شريط الأخبار
على هوامش الجدل الدائر حول قرار واشنطن بشأن "الإخوان" فرنسا ترفض المشاركة في "مجلس السلام" الأميركي لإدارة غزة المصري: إيرادات البلديات شهدت نمواً بواقع 33.9 مليون دينار وبنسبة 45% . الملك يلتقي أعضاء المكتب الدائم للنواب ويؤكد على تطوير آليات العمل الحزبي ولي العهد يترأس اجتماعا دوريا لمجلس تكنولوجيا المستقبل ليالي باردة جدا وتوقعات تشكل الصقيع خلال الايام المقبلة وفد اقتصادي أردني رفيع يزور الرياض لتعزيز الشراكة مع السعودية وعقد مجلس الأعمال المشترك قراءة في نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 القرصان ترامب لرئيس النرويج: بما انكم لم تمنحوني جائزة نوبل فلم اعد ملزما بالسلام! جمعية أيتام معان تكرّم طلبة مشروع “إحسانكم” وحفّاظ القرآن الكريم رئيس مجلس الأعيان يبحث مع السفير الكندي تعزيز العلاقات الثنائية الجيش: إحباط محاولة تهريب مخدرات بواسطة بالونات متجهان إلى الأردن .. اسرائيل تضبط شخصين بحوزتهما قرابة 3.7 مليون دولار شركات توزيع الكهرباء تنفي تحميل الفاقد الكهربائي على فواتير المواطنين "شركات الكهرباء" ترد على النائب القباعي وتنفي إقرارها بتقسيم الفاقد على المشتركين اتهام بالإيدز عبر رسالة يهزّ عمّان: تحقيق رسمي بعد انهيار حياة شاب بريء المجلس القضائي ينعى القاضي دعاء السوقي الأردن يحصل على قرض قطري بقيمة 25 مليون دولار للناقل الوطني للمياه وفيات الإثنين 19 - 1 - 2026 21 وفاة على الأقل بحادث خروج قطار عن مساره في إسبانيا

على هوامش الجدل الدائر حول قرار واشنطن بشأن "الإخوان"

على هوامش الجدل الدائر حول قرار واشنطن بشأن الإخوان


كتب: عريب الرنتاوي

 

يخطئ من يقرأ قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف ثلاث جماعات إخوانية (الأردن، مصر ولبنان)، بوصفها منظمات إرهابية، بوصفه إجراءً مندرجاً في سياقات مكافحة الإرهاب والحرب عليه...لو أن الأمر كذلك، لكانت أدرجت عشرات الجماعات والمؤسسات الإخوانية المنتشرة في أربع أرجاء العالمين العربي والإسلامي والجاليات، ولكانت فعلت ذلك منذ زمن طويل، سيما في ذروة "الاشتباك الخشن" بين الجماعة وأنظمة الحكم في بلدانها...

خلفية القرار ومحركاته، لا تكمن هنا، ولا تندرج في هذا السياق، وعلينا من أجل فهم أعمق وأدق للقرار، أن نقرأه في سياقات الانخراط الأمريكي في الحرب على المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، تحصيناً لإسرائيل و"أمنها القومي"، وإمعاناً في تجفيف منابع الدعم المادي والمعنوي لهما.

لكن من أسفٍ، انصرفت معظم القراءات، المؤيدة للقرار والمعارضة له، في الاتجاه الخاطئ تماماً...مؤيدو القرار استلوا من كتب التاريخ، القديمة والجديدة، ما أمكنهم من دلائل وشواهد على ضلوع الجماعة في ممارسة العنف "الجهادي"، الإرهاب، والتنقيب في كتب رموزها وقادتها، الأكثر تشدداً، لتجديد خلاصاتهم القديمة: هي حركة إرهابية، ومن رحمها تناسلت مختلف حركات الإرهاب القائمة على أسس دينية، وفي حالة الإخوان: "الإرهاب الإسلامي"، أو "الإسلاموي" تخفيفاً لوقع الكلمة والوصف.

أما معارضو القرار، ومن ضمنهم قادة كبار من الجماعات الثلاث، فقد انبروا بدورهم، لدحض وتفنيد التهم المنسوبة إليهم، وإلى جماعاتهم، فأسهبوا في الحديث عن "الإسلام الوسطي المعتدل"، الذي شكل نهج الجماعة ودستورها، منذ انطلاقتها قبل ما يقرب من مئة عام، وأن الجماعة ليست مسؤولة عن "منشقين" عنها، وخارجين على نهجها، آثروا امتشاق السلاح في صراعات داخلية - بيْنية، عربية أو إسلامية.

