شريط الأخبار
ولي العهد وبارزاني يبحثان تعزيز التعاون بين الأردن وإقليم كردستان الملك ينعم على الدكتور فراج بوسام الملك عبدالله الثاني للتميز مذكرة قانونية الى مجلس الوزراء تطالب بعدم اقرار نظام تنظيم الإعلام الرقمي العيسوي: مسارات التحديث، بقيادة الملك، ركيزة بناء الدولة والنموذج الأردني عصيٌ على الاستهداف "العناية بالسكري" تطلق مشروعًا وطنيًا نوعيًا لمعالجة التداخل بين أمراض القلب والكلى والسكري وفد اقتصادي أردني يزور وزارة الاستثمار السعودية لبحث تعزيز الشراكة وجذب الاستثمارات المشتركة مستوطنون متطرفون يقتحمون باحات المسجد الأقصى الأردن في المرتبة 29 عالميًا على مؤشر انتشار الذكاء الاصطناعي شعث: فتح معبر رفح بالاتجاهين الاسبوع المقبل "الأونروا" بين مطرقة الضغط "الإسرائيلي" والأميركي وسنديان الحصار المالي انباء عن صفقة بين ترمب والناتو حول جرينلاد: واشنطن تعزز نفوذها بتكلفة زهيدة ودون نقل السيادة تصدّع أمريكي ـ أوروبي… ورئيس وزراء كندا: «واقع وحشي» يحلّ مكان النظام القديم بمشاركة الأردن .. بدء مراسم توقيع ميثاق مجلس السلام في دافوس مشوقة يسأل الحكومة عن مصير المستشفيات الميدانية بعد كورونا الصفدي يمثل الأردن في مراسم إطلاق ترامب لمجلس السلام اعتصام نسوي في المفرق بعد فصل جماعي من احد المصانع في منطقة "صبحا وصبيحة" الأردن يستضيف مؤتمرًا رفيع المستوى للعمل الإنساني في الحروب السعيدات: الأمانة ترفض تجديد ترخيص مستودعات غاز وادي السير وتهدد الامداد الجيش الاسرائيلي يزعم إحباط تهريب 10 مسدسات عبر الحدود مع الأردن استقرار أسعار الذهب محليًا الخميس

انهيارات "قسد"...سياقات السياسة والميدان

انهيارات قسد...سياقات السياسة والميدان


كتب: عريب الرنتاوي

 

لا تشبه انهيارات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من حيث سرعتها، سوى الانهيارات السريعة والمفاجئة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.... عشرة أيام، هنا وهناك، كانت كفيلة باستحداث انقلابات جذرية في المشهدين السوري والإقليمي، والقياس هنا مع الفارق في وزني الحديثين.

ومثلما فعلت "البيئة الإقليمية-الدولية" المتغيرة فعلها في إسقاط نظام الأسد، بعد أن سحب الحلفاء أيديهم، وأزاحوا من فوقه المظلة ومن تحته البساط.... فإن تطورات البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا هذه الأيام، قد حولت انهيارات "قسد" إلى ضربٍ من السقوط الحر...تبددت الرهانات والأوهام، ووقع المحظور، وها هي الحركة الكردية تدفع الأثمان التي طالما حذّر كثيرون، من احتمالات دفعها.

 

في السياق السياسي-الاستراتيجي المتغيّر

اكتسبت "قسد" مكانتها المتميزة من منظور الحلف الغربي بزعامة الولايات المتحدة، وبدعم من بعض العواصم الإقليمية من دورها المرصود في مواجهة "تهديدات" ثلاثة: أولها؛ النظام السابق، وحاجة هذه الأطراف لاستهدافه، وإخراج مناطق شاسعة من تحت سيطرته و"ولايته"، واستتباعاً، مواجهة "المحور" الداعم له، من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، مروراً ببغداد.... وثانيها؛ تنظيم "داعش"، والحاجة لكبحه واحتواء انتشاره وتمدده، بعد أن سيطر على كامل شرق الفرات، وأجزاء واسعة من غربه، فضلاً عن ثلث مساحة العراق، وثاني أكبر مدينه فيه: الموصل، وذلكم تفويض ظل ممنوحاً للحركة الكردية، حتى بعد سقوط النظام، ودخول سوريا بعد الثامن من ديسمبر 2024، عهداً جديداً.

