد المخابرات العامة
ووزير الداخلية اليوم:
"الإسلام يجعل الولاء والبراء معقوداً على الدين،
والقتال في سبيل الدين، ولإعلاء كلمته.
بينما الوطنية تجعل
الولاء والبراء على أساس الوطن والأرض، فأبناء الوطن الواحد بعضهم أولياء بعض، بغض
النظر عن أديانهم، فالمسلم أخو النصراني أخو اليهودي أخو الملحد أخو المرتد، لا
فرق بينهم، ولا فضل لأحدهم على الآخر، لأنهم جميعاً أبناء وطن واحد.
أما الإسلام فيقرر
بوضوح وصراحة أن {الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ {، وأن} الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ {، }وأن المُسْلِمُ أَخُو
المُسْلِمِ. {
والوطنية تجعل أبناء
الوطن الواحد متساوين جميعاً في الحقوق والواجبات -مهما اختلفت أديانهم، فيحق
للنصراني واليهودي والملحد والمرتد ما يحق للمسلم!
ومن أمثلة ذلك الولاية
وتولي المناصب العامة، فهي في الوطنية حق عام لجميع المواطنين -مهما اختلفت
أديانهم-، ولو كانوا من الملاحدة أو المرتدين، بينما في الإسلام لا تجوز إلا
للمسلمين، بل لا تجوز إلا للعدول من المسلمين."
مضيفا: "أن
الوطنية مذهب فلسفي يناقض دين الإسلام، فلا يجوز الاعتقاد به والانتساب إليه، سواء
كان ذلك على الحقيقة أو لأجل التورية ومخادعة العدو، وإن كان الحكم لا يستوي في
الحالين، فالأول حكمه الكفر، والثاني حكمه التحريم".
يقرر السيد خطاب بوضوح
أنه لن يبني مؤسسة وطنية عسكرية سورية لأن ذلك يعني المساواة بين المسلم وغير
المسلم، وبالتالي يحدد لون وطائفة وعقيدة الجيش الجديد بشكل مسبق وواضح..!
بالأمس وقف أحرار نوى
بصدور عارية يواجهون العدوان الإسرائيلي الذي لم يتوقف في حقيقة الأمر، منذ الثامن
من ديسمبر 2024. سقط 9 شهداء في هذه المواجهة مع العدو الإسرائيلي...
لا ندري إذا كان وأبو
قصرة وخطاب والشرع وعطون، سيتحسنون على شهداء حوران بلقب الشهادة؟ أليسوا هم من
قال وكرر طيلة 14 عاما: "من قُتِل في سبيل الوطن فلا يجوز أن يقال عنه شهيد،
إذ الشهادة منزلة دينية بحتة، وليست وسامَ شرفٍ بشريٍّ يُخضعه الناس لفلسفاتهم
وأفكارهم الباطلة"...
يوما بعد يوم، يتأكد
للسوريين والسوريات أن نموذج هيئة تحرير الشام الحاكم اليوم، لا يَصلح ولا يُصلح،
وأن الفكرة الجهنمية التي يجري ترهيب وترغيب السوريين بها: "نحن أو
الطوفان"، ستتحول إلى نقمة على أصحابها...
المجتمعات البشرية تعرف
ظاهرة الانتحار الفردي، إلا أنها لم تقبل حتى في ظروف هيمنة أسوأ أشكال الطغيان،
أن تنتحر جماعيا خدمة لقامعيها.