ايران بعيون أميركية ... 1979 والآن...
محمد فراج *
قبل سنوات عديدة، وفي
إحدى "بسطات" الكتب القديمة، وقع بين يديّ كتاب "أميركا
وإيران" للسفير الأميركي الأخير في إيران قبل الثورة عام 1979؛ وليام سوليفان.
يروي سوليفان في الكتاب
اللحظات الأخيرة قبل سقوط الشاه، والمشادّات الكلامية عبر الهاتف مع كارتر وبريجينيسكي؛
ويصف تعنّتهما لمحاولة إجهاض الثورة والحفاظ على نظام الشاه؛ ويقول: "الذئب
المتعجرف بريجينيسكي والفتى المدلّل كارتر لا يعلمان ما الذي يحدث في إيران
بالضبط، ولا يدركان تصميم الشعب الإيراني على إسقاط الشاه، وأنه لا يوجد إمكانية
للحفاظ عليه، لا عبر انقلاب عسكري ولا غيره، النظام تعفّن وانتهى أمره".
لم تكن واشنطن قادرة
على استيعاب سقوط نظام الشاه في ظل استقطاب الحرب الباردة الحادّ في منطقتنا،
وصمّمت على الحفاظ عليه بصرف النظر عن مؤشرات عمل النظام المرعبة:
• جرائم السافاك المدعوم من الموساد.
• الطبقية الحادّة في المجتمع الإيراني التي سيطرت
فيها نسبة 0.1% على الثروة في مقابل طبقة فقيرة واسعة ( 45% في الأرياف، و32% في
الحضر) . ( بالمناسبة هذه النسب واردة في كتاب أروند إبراهيميان، المؤرخ المعارض
بشراسة للثورة الإسلامية في إيران).
• إحصاءات البنك الدولي التي لم تكن معادية لنظام
الشاه كانت تقول أن 10% من الإيرانيين كانوا يمتلكون 52% من الثروة، وال 90%
الباقية تمتلك النسبة المتبقية!
ماذا عن اليوم؟
تركّز استراتيجيات
الأمن القومي الأميركية، سواء تلك المنشورة في آذار عام 2021 في ظل إدارة بايدن أو
المنشورة في نوفمبر عام 2025 في ظلّ إدارة ترامب على فكرة التخفّف من أعباء الشرق
الأوسط.
إدارة بايدن اعتبرت
المناطق الجغرافية الأكثر أولوية هي روسيا والصين وإعادة توثيق العلاقة مع الحليف
الأوروبي، ومع ذلك تركت "نسبياً" العالم وراء ظهرها بعد السابع من
أكتوبر، لحماية أمن "إسرائيل".
استراتيجية الأمن
القومي الصادرة مؤخراً في ظل إدارة ترامب تعتبر الشرق الأوسط عنصر انشغال عن باقي
الأولويات الأميركية(Allow US finally prioritize American interests). وتستخدم في عنوان التعامل في الشرق الأوسط مصطلح (shift burdens)
"تحوّل الأعباء".
وتقول أن "السبب التاريخي للولايات المتحدة في التركيز على الشرق الأوسط
يتراجع"، ولكنها مجدداً تذكّر صراحة أولوية الحفاظ على أمن
"إسرائيل"؛ وكل ذلك لا يمكن له أن يتحقّق من دون التخلص من الفاعلين
الأساسيين في تحدّي السياسة الأميركية والإسرائيلية، وعلى رأسهم إيران.
كان هنالك مروحة واسعة
من المشاريع الأميركية في المنطقة، ظلّلها جميعاً هدف واحد، وهو إحكام السيطرة
الإسرائيلية على المنطقة ( "ناتو عربي"، نقل عضوية "إسرائيل"
إلى سنتكوم، توسيع اتفاقات أبراهام)، وإذا كانت هذه المشاريع تحرّكت بروح تشكيل تحالف
معاد لإيران، فالسقف الأعلى من طموحها أميركياً أن تكون تعبيراً عن نظام حاكم
للمنطقة بقيادة "إسرائيل" وبغياب إيران ( أي إسقاط نظامها السياسي).
########
1979 فعلت واشنطن كل شيء للحفاظ على نظام حليف تعفّن...
2026 تفعل واشنطن كل شيء للتخلص من نظام يتحدّاها،
وحتى بالترويج لإعادة إنتاج النظام المتعفّن نفسه ( نظام الشاه)...

















