هل نحن على حافة حرب شاملة؟ ام هي إدارة للخوف والاستنزاف؟!
وائل منسي
في قلب المشهد الإقليمي
المتوتر، لا تبدو المنطقة واقفة على حافة حرب شاملة بقدر ما تبدو عالقة في منطقة
رمادية كثيفة، حيث يتداخل التهديد العسكري مع الدبلوماسية، ويتعايش التصعيد مع
محاولات التهدئة في معادلة شديدة التعقيد.
ما تكشفه المواد والتحركات الأخيرة ليس اندفاعًا
نحو الانفجار، بل إدارة محسوبة للأزمة، تُستخدم فيها القوة كأداة ضغط قصوى، لا
كخيار نهائي محسوم.
فمن جهة، تتكثف
المؤشرات العسكرية بشكل لافت: تحركات أمريكية ثقيلة في المنطقة، جاهزية عملياتية
عالية، نقاشات مفتوحة في البنتاغون حول سيناريوهات ضرب محدودة تطال البرنامج
النووي الإيراني أو منظومات الصواريخ الباليستية، يقابلها خطاب إيراني صريح عن
"بنك أهداف” جاهز للرد.
لكن في الجهة المقابلة، تعمل مسارات سياسية
ودبلوماسية موازية لا تقل نشاطًا: اتصالات إسرائيلية أمريكية لطلب إبطاء القرار،
وساطة تركية حثيثة خوفًا من تمدد النار إلى حدودها، وتدخل روسي مباشر يدعو إلى ضبط
النفس ويعكس قلقًا من انهيار التوازن الهش في الإقليم.
هذا التناقض الظاهري لا يعكس ارتباكًا بقدر ما
يعكس استراتيجية ضغط مدروسة، تجعل من التهديد ذاته أداة تفاوض.
ضمن هذا السياق، يبدو
خيار الضربة العسكرية حاضرًا وجاهزًا، لكنه غير محسوم التوقيت.
المؤشرات المتضاربة بين تحذيرات من هجوم وشيك
وتأجيلات متكررة ومشاورات مكثفة، تشير إلى أن القرار يخضع لحسابات دقيقة تتعلق
بكلفة الرد الإيراني، واتساع رقعة التصعيد، وقدرة واشنطن وحلفائها على احتواء
النتائج.
والأهم أن طبيعة الأهداف المطروحة تكشف عن حدود
الطموح العسكري: الحديث يدور عن ضربات محدودة، لا عن مشروع إسقاط النظام.
فإيران "المنهكة” والمردوعة تُعد، في الحسابات
الأمريكية الإسرائيلية، أكثر فائدة استراتيجية من إيران "المدمرة” أو المنهارة،
لأن العدو القابل للردع يبرر استمرار الاستنفار والتحالفات والميزانيات، بينما
العدو المنتهي يفتح أبواب فوضى لا يمكن التحكم بها.
غير أن أي ضربة، مهما
كانت محدودة، لن تبقى في إطارها الضيق. المنطقة بطبيعتها شبكة مترابطة من الفاعلين
والوكلاء، وأي صدمة في مركزها ستُطلق موجات ارتدادية واسعة.
الرد الإيراني مرجح أن يمر عبر ساحات متعددة:
قواعد أمريكية في العراق وسوريا، أصول في الخليج، وربما مواجهة مباشرة أو غير
مباشرة مع إسرائيل.
عندها، يتحول "الضبط” إلى اختبار حقيقي لقدرة
الأطراف على منع الانزلاق إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
اقتصاديًا، ستكون أسواق الطاقة أول المتأثرين،
مع تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، وانعكاسات مباشرة على الاقتصادات الهشة.
سياسيًا، ستجد دول كثيرة نفسها أمام خيارات قاسية بين الالتزام بتحالفاتها الغربية
وتجنب أن تصبح ساحات مستهدفة، كما يظهر في القلق التركي المرتبط بوجود قواعد
ومنظومات أطلسية على أراضيه.
في هذا المشهد
المتشابك، يقف الأردن في عين العاصفة. موقعه الجغرافي، وارتباطه الأمني والسياسي
بمحيطه المضطرب، يجعله عرضة لتداعيات لا يملك ترف تجاهلها.
أمنيًا، قد يتحول إلى منطقة امتصاص للارتدادات
القادمة من الشمال والشرق، سواء عبر تصاعد التوتر في سوريا والعراق أو عبر
احتمالات نزوح جديدة تضغط على موارده وبنيته التحتية.
سياسيًا، ستتعرض الدبلوماسية الأردنية لاختبار
بالغ الحساسية: كيف توازن بين شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وحاجتها
للحفاظ على قنوات مفتوحة ومتوازنة مع مختلف أطراف الإقليم، مع محاولة لعب دور مهدئ
يمنع الانفجار الشامل.
أما اقتصاديًا
واجتماعيا فإن أي تصعيد طويل سيعني ارتفاعًا في أسعار الطاقة والسلع، تراجعًا في
السياحة والاستثمار، وضغوطًا معيشية قد تعمّق حالة السخط الاجتماعي في بلد يواجه
أصلًا تحديات اقتصادية مزمنة.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في اندلاع حرب شاملة
وفورية، بل في ترسيخ حالة من الفوضى المنضبطة وعدم الاستقرار المزمن.
ما يجري هو، إلى حد بعيد، "إدارة للخوف” واختبار
للأعصاب، حيث تُستخدم حافة الحرب لإعادة التفاوض على قواعد السلوك الإقليمي
وترتيبات الأمن.
بالنسبة للأردن والمنطقة، التهديد الحقيقي ليس
الانفجار الكبير بقدر ما هو الاستنزاف البطيء: توتر دائم، ضغط اقتصادي مستمر،
وتآكل تدريجي لقدرة الدول على الصمود، إلى أن يصبح عدم الاستقرار هو القاعدة لا
الاستثناء.

















