نظرة تفاؤلية للعام 2026
وائل منسي
لقد كان عام 2025 عاماً فاصلاً، لم يكن مجرد امتداد لما سبقه،
بل كان نقطة تحول أعادت تشكيل ملامح الخارطة السياسية والاقتصادية العالمية
والإقليمية، حيث تداخلت فيه أصداء التوترات الجيوسياسية الكبرى مع تسارع الثورة
التكنولوجية. فبينما كان العالم يراقب بعين القلق عودة الحمائية الاقتصادية مع
التحولات السياسية في واشنطن، واستمرار حالة الاستنزاف الاستراتيجي في الصراع
الروسي الأوكراني، كانت المنطقة العربية على موعد مع زلازل سياسية لم تقتصر على
الهشاشة الأمنية في مناطق الصراع التقليدية، بل امتدت لتشمل تحولات جذرية في
موازين القوى الإقليمية، لعل أبرزها السقوط المفاجئ لنظام الأسد في سوريا، والهدنة
الهشة التي فرضت نفسها على قطاع غزة بعد عامين من الحرب المدمرة، مما أبقى المنطقة
بأسرها في حالة تأهب قصوى وتنافس محموم على إعادة رسم التحالفات.
في خضم هذا المشهد المتقلب، برز الأردن كنموذج للاستقرار
الاستراتيجي، متجاوزاً التحديات الإقليمية بأقل قدر من الاهتزاز، ومحافظاً على
دوره الدبلوماسي المحوري، خاصة في دعم القضية الفلسطينية وإدارة ملفات الجوار
المعقدة. لم يكن صمود الأردن مجرد رد فعل، بل كان نتاج سياسة حكيمة مكنت الاقتصاد
الوطني من إظهار مرونة ملحوظة، محققاً نمواً فاق التوقعات، ومستفيداً من سياسات
نقدية حصيفة حافظت على استقرار سعر الصرف.
والأهم من ذلك، أن المملكة حققت قفزة نوعية في مؤشرات
الابتكار والحكومة الرقمية، وهو إنجاز يمثل دليلاً قاطعاً على أن رهان الأردن
الحقيقي يكمن في استثماره الأثمن: رأس المال البشري
إن هذا الصمود، رغم أهميته، يضع الحكومات الحالية أمام
مسؤولية تاريخية لتجاوز المقاربات الاقتصادية التقليدية التي سادت في السنوات
الماضية، والتي أدت إلى تفاقم تحديات الدين والبطالة. لقد أثبتت الأزمات المتلاحقة
أن الاعتماد على حلول جزئية لم يعد كافياً، وأن الحاجة باتت ملحة لتبني فلسفة
اقتصادية شاملة ترتكز على مبدأ اقتصاد السوق الاجتماعي. هذا المبدأ لا يكتفي
بتحرير الأسواق، بل يضمن في الوقت ذاته عدالة التوزيع والحماية الاجتماعية، مما
يتطلب من الحكومات الحالية تسريع وتيرة الحوكمة الرقمية لضمان الشفافية والكفاءة،
وإعادة هيكلة جذرية للنظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة وتحفيزاً للاستثمار المنتج
بدلاً من التركيز على الجباية.
إن استشراف المستقبل القريب والمتوسط، وتحديداً عام 2026 وما
يليه، يضع الأردن في مفترق طرق استراتيجي، حيث تتضاءل أهمية الموارد الطبيعية
التقليدية أمام قيمة المعرفة والمهارة. ففي الوقت الذي تشير فيه التوقعات
الإقليمية إلى نمو اقتصادي قوي مدفوع بالتحول الرقمي والطاقة المتجددة، يجد الأردن
نفسه مؤهلاً ليكون مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا الخضراء والخدمات الرقمية.
هذا التأهيل لا ينبع من
موقعه الجغرافي فحسب، بل من جودة خريجيه وقدرتهم على تبني التقنيات الناشئة. إن
التطور التكنولوجي المتسارع، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، سيؤدي حتماً إلى
فقدان وظائف تقليدية في قطاعات مثل الإدارة الروتينية والخدمات اللوجستية، ولكنه
في المقابل سيخلق موجة هائلة من الوظائف الجديدة التي تتطلب مهارات تحليل
البيانات، والبرمجة، وإدارة الأنظمة الذكية.
هنا يكمن الرهان الأردني الأكبر: فبفضل رأس ماله البشري ذي
القيمة العالية، يمتلك الأردن القدرة على سد هذه الفجوة التحولية.
إن المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مثل الناقل الوطني للمياه،
ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، بل هي محفزات للنمو تتطلب وتخلق فرص عمل نوعية تعتمد
على الكفاءات الهندسية والتقنية الأردنية.
إن السيناريو الأكثر
ترجيحاً للأردن في عام 2026 هو تحقيق تحسن تدريجي ومستدام في الأداء
الاقتصادي، مدعوماً بالاستقرار السياسي واستثمار متزايد في الإنسان، ليؤكد الأردن
مجدداً أن ثروته الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في عقول أبنائه، وأن هذا الرهان
الذكي، المدعوم بحوكمة رشيدة ونظام اقتصادي اجتماعي عادل، هو الضمانة الأكيدة
لعبور تحديات الإقليم نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.

















