كيف تنشأ الأحزاب .. وكيف تنهار
عوض
ضيف الله الملاحمة
تعج
الساحة الأردنية ، وتختنق بكثرة الأحزاب التي يصل عددها الى ( ٣٨ ) حزباً . وألحظ
ان الثبات ، والإستقرار ، والإستمرار ، والتفاعل ، والفاعلية والتأثير
المجتمعي ، يجانبها تماماً . كما ان حالها يشبه حالة الكثبان الرملية الصحرواية
المتحركة ( sand dunes ) . فالإنسحابات ، والإستقالات ، والخلافات
هي طابعها العام . والسبب لأنها تفتقر الى الأسس الفعلية لتأسيس الأحزاب ونشأتها
الصحيحة . كما يدل ذلك على تضارب المصالح ، والسعي للمكاسب الشخصية .
أود
التطرق لكيفية ( نشأة الأحزاب ) نشأة صحيحة ، تضمن إستمرارية بقائها ، ولعب الدور
الوطني والقومي المطلوب . كما لابد من التطرق الى الأسباب التي تؤدي الى ( إنهيار
الأحزاب ) ، وخروجها من الساحة ، وفقدانها لدورها المناط بها سواء وطنياً او
قومياً .
تعريف
الحزب السياسي :— [[ الحزب هو تنظيم ( حُرّْ ) ( لأشخاص ) يجمعهم ( هدف ) او (
برنامج سياسي مشترك ) ، يسعى للمشاركة في إدارة شؤون الدولة ، عبر ( الإنتخابات )
، والعمل العام بطرق سلمية وديمقراطية ، بهدف الوصول لمواقع في السلطة ، او (
التأثير فيها ) ، ( لتنفيذ رؤيته ) السياسية ، والإجتماعية ، والإقتصادية ]] .
وبمعنى
آخر : الحزب هو أداة لتعبئة المواطنين ، وتشكيل الرأي العام ، وتقديم الأفكار
للحُكم ، ويعتبر الحزب عنصراً أساسياً في النُظم الديمقراطية الحديثة .
وعليه
، إذا لم يكن الحزب حُرّاً ، واذا لم يجتمع الأعضاء على هدف او برنامج سياسي مشترك
، ولم يسعَ للمشاركة في إدارة الدولة ، عبر تفاعله الجماهيري ومشاركته في العمل
العام ، واذا لم يكن لديه قاعدة جماهيرية تمكنه من الفوز في الإنتخابات بطرق
ديمقراطية سليمة للمشاركة في إدارة الدولة ، والتأثير في سياساتها ، وتوجهاتها ،
وبرامجها من خلال طرح رؤيته ، والعمل على تنفيذها ، فإنه يفقد مواصفات الحزب
الحقيقي ، ويفقد مسببات وجوده .
وحتى
يحافظ الحزب على إستقلاله ، يفترض ان لا يتلقَ اي دعمٍ مالي من أية جهة — حتى لا
ينحاز اليها ويُعتبر الدعم ذريعة للتدخل في قراراته — بل على الحزب ان يعتمد (
إعتماداً كُلياً ) في التمويل على ( إشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم ) ، حتى يضمن
حياديته وإستقلاله .
والأهم
مما ورد أعلاه فإن الحزب لا يتأسس بقرار . بل يظهر ( كمتطلب جماهيري ) ، لتأطير
نضال الشعوب وتنظيمه ، وتوجيهه لتحقيق إنجاز وطني عظيم . وعليه فانه لابد من توافر
متطلب ، او ضرورة وطنية او قومية — الفصل بين الوطني والقومي ليس موجوداً الا في
وطننا العربي — هذه الضرورة الوطنية والقومية هي التي تحث مجموعات من الناس على (
التنادي ) ، ( والتحشيد الجماهيري ) الشعبي لنشوء الحزب وإنطلاقه . وعند التأسيس
تنبري شخصيات كاريزمية مقنعة ، تحمل فكراً معمقاً ، قادرة على وضع فكر الحزب
واستراتيجياته . ويكون الهدف من إنشاء الحزب إنصهار الجماهير في بوتقته
للنضال لتحقيق هدفٍ وطني او قومي عظيم . وللتدليل على ذلك : فقد كان لرزوح أقطار
الوطن العربي تحت نير الإستعمارين البريطاني والفرنسي تحديداً ، والإستعمار العثماني
قبلهما ، أثراً ، حيث أدى الى نشوء الأحزاب العربية التي تحمل فكراً ، ونهجاً ،
وهدفاً قومياً ، يتمثل في تحرر الإنسان العربي ، وتحرير الأرض العربية من نير
الدول الإستعمارية .
واذا
لم يكن الحزب يمتلك أدوات فاعله تساعده في لعب دور جماهيري كبير ، فلن يكون
حزباً جماهيرياً ، ولن يحقق اهدافاً وطنية مؤثرة في حياة الناس . بل سيكون على
الهامش ، ولا يستحق ان يُسمى حِزباً ، بل ربما يكون أقرب لمسمى الجمعية او المضافة .