وفيما يشبه المحاولة لـ"تقديم أوراق اعتماد" جديدة، نَحَتْ كتابات إخوانية للقول والتحذير، أن الجماعة هي حاجز الصدّ المنيع، في وجه "حركات الإسلام السياسي، العنيف والمتطرف"، وأن إضعافها أو مطاردتها، سيفتح الباب رحباً أمام هذه الحركات لكي "تَتَسيّد" المشهد، وتُعيد انتاج قواعد نفوذها وانتشارها...بمعنى من المعاني، لكأن لسان حالهم يقول: أدركونا قبل أن تجدوا أنفسكم مرغمين على ترديد قول عبدالله بن عمر: أضاعوني وأي فتى أضاعوا...ليوم كريهة وسداد ثغر".

 

أيها السادة؛

ألم تتساءلوا لماذا اختصت الولايات المتحدة بهذا التصنيف ثلاثاً من أصل أربع، مما كان يسمى يوماً، "دول الطوق"، لجماعاتها الإخوانية؟...لماذا استثنت إخوان سوريا على سبيل المثال؟ أليس ذلك لانشغال الجماعة السورية بالحرب على نظام الأسد، وحلفائه من أطراف "المحور"، وذلك أمر مرغوب أمريكياً، وانصرافها عن الشأن الفلسطيني إلى شؤونها السورية الضاغطة أمر محمود كذلك.

لماذا لم تُدرِج واشنطن الجماعة اليمنية، "التجمع اليمني للإصلاح"، في القوائم ذاتها؟...وهل يمكن فهم هذا الاستثناء بمعزل عن انخراطها في الحرب على أنصار الله و"الهلال الشيعي" في الإقليم، ونشاطها الملحوظ في مهاجمة "حرب الإسناد" التي خاضها الحوثيون نصرة لغزة ومقاومتها، بدل اشتراكهم في هذه الحرب، أو على الأقل، إسكات السلاح، حتى تضع حرب الإبادة أوزارها؟

وكيف يمكن تفسير هذا التناقض المبني على أكثر المعايير ازدواجاً: دول تحتفي بالقرار الأمريكي الخاص بالجماعات الثلاث، وتعتبره نصراً لها بالذات، فيما هي تستقبل (تحتضن) قادة الجماعة اليمنية، ولا تمانع في دعمهم طالما أنهم يخدمون مباشرة أو بشكل غير مباشر، عن وعي أو من دونه، "استراتيجياتهم" في تلك البقعة من العالم العربي...هنا نفتح قوسين للتشديد على أن أكثر مواقف الترحيب بالقرار الأمريكي، فجاجة وبؤساً، تلك الصادرة عن حكومات وعواصم، من خارج هذه الدول الثلاث...لقد رأينا مواقف أردنية ولبنانية رسمية من القرار، أكثر هدوءً وحفاوةً بالقرار الأمريكي، من مواقف عواصم خليجية، الأصل أن لا ناقة لها ولا جمل في أمرٍ كهذا.

ثم، حين تنبري واشنطن لشن أوسع حملات "الشيطنة" و"التصفية" للجماعات الإخوانية الثلاث، في الوقت الذي لا تتردد فيه، هي وحلفاؤها، في دعم جماعات سلفية وجهادية، أشد تطرفاً من الإخوان أقله لجهة المقاربات الثقافية والمدنية والاجتماعية، وحتى السياسية، فإننا نتساءل عن معايير هذه المقاربة ومرتكزاتها...وأحسب، أن ثمة معيار واحدٌ لتصنيف الجماعات، أي جماعات في منطقتنا، ويتعلق حصراً بموقفه من إسرائيل، فإن اختار المقاومة، أو قرر دعم المقاومين، حلّت عليه اللعنات الأمريكية و"الحليفة"، وإن هو جنح لخيار السلام والتطبيع مع دولة الاحتلال، وارتدى ثوباً إبراهيمياً "قشيباً"، كان جديراً بالثقة والتأييد، بل واستحق الدعم بدل الحصار والعقوبات...رأينا ذلك في ساحات عدة، ليست سوريا واليمن سوى نماذج لها وشواهد عليها.

ودعونا نقارب القرار الأمريكي من داخله، بحثاً عن زوايا أخرى للمسألة...أليس من المنطقي أن نتساءل: لماذا خُصّت الجماعة اللبنانية بتصنيف أشد وطأة من شقيقتيها الأردنية والمصرية؟...بيان الخارجية الأمريكية أجاب على هذا التساؤل، ولم نعد بحاجة لتحليل أو لمحللين لفهم محركاته ومراميه...في لبنان، انخرطت الجماعة في "حرب الإسناد"، إلى جانب حزب الله، وقدمت تضحيات مادية وبشرية من كادرها وقادتها، فاستحقت درجات أعلى من العقوبة، أما في مصر والأردن، فقد اقتصر الأمر على الدعم المعنوي "التحريض"، وحملات جمع التبرعات (تمويل الإرهاب)، وهي "جريمة تستوجب عقوبة أقل" من المنظور الأمريكي.

