هل من الممكن إعادة انتاج "سيناريو شرق الفرات" في السويداء؟
كتب: عريب الرنتاوي
فتح انضمام سوريا
للتحالف الدولي لمحاربة "داعش"، الباب أمام التطورات المتسارعة في غربي
الفرات، وبالذات في شرقه وشماله، والتي انتهت بمسلسل انهيارات مفاجأة أصابت
"قسد" في مقتل...فهل يفتح التحاق دمشق، بعربة من عربات القطار
"الإبراهيمي"، الباب أم تطورات مماثلة في السويداء؟...وهل إعادة انتاج
سيناريو شرق الفرات، ممكناً في جنوب سوريا؟...أين يلتقي وأين يفترق
المساران؟...وما هي الفرص والعقبات التي تعترض مشروع بسط سيادة الدولة السورية،
على "المحافظة المتمردة في الجنوب؟
أولاً؛ في انهيارات
"قسد"
عبر الموفد الأمريكي
توم براك، كما لم يفعل غيره، عن السبب الرئيس وراء الانهيارات المفاجئة
والمتلاحقة، التي أصابت الحركة الكردية المسلحة، بقوله أن المهمة الرئيسة للحركة
قد أنجزت، ولم يعد ثمة من مبرر لاستمرارها خارج الدولة السورية...انهيارات لا
يشبهها من حيث طبيعتها وسرعتها، سوى الانهيار المفاجئ والسريع، لنظام الرئيس بشار
الأسد...اجتماعا باريس وأربيل، دشّنا رفع الغطاء الدولي (اقرأ الأمريكي) عن "قسد"،
تماما مثلما كان اجتماعا بغداد الثلاثي (سوريا، العراق وإيران)، والدوحة (آخر
اجتماع لمسار أستانا)، إيذاناً برفع الحلفاء مظلتهم عن نظام متهالك، بلغ به التآكل
الداخلي، مبلغه.
لكن ما لم يتطرق له
الموفد "الثرثار"، هو أن تفويضاً آخر، كان قد سحب "موضوعياً"
من بين يدي "قسد"، وربما كان في أزمنة سابقة أكثر أهميةً، وهو استهداف
النفوذ الإيراني في سوريا، وتقطيع شرايين التواصل والإمداد الممتدة من طهران إلى
الضاحية الجنوبية...حدث ذلك، من دون أن يكون لـ"قسد"، "الفضل"
في تحقيقه، بل ومن دون إسهام جدّي من لدنها في إنجازه، بعد أن أخفق نظام الأسد، في
التقاط التحولات التي طرأت على الأزمة السورية، والبيئة الإقليمية-الدولية من
حولها، والبناء على مقتضياتها.
وأضيف إلى ما قاله
برّاك، بأن "الزمن العربي" الذي كانت فيه "قسد" مطلوبة لخدمة
حروب الوكالة والمحاور المتصارعة في الإقليم، قد انتهى بدوره، بعد أن طرأت
استدارات استراتيجية على العلاقات العربية (الخليج ومصر)، مع تركيا، انتقلت
بمقتضاها أنقرة، من موقع "التهديد الكامن" إلى مكانة "الحليف
المحتمل"..."قسد" التي حظيت برعاية نشطة من بعض دول الخليج، إنما
تحصّلت عليها لمواجهة تركيا وإيران أساساً، لا دعماً لحق الشعب الكردي في تقرير
مصيره...وما ينطبق على مواقف دول عربية، انطبق على مواقف واشنطن، التي لم يعد يأتي
أي من مسؤوليها على ذكر "الأمة الكردية" وحقها في تقرير مصيرها، وبرّاك،
لم يترك مجالاً للاجتهاد في الطبيعة "الوظيفية" التي ميّزت نظرة واشنطن
لها ولأكراد سوريا بالمجمل.
ونستطرد في معرض الحديث
عن "عوامل الانهيار"، فنشير، إلى "تهافت" رواية العيش المشترك
و"المجتمع الديمقراطي" الذي أرست قواعده، "قسد"
و"مسد" في تلك الجغرافيا السورية، وهي سردية "مسكوت عنها"،
وأظهرت تجربة "الانهيار"، أن "قسد" في واد، والعشائر العربية
في واد آخر، وأن العلاقة التي حكمت الطرفين، كانت قائمة على الهيمنة والاستئثار،
المدعّمَين بالإكراه والقوّة...كما أظهرت نداءات السيدة إلهان أحمد، لطلب العون
والحماية من إسرائيل، عمق الفجوة بين مرجعية يسارية-تقدمية، مناهضة للإمبريالية
والصهيونية والرجعية من جهة، وبراغماتية تلامس ضفاف "الانتهازية"
من جهة ثانية، لتكون النتيجة أن مشروع "قسد" أخفق في قطف عنب
الشام ولم يتحصّل على بلح اليمن.