ثالثها؛ وقد تفاقم بالأساس عند عواصم عربية، في ذروة صراع المحاور وحروب الوكالة، في عشرية "الربيع العربي"، إذ رأت بعض هذه العواصم في "قسد" رأس حربة يمكن الاتكاء عليها لإزعاج تركيا، وتهديدها في أمنها واستقرارها وسلامة وحدتها الترابية والوطنية، يومها، كانت تركيا تتصدر قائمة "مهددات" الأمن القومي والوطني من منظور تلك الدول، قبل أن تقع الاستدارات والتغيرات في خرائط المواقف والمواقع والتحالفات، في السنوات الأربع أو الخمس الفائتة، وتنتقل تركيا من موقع التهديد القائم، إلى موقع الحليف المحتمل، لعدد منها.

سقوط نظام الأسد، وتراجع الدور الإيراني، وانكفاء المحور، أسقط عن قسد مكانة "الأولى بالرعاية" من منظور واشنطن وباريس ولندن، وتل أبيب من خلف ستار، فالنظام الجديد في دمشق، لم يكن يوماً بحاجة لمن "يحرضه" على هذه الأطراف، وهو قاتلها زمن المعارضة، وقطع "الممر الإيراني" في منتصفه بعد وصوله إلى السلطة، سالباً "قسد"، واحدة من أهم وظائفها الاستراتيجية.

ظل الرهان الغربي على قسد" كرأس حربة في مواجهة إرهاب "داعش"، قائماً، برغم تغيير النظام في سوريا...عواصم الغرب، وبعض عواصم العرب، لم يكن لديها يقين بأن الحكم الجديد في سوريا، سيأخذ على عاتقه مهمة محاربة "داعش" ومطاردتها، بالنظر لخلفيته السلفية – الجهادية.... لكن نظام الرئيس أحمد الشرع، سينضم بعد مرور أقل من عام على قيامه، إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، لتصبح سوريا الدولة رقم 90 في هذا التحالف، وسيفي في غير موقع ومناسبة، بالتزاماته في العمل الأمني والاستخباري والميداني، ضد "تنظيم الدولة".

ليسقط بذلك ثاني أهم ركن من أركان "التفويض" الممنوح لـ"قسد"، والذي استحقت عليه، كل هذا الدعم و"التغطية" من واشنطن وحلفائها، فما الذي يمكن لقسد أن تقدمه لهذا الحلف، ولا تستطيع دمشق تقديمه، أضعافاً مضاعفة؟.... ذلكم هو السؤال الذي كان يتعين على قادة "قسد" البحث عن جوابٍ عليه.

أما الدعم الذي كانت تحظى به "قسد" من عواصم عربية، راهنت على تحويل مظلوم عبدي إلى "حمديتي 2" أو "حفتر 2" أو عيدروس الزبيدي 2"، فَقَدْ فَقَدَ كثيراً من أهميته وإلحاحيته، في ضوء ما شهدته علاقات دول عربية بتركيا، من مصالحات وتسويات...ليست كل العواصم انخرطت في ملف "توظيف" قسد ضد أنقرة بالطبع، وليست كلها تحتفظ بالدرجة ذاتها من الثقة والاطمئنان للدور التركي الراهن، لكن بالنسبة لها جميعها، فإن تركيا اليوم، غادرت موقع "العدو" الذي كانت فيه زمن ثورات "الربيع العربي".

وأحسب، أن تفكيراً عاقلاً وواقعياً، كان يملي على قادة "قسد" قراءة المشهد بحركته وديناميته، لا أن تبقى نائمة على حرير أوهامها ورهاناتها الخائبة، وأن تشرع في التمييز بين ما هو واقعي وممكن من مطالبها (اقرأ شروطها)، وما هو خارق لكل السقوف والخطوط الحمراء، وينتمي إلى عهدٍ أفل.

 

مياه تحت البيت الكردي:

ثمة أقطاب "تاريخية" ثلاثة، دارت الحركات الكردية في المنطقة، وتدور حولها: زعامة الطالباني الآفلة بعد رحيله، وعجز السليمانية عن انتاج قيادة كارزمية بديلة، عابرة للحدود المحلية....زعامة البارزاني التاريخي، التي لم تكن يوماً على وفاق مع "قسد" واحتفظت بالحد الأدنى من "روابط الأخوة" مع التنظيم، وآثرت عليه مجموعات وأحزاب انضوت في المجلس الوطني الكردي، على اعتبار أن "قسد" محسوبة على الزعامة الكارزمية الثالثة للكرد، ذات الامتداد العابر للحدود، والمقصود عبد الله أوجلان، أكثر القادة الكرد، تأثيراً على أكراد بلاده والكرد من خارجها...وما زالت الذاكرة حافلة بمحطات من "تأزم العلاقات" على ضفتي الحدود بين "روج آفاً" وإقليم كردستان العراق، بدءاً بإغلاق المعابر، مروراً برفض استقبال قادة ومواطنين في أربيل، وقصص عن تسهيلات قدمت لمرور قوات وسلاح، لأطراف مناهضة لـ"قسد" متجاوزة الحدود العراقية والتركية معاً