 

لائحة سوداء أم محطة "ترانزيت"

للولايات المتحدة، تاريخ أسود كالح، في التعامل مع حركات "الإسلام السياسي"، المُسالِم والعنيف على حد سواء، بدءاً بـ "قاعدة الجهاد" في أفغانستان زمن الحرب الباردة و"الخطر الشيوعي"، حين حظي التنظيم العالمي بمكانة "الأولى بالرعاية"، وتحصّل وحده من خارج "الناتو" على صواريخ "ستينغر"، التي حطمت أسطورة سلاح الجو السوفياتي آنذاك...مروراً بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، إذ فضح مسؤولون أمريكيون لاحقون، ما فعله أسلافهم، في تمكين "داعش" من احتلال نصف سوريا وثلث العراق، في مواجهة "الخطر الشيعي"، بحذف الواو من منتصف الكلمة...وليس انتهاءً بأزمنتنا الراهنة، حيث جرى ويجرى تسهيل انتقال مقاتلي "تنظيم الدولة" إلى أفريقيا، لمواكبة مشروع "الطريق والحزام الصيني"، جنباً إلى جنب، مع مسار إعادة تأهيل مكثف لهيئة تحرير الشام، أخرج السؤال عن السلام والتطبيع مع إسرائيل، من هل إلى متى يتحقق؟

لقد كان للإخوان المسلمين، نصيب من "الرعاية" الأمريكية، بالذات في أزمنة الحرب الباردة وتحالفاتها، مكّن الجماعة من بناء قواعد ارتكاز صلبة ومتنوعة، لا في دول الغرب وحدها، بل وفي عديد من دول المنطقة، الحليفة كذلك.

وإذا كانت "الرعاية" من قبل، تُعطى للجماعة وفروعها بالجملة، ومن دون تمييز، فإنها اليوم توزع عليها بالمفرق، ووفقاً لمعيار أوحد: الموقف من إسرائيل...وعلى هذه الجماعات أن تحسم خياراتها، تأسيساً على ذلك، ليس من باب "التضامن" مع شعب فلسطين، مع أنه أمر مستحق وأخلاقي وديني وقومي، بل دفاعاً عن أوطانها وشعوبها وبلدانها.

فإسرائيل باتت تتهدد سوريا اليوم في وحدتها وسيادتها واستقلالها، ومشروع "حلف الأقليات" ينهض كتهديد وجودي لها، بدلالة ما نرى من تطورات متلاحقة في جنوبي البلاد وشمالها الشرقي وساحلها الغربي...وإسرائيل تعبث في جنوب اليمن، وتسعى لتمزيق وحدته الترابية، وجره إلى مستنقع التطبيع، وتحيطه بقواعد عسكرية في أرض الصومال وغرب السودان، فما الذي تنتظره "الجماعتان" لإجراء مراجعات استراتيجية، تتخطى معارك "الزواريب" وصراعات "الإخوة الأعداء"...وما يصح في سوريا واليمن، يصح كذلك في السودان وليبيا والعراق، وربما في ساحات أخرى عديدة.

لن يضير جماعات الإخوان إدراجها في اللائحة الأمريكية السوداء، فهذه اللائحة، تتحول إلى قائمة بيضاء تجتمع فيها مختلف فصائل التحرر الوطني والمقاومة...وهي لائحة مفتوحة من طرفيها، تدخلها فصائل وتخرج منها، وفقاً لحسابات اللحظة والمصلحة الأمريكية، لكأنها "محطة ترانزيت"، تستقبل وتودع من يبحثون عن وجهاتهم النهائية أو يبحثون عن وجهات جديدة...لقد دخلها أنصار الله وغادروها وعادوا إليها، بجرة قلم، وفي وقت قياسي، ولم تمنع عودتهم إليها دونالد ترامب، من إبرام صفقة معهم زمن حرب الإسناد، كما أن إدراج حماس في القائمة، ومن قبلها فتح ومنظمة التحرير، لم يمنع واشنطن، لا من قبل ولا من بعد، من إجراء مفاوضات، والوصول إلى تفاهمات، مع هذه الأطراف.فإن لم تنهض هذه الجماعات بمسؤولياتها في إعادة تصويب البوصلة، وما تمليه من إعادة تموضع ومراجعة لخرائط التحالفات، والأهم مراجعة الخطاب والأولويات، فإنها ستكون قد فوتت على نفسها وشعوبها، فرصة تاريخية في لحظة استثنائية فارقة، من عمر بلدانها والإقليم.