الجذور السامة: قراءة في تشكّل وتصدع المشروع الاستعماري الغربي في فلسطين
بقلم: د. أحمد زياد أبو
غنيمة
لم تكن الحرب المسعورة
التي نشهدها اليوم على أرض غزة وفلسطين مجرد رد فعل آني أو حدث منفصل عن سياقه، بل
هي حلقة متقدمة في سلسلة طويلة من التخطيط الممنهج الذي استهدف أمتنا في مقتل. إن
من السذاجة السياسية قراءة المشهد الفلسطيني بمعزل عن "الأبوة الغربية"
لهذا المشروع الصهيوني؛ فهو ليس مجرد مشروع ديني يهودي كما يحاولون تسويقه، بل هو
في جوهره مشروع استعماري غربي بامتياز، استُخدمت فيه اليهودية كأداة ووقود.
****
ولعلنا إذا أردنا تفكيك
شيفرة هذا "الخنجر" المغروس في خاصرة أمتنا، علينا أن نعود بالذاكرة إلى
الوراء، لنرى كيف تضافرت المصالح الغربية لزرع هذا الكيان، وكيف جاءت أحداث غزة
لتهز هذه الثوابت.
****
من "بازل" ..
البداية التنظيمية
البداية لم تكن وعد
بلفور المشؤوم فحسب، بل سبقه التأسيس النظري والتنظيمي في مؤتمر "بازل"
بسويسرا عام 1897.
هناك، وقف "تيودور
هرتزل" ليحول المسألة اليهودية من شتات ديني إلى مشروع سياسي وظيفي، لقد أدرك
هرتزل بذكاء أن المشروع لن ينجح إلا بتبني قوة استعمارية كبرى له.
وفي كتابه (الدولة
اليهودية)، الذي يُعد المرجع الأول لهذه الحركة، صرح هرتزل بوضوح عن وظيفة هذه
الدولة المقترحة قائلاً: "سنكون هناك (في فلسطين) جزءاً من السور الذي تحمي
به أوروبا نفسها في مواجهة آسيا، وموقعاً أمامياً للحضارة في مواجهة
البربرية"، هذا النص هو الاعتراف الأول بأن الكيان القادم هو "قاعدة
متقدمة" للغرب، وليس مجرد "أرض ميعاد".
****
كامبل بنرمان.. هندسة
التفتيت
ولأن الغرب لا يتحرك
بالعاطفة بل بالمصالح، جاءت اللحظة الأخطر في تاريخنا الحديث، وهي مؤتمر كامبل
بنرمان عام 1907، حيث تداعت الدول الاستعمارية الكبرى (بريطانيا، فرنسا، هولندا،
بلجيكا، وغيرها) بدعوة من حزب المحافظين البريطاني، للإجابة عن سؤال واحد: كيف
نضمن استمرار تفوقنا ونمنع نهضة العالم الإسلامي والعربي؟.
خلصت وثائق هذا المؤتمر
- التي يشكك بها البعض لكن الوقائع على الأرض تثبتها يوماً بعد يوم - إلى ضرورة
زرع "جسم غريب" يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، ويمنع قيام أي وحدة
عربية، ويستنزف موارد المنطقة.
هذا ما أكده المفكر والمؤرخ
د. أنيس صايغ في دراساته حول الاستيطان الصهيوني، حيث أشار إلى أن فكرة
"الدولة الحاجز" كانت جوهر الاستراتيجية البريطانية قبل أن تكون حلماً
يهودياً.
****
بلفور.. التنفيذ العملي
للجريمة
وعلى أرضية
"بنرمان"، جاء وعد بلفور عام 1917 كإجراء تنفيذي لتلك التوصيات.
لم يكن وعد بلفور مجرد
رسالة تعاطف من وزير خارجية بريطانيا للورد روتشيلد، بل كان "عقداً" بين
الإمبريالية البريطانية والحركة الصهيونية، بريطانيا تعطي الأرض، والصهيونية تقدم
"الكيان الوظيفي" الذي يحرس مصالح التاج البريطاني في طريق الهند وقناة
السويس.
وكما يذكر المؤرخ وليد
الخالدي في توثيقه لتلك المرحلة، فإن الانتداب البريطاني لم يكن إلا
"حاضنة" شرعنت الهجرة وسلّحت العصابات، وقمعت الثورات الفلسطينية (من
البراق إلى الثورة الكبرى).
