شريط الأخبار
غوشه يستعرض إنجازات "المهندسين" في 2025: عام حافل بالتحول الرقمي والإصلاحات المالية والتطوير المهني فتح تفوز بالانتخابات البلدية بالضفة.. وتجرى لاول مرة في دير البلح بغزة مقتل جندي اسرائيلي وإصابة 6 آخرين في هجوم لحزب الله جنوب لبنان تحالف اسرائيلي معارض ينافس نتنياهو في يمينيته وتطرفه الحكومة تقر حوافز واعفاءات ضريبية لمشاريع ذات اولوية بمدينة عمرة كاميرات السير .. بين السلامة وحدود المشروعية الدستورية وشبهة الجباية مطالبة نيابية بتمديد قرار الخصم من مخالفات السير شركة أردنية عٌمانية برأس مال 100 مليون دولار تعمل بالأردن بمشاركة "الضمان" اقرار آلية جديدة لتوزيع المنح الجزئية والقروض الجامعية على ألوية المملكة العبداللات .. وأغنيته للكركيات آمال خليل... حين يجرِّم الانهزاميون الشاهد مصدر امني: لا مخدرات وراء ارتكاب جريمة الكرك بل خلافات عائلية "النقل النيابية" تقود اتفاق لإنهاء اعتصام أصحاب الشاحنات في معان قراءة تحليلية لانجازات مجلس النواب في العادية الثانية مركز مؤشّر الأداء – كفاءة يطلق دراسة بعنوان: تقييم بيئة الإعلام الرقمي في الأردن عشيرة المتهم بقتل اطفاله تتبرأ من جريمته وتطالب باشد التدابير القانونية بحقه المصفاة : أرباح 75.5 مليون دينار .. وتوزيع 50 بالمئة نقداً على المساهمين الملك يستقبل وزير خارجية الكويت: أمن الخليج أساس لأمن المنطقة والعالم الهيئة العامة لهيئة المكاتب والشركات الهندسية تناقش تقريرها الاداري وخطة عملها للعام 2026 ارتفاع عدد حالات انتحار جنود جيش الاحتلال خلال الشهر الأخير

كاميرات السير .. بين السلامة وحدود المشروعية الدستورية وشبهة الجباية

كاميرات السير .. بين السلامة وحدود المشروعية الدستورية وشبهة الجباية


المحامي راتب الطعاني

 

لم يعد النقاش حول كاميرات السير مسألة تقنية أو إدارية فحسب، بل أصبح سؤالاً قانونياً ودستورياً يستحق التوقف عنده بجدية: هل تؤدي هذه الكاميرات دورها الطبيعي في تعزيز السلامة المرورية، أم أنها انحرفت – في بعض تطبيقاتها – لتتحول إلى أداة جباية تثقل كاهل المواطن؟

لا خلاف على أن تنظيم المرور وضبط المخالفات هو من صميم واجبات الدولة، وأن استخدام الوسائل التقنية الحديثة، بما فيها الكاميرات، يدخل في إطار التطوير المشروع لوسائل الضبط. غير أن هذه المشروعية ليست مطلقة، بل تظل مقيدة بضوابط الدستور وأحكام القانون، وعلى رأسها مبدأ الشرعية، وقرينة البراءة، وضمانات المحاكمة العادلة.

أول ما يلفت الانتباه هو التوسع في استخدام الكاميرات في مواقع لا تبدو مرتبطة بخطورة مرورية حقيقية بقدر ارتباطها بسهولة رصد المخالفات، الأمر الذي يثير تساؤلاً مشروعاً حول الغاية من هذا الانتشار: هل هو الحد من الحوادث، أم تعظيم الإيرادات؟ ذلك أن انحراف الإدارة عن الغاية التي خولها القانون يشكل عيباً جوهرياً يطعن في مشروعية الإجراء برمته.

ومن الناحية الجزائية، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بشروط الضبط المنصوص عليها في المادة (151) من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والتي تشترط لاعتبار الضبط ذا قوة إثباتية أن يكون قد نُظم من موظف مختص، وأن يكون هذا الموظف قد شهد الواقعة بنفسه، وأن يكون الضبط مستوفياً لشروطه الشكلية. وعند إسقاط هذه الشروط على المخالفات التي ترصدها الكاميرات، يتبين أن الضبط يتم آلياً دون مشاهدة مباشرة، ودون وجود محضر ضبط تقليدي، مما يثير جدلاً جدياً حول مدى تمتعه بالقوة الإثباتية، ويضعه – وفق النص ذاته – في خانة "المعلومات العادية” التي لا تكفي وحدها للإدانة.

وتتعمق الإشكالية أكثر عند النظر إلى كيفية إسناد المخالفة، إذ تُسجل في الغالب على مالك المركبة، دون تحقق من هوية السائق الفعلي، وهو ما يفضي عملياً إلى قلب عبء الإثبات، بحيث يُطلب من المواطن أن يثبت براءته، بدلاً من أن تثبت الجهة المختصة مسؤوليته. وهذا يتعارض مع مبدأ أصيل في العدالة الجزائية، مفاده أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى مسألة حق الدفاع، حيث يواجه المواطن صعوبة حقيقية في الطعن في دقة الكاميرا أو معايرتها أو آلية عملها، الأمر الذي يفرغ حق الاعتراض من مضمونه، ويحول المخالفة إلى قرار شبه نهائي، وهو ما لا ينسجم مع الضمانات الدستورية للتقاضي.