ما كان ممكناً لزعيم كردي-تركي، جنح للسلم، وحلّ حزبه، وألقى سلاحه، أن يستمر في مطالبه مريديه من أكراد سوريا، الاحتفاظ بسلاحهم، والإبقاء على نزوعهم "الانفصالي" تحت مسمى الفيدرالية واللامركزية الموسعة...ما كان للأب الروحي، أن يحصر نظريته للدولة والمجتمع الديمقراطيين في محبسه بجزيرة إمرلي، أو إبقائها داخل حدود بلاده، وأن "يستكثرها" على جواره السوري، وأكراد سوريا بالذات.... وأحسب أنه منذ المصالحة التركية، وقرار حل حزب العمال الكردستاني، وإلقاء السلاح، وبدء رحل الهبوط من جبال قنديل، فقدت "قسد" صخرة كانت تستند إليها، وهي وإن احتفظت في صفوفها وقيادتها، برموز قيادية من الحزب المذكور، إلا أن الأثر الذي أحدثته تحولات أوجلان على "قسد" لا يمكن نكرانه، أو التقليل من شأنه.

وفي أربيل، لم تجد "قسد" عند الزعيم مسعود البارزاني، ما كانت تبحث عنه، الرجل الخارج من صدمة فشل "الاستفتاء"، يبدو أن تعلّم بالطريقة الصعبة، دروس "المغامرات غير المحسوبة"، واتخذ موقع الناصح لقسد بالاستجابة لنداءات دمشق، والمرسوم الرئاسي حول حقوق أكراد سوريا ومشاركتهم ومواطنتهم، ولعله أمر ذي مغزى، أن يصدر اتفاق 18 يناير من أربيل، وهو بكل المعاني، استبطن هبوطاً بسقف التوقعات و"المكتسبات" الكردية، ولو أن قسد ذهبت إلى تنفيذ أمين وسلس لاتفاق 10 آذار، لكانت اليوم في موقع أفضل في تركيبة الحكم والقيادة في سوريا الجديدة، سيما وأن الاتفاق المذكر، أبرم في مناخات أحداث الساحل الضاغطة على دمشق، وقبل أن تستكمل الأخيرة، انفتاحاتها على الساحتين العربية والدولية...لقد راهنت "قسد"، أو صقورها بالأحرى، على إمكانية الحصول على اتفاق أفضل، فتحصلت على اتفاق أسوأ من منظور تطلعاتها وحساباتها.

 

فقدان البوصلة

في الأشهر الأخيرة، بدا أن بوصلة "قسد" قد فقدت اتجاهها مرتين

الأولى؛ تظهّرت بقيام مصادر ومواقع استخبارية، بتداول تسريبات مفادها، إن "قسد" إذ أخذت تستشعر سيناريو "التخلي والخذلان"، وتواجه احتمالات سحب غطاء الرعاة وبساطهم معاً، تبحث في إمكانية طلب العون من أعداء الأمس: إيران وحزب الله وبقايا النظام السوري القديم...دمشق اتهمت "قسد" باستخدام مسيّرات "الشاهد"، إيرانية الصنع في حلب وأريافها، ومصادرها تحدثت عن تجنيد أكثر من سبعة آلاف من "الفلول" في صفوفها، فيما تسريبات استخبارية تحدثت عن وصول وفد منها إلى الضاحية الجنوبية قبل بضعة أشهر.

وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الأنباء أو زيفها، فإن المؤكد أن "قسد" أدركت سريعاً، أن هذا ليس خياراً أبداً، ذلك أن نقل البندقية من كتف واشنطن إلى كتف طهران، سيكون مكلفاً على "قسد" بالذات، ولن يفضي إلا إلى تسريع مسار "انقلاب الرعاة" عليها وعلى مشروعها، ما سيضع حداً نهائياً لكل تطلعات الكرد، المشروعة منها وغير المشروعة.

ولقد عزز من صدقية هذه "التسريبات"، التغطية الإعلامية التي اعتمدتها وسائل إعلامية محسوبة على محور طهران إذ كان واضحاً أن ثمة "نفس تعاطف"، أو موضوعية فائضة عن الحاجة، في التغطيات الإخبارية، وفي نوعية الضيوف وانحيازاتهم، لكأن ثمة "حنين" أو رهان في "مطرح ما"، على عودة عقارب الساعة إلى الوراء، رغم أن مياهاً كثيرة، كانت جرت في أنهار سوريا والمنطقة، منذ انقلاب المشهد في الثامن من ديسمبر.