****
السابع من أكتوبر..
زلزال يضرب "الوظيفة" والوجود
وإذا كان ما سبق هو
التأسيس النظري والتاريخي، فإن ما حدث في صبيحة السابع من أكتوبر 2023 شكّل
الزلزال الأعنف الذي ضرب البنية التحتية لهذا المشروع منذ نشأته. لقد أحدثت هذه
"الجولة" شرخاً عميقاً في ركيزتين أساسيتين قام عليهما الوجود الصهيوني:
* أولاً: سقوط "الدور الوظيفي":
لقد سوّق هذا الكيان نفسه للغرب طوال عقود على
أنه "الشرطي" القادر على حماية المصالح الغربية في الشرق الأوسط وتأديب
أي نظام أو حركة تخرج عن الطوع، وذلك بأقل التكاليف على دافع الضرائب الأمريكي
والأوروبي.
****
جاء "طوفان
الأقصى" ليكشف زيف هذا الادعاء؛ فبدلاً من أن يحمي هذا الكيان المصالح
الغربية، اضطرت الولايات المتحدة وأوروبا لاستدعاء أساطيلها وجسورها الجوية
لحمايته من الانهيار! هنا، سقطت هيبة "الجيش الذي لا يُقهر"، وتحول
الكيان من "ذخر استراتيجي" إلى "عبء استراتيجي" مكلف عسكرياً
وسياسياً وأخلاقياً على رعاته.
* ثانياً: ضرب "العقد الأمني"
للمستوطنين:
إن المشروع الاستيطاني يعتمد في جوهره على جلب
"بشر" من رفاهية الغرب ليعيشوا في "فيلا في الغابة" -كما
وصفها إيهود باراك- بناءً على وعد بالأمن والازدهار، لقد ضربت المقاومة هذا الوعد
في مقتل، وأثبتت أن الجدران الذكية والقبب الحديدية لا توفر الأمان، وهذا ما يفسر
موجات "الهجرة العكسية" وتآكل الثقة الداخلية.
جولة.. وليست نهاية
المعركة
****
ومع ذلك، يجب أن نتحلى
بالوعي التاريخي والواقعية السياسية؛ فهذا المشروع الاستعماري المتجذر منذ قرن
ونيّف، والمدعوم بأعتى قوى الأرض، لن يسقط بالضربة القاضية في جولة واحدة، إن معركتنا
معه هي معركة "نفس طويل" ومراكمة للنقاط.
السابع من أكتوبر كان
"الكيّ" الذي أيقظ الأمة وأعاد القضية إلى مربعها الأول كقضية تحرر
وطني، لكن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً.
****
إن هذا المشروع الذي
بدأ في "بازل" يواجه اليوم مأزقاً وجودياً حقيقياً، وكما أشار المفكر د.
عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- في موسوعته، فإن "الكيان الصهيوني هو كيان
استيطاني إحلالي"، لكنه محكوم عليه بالفشل إذا ما واجه مقاومة ترفض الذوبان
أو الرحيل.
****
ختاماً،
إن وعينا بجذور هذا
المشروع الاستعماري هو أولى خطوات المواجهة. المعركة ليست على حدود 67 ولا على
مستوطنة هنا أو هناك؛ المعركة هي معركة وجود ضد مشروع استعماري غربي، أراد أن
يبقينا في ذيل الأمم، ولكن إرادة المقاومة في غزة وعموم فلسطين تعيد كتابة
التاريخ، وتثبت أن ما بُني على باطل الاستعمار، ستهدمه حقائق الصمود.
****
أهم المراجع التي بُني
عليها هذا الطرح:
* تيودور هرتزل، "الدولة اليهودية" (Der
Judenstaat).
* وثائق مؤتمر كامبل بنرمان 1907 (التي تُعرف
بتقرير اللجنة الإمبراطورية).
* وليد الخالدي، "من لم ينسَ: فلسطين 1948".
* د. أنيس صايغ، دراسات في الاستيطان الصهيوني.
* د. عبد الوهاب المسيري، "موسوعة اليهود
واليهودية والصهيونية" (المجلدات الخاصة بالصهيونية وعلاقتها بالإمبريالية).