ثانياً؛ هل إعادة انتاج
هذا السيناريو ممكنة في السويداء؟
نشوة الانتصارات
السريعة وغير المكلفة، التي تحققت لدمشق، على جبهة الشمال-الشرقي، دفعت بكثيرين
للحديث عن فرص واحتمالات إعادة انتاج هذا السيناريو جنوبي البلاد، السويداء على
وجه التحديد، وسط إدراك متفاوت لاختلاف الظروف المحيطة بكلا الرقعتين، محلياً،
والأهم إقليمياً.
إذ بخلاف شرق الفرات،
البعيدة نسبياً عن الذراع الإسرائيلية، تبدو السويداء على "مرمى حجر" من
أول خط دفاعي (اقرأ هجومي) إسرائيلي في الجولان والقنيطرة، وأرياف درعا وبعض أرياف
دمشق، التي باتت عرضة للتعديات الإسرائيلية اليومية، هذا "الموقع" يعطي
السويداء وحراكها الانفصالي، ميزة لا تتمتع بها مناطق الجزيرة وشرقي الفرات، ولم
تحظ بها "قسد"، أقله من منظور استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلية.
بخلاف "قسد"
والحركة الكردية، التي تحدثت إسرائيل مراراً وتكراراً، عن رغبتها واستعدادها، لمدّ
الغطاء لها، فإن الالتزام الإسرائيلي حيال دروز السويداء، كان دائماً، أعلى وأشد
بكثير، مردُّ ذلك يعود لعاملين اثنين: أولهما؛ وجود "لوبي درزي" مؤثر في
السياسات الداخلية الإسرائيلية، وهو ما لا يتوفر للأكراد...وثانيهما؛ أن السويداء
تندرج في الحسابات الإسرائيلية في سياقات "المنطقة الآمنة" الجنوبية،
ووضع اليد الإسرائيلية على كل ما يتصل بها، أولوية راهنة، بخلاف نظرة تل أبيب
للكرد وغيرهم من الأقليات، بوصفها "أحصنة طروادة" مرصودة لتقسيم سوريا
وتفتيتها، وهو هدف قائم، ولكنه منذور للمديين المتوسط والبعيد.
وبخلاف
"قسد"، حيث يتربص بها على حدودها الشمالية، عدو إقليمي
"وازن": تركيا، لا تجابه السويداء وضعاً كهذا، فالدولة العربية الأقرب
لها، والوحيدة التي تجاورها، لا تناصبها أي عداء من أي نوع، بل أنها تحتفظ بعلاقات
"حسن جيرة" معها، وليس ثمة أي تهديد من أي نوع، على المدينة أو المحافظة
من حدودها الجنوبية مع الأردن.
بخلاف "الجزيرة
وشرقي الفرات"، لا تحتل السويداء، المكانة ذاتها من وجهة نظر دمشق، لا من حيث
"الديموغرافيا"، ولا من حيث الجغرافيا والموارد الهائلة من طاقة ومياه
و"سلال غذاء"...إن كان موضوع "قسد" ضاغطاً، فموضوع الحراك
الدرزي قابل للانتظار...وإذا كان الحليف الأقوى لدمشق، يضغط باتجاه تسريع الحسم
شمالاً، فإن "العدو الأقوى" لها، يضغط باتجاه الإرجاء وإبقاء
"القديم على قدمه".