أما من زاوية الخصوصية، فإن تصوير المركبات لم يعد مقتصراً على اللوحات، بل قد يشمل في كثير من الأحيان تصوير الأشخاص داخل المركبات، والتقاط ملامحهم وتوثيق تحركاتهم، دون وجود إطار قانوني تفصيلي ينظم كيفية استخدام هذه البيانات أو مدة الاحتفاظ بها أو الجهات المخولة بالاطلاع عليها. وهنا تبرز خطورة إضافية عند ربط ذلك بنص المادة (348 مكررة) من قانون العقوبات التي تجرّم خرق الحياة الخاصة باستراق السمع أو البصر أو التقاط الصور، مما يثير شبهة تجاوز حدود الإباحة متى غابت الضوابط الدقيقة.

ويزداد الجدل حدة مع انتشار الكاميرات المتنقلة التي تعمل من داخل مركبات غير مميزة، وتتموضع في أماكن خفية، بما يشبه "الكمائن”، في غياب أي إشارات تحذيرية أو بنية تحتية مرورية متكاملة من حيث وضوح الإشارات وسلامة الطرق. وهنا يبرز خلل واضح في فلسفة الضبط، إذ يتحول من وسيلة وقائية تهدف إلى تنظيم السلوك المروري، إلى وسيلة مباغتة غايتها تسجيل المخالفة.

كما يثور تساؤل لا يقل أهمية حول تبدّل حدود السرعات المسموح بها ضمن مسافات قصيرة دون مبرر هندسي أو مروري واضح، بحيث ينتقل السائق من حد سرعة إلى آخر خلال مسافة محدودة، في بيئة لا تساعد على التدرج أو التنبيه الكافي، مما يقوض مبدأ الوضوح والتوقع المشروع في القاعدة القانونية.

ومن جهة أخرى، فإن اعتماد نظام قياس متوسط السرعة بين كاميرتين يطرح إشكالية إضافية: فإذا كان الهدف هو السلامة الفورية وضبط السلوك الخطر، فلماذا يُعتمد معيار زمني تراكمي قد يعاقب على متوسط حسابي لا يعكس بالضرورة خطراً آنياً؟ إن هذا الأسلوب، إذا لم يُحط بضوابط دقيقة، قد يتحول إلى وسيلة مضاعفة للمخالفات أكثر منه أداة تنظيم فعالة.

كما تبرز إشكالية دقيقة تتعلق بمخالفة "تشتت انتباه السائق”، إذ يُلاحظ توسع في ضبطها عبر الكاميرات دون وجود معيار فني أو قانوني واضح لقياس هذا التشتت. فهل يكفي التقاط صورة لحركة يد أو التفاتة عابرة لإثبات تحقق الركن المادي للمخالفة؟ وأين هو الحد الفاصل بين السلوك العادي أثناء القيادة والسلوك المجرّم؟ إن غياب معيار موضوعي محدد لهذه المخالفة يفتح الباب أمام التقدير غير المنضبط، ويثير شبهة مخالفة مبدأ الشرعية الذي يقتضي أن تكون الأفعال المجرّمة محددة بدقة لا تحتمل التوسع أو التأويل.

إن العدالة في تطبيق قانون السير لا تتحقق بمجرد رصد المخالفة، بل تفترض بيئة مرورية سليمة، وإجراءات قانونية منضبطة، وضمانات حقيقية لحق الدفاع. فحين تغيب هذه العناصر، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام نظام ضبط مروري عادل، أم أمام منظومة جباية رقمية تحتاج إلى إعادة نظر.

ولا يقف الأمر عند حدود التطبيق، بل يمتد إلى بعض نصوص قانون السير ذاته، والتي قد تثير شبهة عدم الدستورية، خاصة في حال إسناد المخالفة إلى مالك المركبة دون التحقق من الفاعل، أو منح المخالفات صفة الإلزام شبه التلقائي، أو تقييد حق الطعن بصورة شكلية، أو اعتماد وسائل ضبط لا تتفق مع شروط الإثبات الجزائي.

وهذه الحالات تمس مبادئ دستورية راسخة، أبرزها قرينة البراءة، وحق الدفاع والتقاضي المنصوص عليه في المادة (101) من الدستور، ومبدأ الشرعية الجزائية، وحماية الحياة الخاصة وفق المادة (18) من الدستور.

وبناءً على ذلك، فإن هذه الشبهات لا تبقى في إطار التنظير، بل يمكن إثارتها عملياً أثناء إقامة دعوى منع مطالبة لعدم الاستحقاق، من خلال الدفع بعدم مشروعية المطالبة وربط ذلك بدفع بعدم دستورية النص القانوني الذي أُسست عليه المخالفة، الأمر الذي يجيز للمحكمة – متى توافر شرط الجدية – إحالة الدفع إلى الجهة المختصة للفصل في دستورية النص.

الخلاصة أن الكاميرات، كوسيلة تقنية، ليست محل إشكال بحد ذاتها، وإنما الإشكال يكمن في كيفية توظيفها، بل وربما في بعض النصوص التي تحكمها. فإذا ما أُعيد تنظيم استخدامها ضمن إطار قانوني واضح يراعي شروط الضبط ويحترم قرينة البراءة ويكفل حق الطعن ويضع ضوابط صارمة لحماية الخصوصية، فإنها يمكن أن تكون أداة فعالة في خدمة السلامة العامة. أما إذا استمرت الممارسات الحالية دون مراجعة، فإن الجدل سيبقى قائماً، وسيبقى المواطن هو الطرف الأضعف في معادلة غير متوازنة.

حين لا يقتصر الإشكال على التطبيق بل يمتد إلى النص ذاته، فإن القضية لم تعد مرورية، بل دستورية بامتياز، وقابلة لأن تُطرح أمام القضاء لا كمخالفة، بل كاختبار لمشروعية النص .