والثانية؛ عندما حاولت "قسد" اختبار نظرية "حلف الأقليات" في مؤتمر القامشلي الشهير، وبدء بعضٍ من قادتها بتجريب خيار الرهان على إسرائيل، والتلويح بطلب العون، والانفتاح على لقاءات إعلامية وسياسية مع مسؤولين ومحطات إعلامية إسرائيلية، وتحريك اللوبي الكردي بالتنسيق مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، ضد دمشق.... رهان خائب آخر، لا تبرره مسارات التطبيع الرسمية بين عربٍ وإسرائيل، كما لا تسوغه مفاوضات رسمية بين دمشق وتل أبيب للوصول إلى اتفاق حول جنوبي البلاد، واصطدم وسيصطدم، بموقف شعبي عربي رافض لهذا الكيان، ولا يرى فيه إلا صور العنصرية والإبادة والتطهير العرقي.

 

مفاجأة الميدان

 أن تتقدم قوات الجيش السوري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بل وفي كل مناطق غرب الفرات، فهذا أمرٌ مفهوم، وله ما يفسره ويبرره.... لكن المفاجأة التي أتت على "قسد"، وأصابت سيطرتها في "مقتل"، إنما تمثلت في "انتفاضة العشائر العربية" على التنظيم الكردي.

لقد عاشت "قسد" حالة إنكار مديدة، لوجود فجوة بين الحكم والمحكومين في مناطق سيطرتها، أقلية كردية، عقائدية (يسارية–علمانية)، تمسك بتلابيب السيطرة والتحكم بأغلبية عربية محافظة، عشائرية في هويتها ومبناها، ولم تفلح كل السردية التي تبنتها "قسد" في التغطية على حقيقة أنها تفرض سيطرتها بالقوة على مناطق الأغلبية العربية "الكاسحة"، بالذات في دير الزور والرقة وأنحاء من الحسكة ذاتها...لم تفلح عمليات "التطعيم" التي أجرتها "قسد" للإدارة الذاتية، بعناصر عربية، في إخفاء الطابع المهيمن للمنظمة الكردية على هذه الإدارة، فكان العرب فيها، بمن فيهم بعض الأسماء المحترمة، ليسوا أكثر من "خرزة زرقاء"، تضفي طابعاً وطنياً زائفاً على جوهر مؤسسات الحكم والإدارة، الممسوكة أساساً من التنظيم.

وإذا كان نظام الأسد، قد لعب دوراً منفراً للعشائر العربية، دفعها لحضن "قسد"، وإذا كان ذاك النظام قد أبدى اهتماماً أقل بهذه المناطق وأهلها، من منطلق نظرته الخاصة إلى "سوريا المفيدة"، فقد جاء إلى رأس الحكم في سوريا، نظام جديد، بأولويات مختلفة، رأت فيه العشائر فرصة للتخلص من سيطرة "قسد"، فخرجت عن بكرة أبيها لملاحقة وحداتها وقواها الأمنية، واستبقت الجيش في إسقاط هذه المناطق واسترجاعها...تلكم كانت "قاصمة الظهر" بالنسبة لنفوذ قسد الممتد والمتمدد في فراغ السلطة والنظام، وعلى مساحة تزيد عن ربع مساحة سوريا، ذات أغلبية عربية وازنة.

 

والخلاصة؛

أولاً؛ أن "قسد" لم تتعلم من دروس تجربتها الخاصة، ولا من دروس أشقائها في تركيا والعراق، فأقدمت بما يصل حد العمد والإصرار، على مقارفة الأخطاء ذاتها، والبناء على الرهانات الخائبة ذاتها، و"التلطي" بواشنطن، دون الأخذ بالحكمة الذائعة: "المتغطي بأمريكا عريان"

ثانياً؛ أن "قسد" كانت محامياً فاشلاً عن قضية عادلة، وهنا نفتح قوسيين للتشديد على قناعتنا، بأن للكرد حقوقاً فردية وجمعية مهدورة بأقدار متفاوتة، في الدول التي يتوزعون عليها، ومن ضمنها سوريا، ولقد ازداد الأمر سوءاً في السنة الأخيرة، حين لاحت في الأفق، معالم انسداد لمشروعها.

ثالثاً؛ أن لا حلَّ عسكرياً لمشكلة الكرد وسوريا على الإطلاق، لا من جانب السلطة ولا من جانب الأكراد، فالحل يمر عبر الحوار حصراً، وبالوسائل السلمية، من دون استقواء بالخارج أو استدعائه، وبدستور مدني – ديمقراطي لسوريا، يكفل لكل المواطنين والمواطنات، الكيانات والمكونات، حقوقهم الفردية والجماعية...تلكم رسالة للقامشلي ولدمشق سواء بسواء.