لكل هذه الأسباب، وربما
غيرها، يبدو "الحراك الدرزي" في وضع أفضل نسبياً من الحركة الكردية، لكن
ذلك لا يمنع من التفكير بسيناريوهات أخرى من نوع "انهيار الستاتيكو" في
الجنوب، وهو سيناريو قد تغذيه جملة تطورات وعوامل:
أولهاً؛ نجاح الجهود
والرهانات على "تطبيع" محتمل بين دمشق وتل أبيب، يذهب بنتيجته
"حراك الهجري"، كـ "فرق عملة" بين لاعبين كبيرين، سيما أن أبدى
النظام في دمشق، مرونة في "تأجيل البت بوضع الجولان إلى أمد غير
مسمى"...تل أبيب ترغب بالتطبيع مع دمشق، ولا تستعجله قدر واشنطن، وهي تريد من
"الجولاني" إخراج "الجولان" من دائرة البحث والتفاوض، وفي هذا
المضمار، قد تجد دعماً قوياً من ترامب الذي اعترف بسيادة إسرائيل على الهضبة
المحتلة في ولايته الأولى، ومن الصعب عليه أن يتراجع عن اعترافه ذاك، في ولايته
الثانية.
ثانيها؛ سيناريو
"التأجير" على غرار ما حصل في الباقورة والغمر، الجيبين الأردنيين
اللذين احتلتهما إسرائيل، وقبلت بأنهاء احتلالهما نظير تأجيرهما لها لمدة 25 عاماً
بموجب معاهدة السلام 1994...أحسب أن الجولان بمكانته الاستراتيجية، ومن حيث كثافة
الاستيطان فيه، يجعل المقارنة والمقاربة، شديدتا التبسيط والتسطيح.
ثالثها؛ معادلة
"السويداء مقابل الجولان"، التي يجري تداولها، تبدو بدورها وصفة موصوفة
لبداية العد العكسي للنظام في دمشق، يحتاج الأخذ بها، قدراً كبيراً من
"الخفّة" و"الحماقة" و"قصر النظر والنفس"، وهي وإن
كانت مطروحة على الطاولة، إلا أنها لا تبدو مرجحة، أقله من باب التحليل المنطقي.
رابعها؛ من زاوية
استخدام "العشائر العربية" في الجنوب، كما حصل في الشمال الشرقي، يبدو
وضع السويداء أقرب إلى الحسكة والقامشلي، منها إلى الرقة ودير الزور، حيث الأغلبية
العربية ظاهرة للعيان...الجيش والعشائر توقفا عند بوابات الحسكة وعين
العرب-كوباني، لحسابات الديموغرافية والأغلبية الكردية، وقد تكون عشائر الجنوب
العربية في حال تحركها، بدعم من دمشق، مجبرة على التوقف ثانية، على عتبات السويداء
بغالبيتها الدرزية الظاهرة هذه المرة،
خامسها؛ ليس مستبعداً
أن تكون السويداء، بانتظار سيناريو سقوط "القلعة من الداخل"، كأن يُعاد
الاعتبار للتيار الوطني–العروبي من أبناء "بني معروف"، ولقد علت أصواتهم
عالية في بدايات الأزمة، قبل أن تخفت وتتراجع، جراء المعالجات الخاطئة للنظام،
التي دفعت بكثير من أبناء المحافظة ورموزها الدينية والسياسية إلى أحضان
"حكمت الهجري"، وتياره المنادي بالالتحاق بالفضاء الإسرائيلي.
يوماً ما، سيدرك
الدروز، أنهم أقلية صغيرة، في بحر سنيّ متلاطم الأمواج، وأن "اللحظة
الإسرائيلية" في المنطقة، التي فرضتها سياسات "التوحش"
و"الهيمنة" طارئة مهما طالت واستطالت، وأن من مصلحة الطائفة على المدى
الأبعد، أن تكون على "عروة وثقى" مع محيطها العربي-الإسلامي، وأن لا حلَّ
درزياً للمسألة الدرزية، وأن سوريا الوطنية–الديمقراطية–التعددية، هي الحل للجميع،
وليس لهم وحدهم.
هي ليست مسؤولية الدروز
وحدهم للوصول إلى سوريا موحدة وحافظة للتعدد والتنوع، ولنظام شامل، لا يُقصي
أحداً، ولدولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها وبناتها، كياناتها ومكوناتها،
بل هي مسؤولية "الكل السوري"، وفي المقدمة النظام الممسك بتلابيب السلطة
والقرار في دمشق.
وحين يضطلع الجميع بمسؤولياته، فإن لحظة
الانعطاف في مسارات التفكك والفوضى، وانتعاش "الهويات القاتلة"، ستطرق
أبواب دمشق والقامشلي والسويداء والساحل، وبانتظار ذلك، ستبقى مختلف الأبواب
مفتوحة لشتى الاحتمالات والسيناريوهات.


