الأحزاب
يفترض ان تكون ( رافعة جماهيرية ) لحمل وتبني القضايا الوطنية والقومية والإنسانية
أحياناً . فيتحرك الحزب نحو تحقيقها ، ويعلن عن مواقفه وإجراءاته التي ينوي
إتخاذها ، دون حدود او قيود .
أكسير
الحزب هو ( نشاطه السياسي ) ، الجماهيري . حيث عليه ان يُسيِّس القضايا الإجتماعية
، والإقتصادية ، والمتطلبات الحياتية المجتمعية ، ويكون له رأياً ، وموقفاً منها .
ظهرت
الأحزاب القومية عامة ، وحزب البعث العربي الإشتراكي تحديداً كرد فعل على
الإستعمار الغربي ، وتجزئة الوطن العربي كنتيجة لإتفاقية سايكس - بيكو البريطانية
الفرنسية . وتأثراً بالأفكار القومية والإشتراكية . بهدف تحقيق الوحدة العربية —
رداً على التقسيم — بقصد بناء أقطار قوية ، وتوفير العدالة الإجتماعية ، وتحرير
الإقتصاد . لكنها اصطدمت بالواقع السياسي والتنافس على السلطة ، مما أدى الى
صراعات داخلية وانقسامات أطاحت بها .
أما
الشيوعية فقد ظهرت على يد المفكر الألماني / كارل ماركس ( ١٨١٨ — ١٨٨٣ ) ، وهو
الأب الروحي للشيوعية كنظرية سياسية إقتصادية ، ودعا لثورة العمال ( البروليتاريا)
لإقامة مجتمع شيوعي . حيث وضع الأسس النظرية مع صديقه / فريدريك إنجلز ، في البيان
الشيوعي عام ( ١٨٤٨ ) . واصفين الشيوعية كنظام ( غير طبقي ) يسعى لتحقيق المساواة
عبر الصراع الطبقي . ويعتبر / فلاديمير لينين أحد المطبقين والمطورين لها في القرن
العشرين عبر الماركسية اللينينية .
أما
حزب الاخوان المسلمين فكان السبب في ظهوره تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية
والاقتصادية في مصر ، في عشرينات القرن الماضي . حيث غابت العدالة ، وانتشر الفساد
. فجاء الحزب كحركة إصلاح مجتمعية لتطبيق الشريعة الإسلامية ، من خلال التربية ،
والعمل الخيري والدعوي ، مستفيداً من فراغ سياسي وفكري . لكن تكمن خطورته في
إنحرافه وإنتهاجه العالمية برعاية بريطانية . مما أبعده كثيراً عن أهدافه التي نشأ
عليها في بداياته .
أخطر
المخاطر التي واجهتها الأحزاب العقائدية ( الاحزاب القومية ، والإشتراكية ،
والدينية ) يتمثل في الإستهداف المحلي والخارجي . حيث واجهت أعداءاً كِباراً ،
شرسين ، عدائيين ، يمتلكون كافة القدرات ، والمقومات ، والإمكانيات لتشويهها ،
والإضرار بها ، حتى الإطاحة بها ، وقد حصل .
إقترفت
الأحزاب العقائدية أخطاءً كبيرة وخطيرة إكتنفت مسيرتها ، من أهمها :— ١ )) تمركز
الفردية في الحكم . ٢ )) إنتهاج الدكتاتورية العنيفة بدلاً من الديمقراطية في حُكم
الشعوب . ٣ )) إتباع نهج الحُكم الشمولي المنغلق المتصف بالعنف . ٤ )) غياب
العدالة غياباً مطلقاً . ٥ )) البعد عن الإشتراكية والفكر الإشتراكي .
لكن
كان للأحزاب العقائدية فائدة عظيمة تمثلت في ( قولبة شخصيات المنتمين ) اليها
وخاصة فئة الشباب . وكان في مقدمتها الحزب الشيوعي . حيث أفرزت هذه الأحزاب
أشخاصاً يحملون قيماً نبيلة ، بالاضافة الى إصطباغ شخصياتهم بالجدية ، والإنضباطية
والاستقامة ، والاستعداد الدائم للعطاء ، والإلتزام بالنهج الصحيح القويم ، حيث
دربتهم الأحزاب على ان يرقبوا ذواتهم ويقيِّمون سلوكياتهم ضمن معايير نبيلة .
إذا لم
تقم الأحزاب بدورها الجماهيري بشكل فاعل ، ومُنجِز ، ومتميز فانها تفقد أسباب
بقائها . وتكون طريق الإنهيار والإختفاء من الساحة نهاية بديهية . وتغيب عن الساحة
دون أسفٍ عليها . كما ان غيابها لا يُفتقد ، لأن وجودها لم يكن ذا أثرٍ ، ولا
تأثير فتختفي بسبب نبذ المجتمعات لها لعدم جدوى وجودها .

















