الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران: تقديرات أولية!
تظهر الشراكة الإسرائيلية
ـ الأمريكية في الحرب على إيران، بوضوح، تمكن رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين
نتنياهو، من ترجيح الرؤية الإسرائيلية حول إيران، وجعلها أولوية في الاستراتيجيات
الأمريكية للمنطقة والعالم، وهو ما ينذر بانقضاء على حالة التأرجح السابقة داخل
إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بين تيار تجنّب خوض الحروب (بعد النتائج
الكارثية لحربي العراق وأفغانستان) واتجاه افتراس الدول والشعوب واغتيال النخب،
على طريقة إسرائيل. يظهر اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي،
أيضا، رجحانا لأساليب تنفيذ تلك الرؤية، وانتصارا لغلبة القوة على قوانين السياسة
والحرب.
مفيد هنا التذكير بوقائع الحرب السابقة على إيران (التي سميت «حرب الـ12 يوما»)
وإلى الطريقة التي تمكنت فيها إسرائيل من توجيه الدفّة الأمريكية نحو الحرب:
افتتحت إسرائيل، فجر يوم 13 حزيران/ يونيو الماضي الهجمات (عملية «الأسد الصاعد»)
التي استهدفت خلالها مواقع وطواقم نووية رئيسية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية لقادة
عسكريين وعلماء نوويين.
ردّت إيران بعملية «الوعد الصادق 3» مستهدفة مواقع عسكرية واستخبارية وسكنية
إسرائيلية بالصواريخ الباليستية والمسيّرات. اضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
الذي بنى جزءا من برنامجه السياسي على «إنهاء الحروب» (والفوز بجائزة نوبل
للسلام!) إلى تأكيد الموقف القيادي لأمريكا في العالم فأعلن مشاركة بلاده في
الحرب، عبر تنفيذ غارات مكثفة «بالتنسيق التام مع إسرائيل» (عملية «مطرقة منتصف
الليل») استهدفت منشآت نووية في فوردو ونطنز وأصفهان، ولكنه أعلن، بعد يومين (24
حزيران/يونيو) التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار.
تمثّل المشاركة الأمريكية في الحرب، منذ اليوم الأول، وبتنسيق كامل مع إسرائيل،
إذن تطوّرا كبيرا شديد الأهمية. لم تلعب إسرائيل، هذه المرة، دور صاعق الإشعال
الذي حرّك ديناميات دفعت ترامب للتدخّل، بل صارت هي قلب العمليات العسكرية ـ
الأمنية و«عقلها» (مع تبنّي سفير أمريكا، وجناح وازن في الإدارة الأمريكية
لسرديّات إسرائيل الدينية الأيديولوجية) ولذلك شهدنا بدلا من موقف الاحتواء
الأمريكي آنف الذكر في «حرب الـ12 يوما» تعبئة عسكرية أمريكية هائلة على مدى
أسابيع، وصار استهداف خامنئي والقادة العسكريين والسياسيين (رئيس الجمهورية مسعود
بزشكيان والرئيس السابق أحمد نجاد الذي قُتل في الهجوم) جزءا من خطة المعركة،
و«تغيير النظام» في إيران، جزءا من الدعاية الحربية المشتركة.
يكشف اغتيال خامنئي، وكبار القادة العسكريين، بداية، عن خلل سياسي ـ أمنيّ هائل في
رؤية النظام الإيراني، ويبدو حصول هذا الاغتيال في مقر إقامة خامنئي (الذي قضى
أيضا على مجمل عائلته) لا يصدّق في معاكسته للمنطق الأمني والسياسي والعسكري. لا
يفيد، في هذا الشأن، تفسير ذلك بنزوع استشهادي كربلائي، ولا بحدوث تواطؤ من داخل
النظام (كما يقال إنه حصل في فنزويلا) كما رأت بعض التحليلات الغربية، وخصوصا بعد
الضربة الكبرى السابقة لكبار القادة في حزيران/ يونيو الماضي، والتهديدات
الإسرائيلية المباشرة باغتيال خامنئي وقادته (وكذلك ما حصل في لبنان من اغتيال لأمين
عام «حزب الله» وكبار قادته وصولا إلى الكوادر الأدنى فالأدنى).
يظهر الاغتيال، والوقائع الأمنية والعسكرية الجارية، تطوّرا فائق الأهمية في
تقنيات الحرب، والتي تُراكم فيها المعلومات عبر الانترنت، وأجهزة الهاتف الجوال
(تحدّث نتنياهو عن ذلك صراحة) ووسائل التواصل الاجتماعي، والسيارات الحديثة،
والتحويلات المالية عبر العالم، وتعالج وتفرز عبر منصّات الذكاء الصُنعي التي تم
ربط أغلبها بأجهزة المخابرات، بحيث تلعب البشرية، بأكملها، دور المخبر عن نفسها،
في كل شؤون حياتها ومماتها. لم تعد إسرائيل، وأمريكا، في حاجة لجواسيس ميدانيين،
إلا لتنفيذ بعض المهام التي لا يمكن للمسيّرات، والأشخاص الجالسين على الشاشات
البعيدة جدا عن موقع الحدث، تنفيذها.
يظهر رد الفعل الإيراني، الذي يقصف، إلى جانب القواعد الأمريكية والمدن
الإسرائيلية، منطقة الخليج العربيّ، والسفن في مضيق هرمز، انتقالا من «الأذى شبه
الذاتي» الذي جرى مع اغتيال خامنئي وقادته، إلى إشعال الإقليم، الذي يعتبر شريانا
رئيسيا للنفط والغاز والثروات العالمية، وهو تكتيك يحاول أن يناظر التكتيك
الإسرائيلي للحرب من دون خطوط حمراء، باستثناء أنه يقول إن أحدا لن ينجو من تكاليف
الحرب المدمرة ضد إيران.
القدس العربي






















