سوريا الجريحة: قراءة في إدارة المخاطر الوطنية والحوكمة المجتمعية في سياق ما بعد النزاع
بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة، والصناعة، وإدارة المشاريع
مقدمة: من القصة الرمزية إلى الإطار التحليلي
في أدبيات إدارة المخاطر الوطنية، لا تُقاس المخاطر فقط
بالتهديدات العسكرية أو الاقتصادية، بل تُقاس كذلك بقدرة المجتمع على الاستجابة
الجماعية، وعلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي أثناء الأزمات الممتدة. ومن هذا
المنظور، فإن القصة الرمزية المصوّرة القصيرة التي تُجسّد "امرأة تُدعى سوريا” لا
يمكن التعامل معها بوصفها عملًا عاطفيًا أو فنيًا فقط، بل بوصفها دراسة حالة
مكثّفة لانهيار منظومة الحوكمة المجتمعية، ثم محاولات استعادتها من القاعدة إلى
القمة.
تنويه للقارئ:
يعتمد هذا المقال على قصة رمزية مصوّرة قصيرة باللغة العربية،
جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، وتحمل شحنة رمزية وإنسانية عالية تستحق
المشاهدة المتأنية. يوصى بالاطلاع على القصة الأصلية قبل أو بعد قراءة هذا المقال،
لما تحتويه من عناصر بصرية وسردية تُكمل الإطار التحليلي الوارد هنا.
يمكن مشاهدة القصة عبر الرابط التالي على منصة يوتيوب:
https://www.facebook.com/share/v/1DjZDxVkDM/
أولًا: سوريا كنظام وطني عالي التعرّض للمخاطر
المرأة الجريحة في القصة لا تمثل فردًا، بل تمثل
الدولة-المجتمع؛ سوريا بوصفها نظامًا وطنيًا متعدّد المكوّنات، ضعيف الحماية
المؤسسية، وعالي التعرّض لمخاطر مركّبة ومتداخلة (أمنية، اجتماعية، إنسانية).
الاعتداء عليها من "كلاب” غير مُسمّاة ليس تفصيلًا سرديًا، بل
توصيف دقيق لما يُعرف في علم إدارة المخاطر بـ التهديدات غير المعرّفة المصدر، وهي
من أخطر أنواع المخاطر، لأنها:
• لا تخضع للمساءلة
• تُفكك الثقة المجتمعية
• وتحوّل العنف إلى ظاهرة
ذاتية الاستمرار
وهنا يظهر الخلل الأول في الحوكمة: فشل النظام في منع تحوّل
العنف إلى فاعل مستقل عن الدولة والمجتمع معًا.
ثانيًا: تفكك المخاطر المجتمعية
في النظم المتأزمة، لا تختفي القيم الأخلاقية، بل تتوزّع
الاستجابات الفردية دون تنسيق وطني.
وهذا ما تُجسّده شخصيات القصة بدقة:
• الرجل السني الذي بادر
إلى الإنقاذ ثم سقط مصابًا، يرمز إلى تحمّل عبء غير متوازن للمخاطر في المراحل
الأولى للأزمة.
• الرجل الكردي الذي أكمل
الطريق، يرمز إلى الاستمرارية العملية والعمل الميداني بعيدًا عن الشعارات.
• الشخص العلوي الذي قدّم
المساعدة، وهو عنصر محوري، يُفكك منطق الإدانة الجماعية، ويُعيد التأكيد على أن
المسؤولية الأخلاقية فردية وليست وراثية أو طائفية.
• الرجل المسيحي صاحب
السيارة المتعطلة، يرمز إلى الهشاشة، وإلى أن الحياد لا يحمي، وأن المساعدة قد
تكلّف آخر ما تبقّى، ومع ذلك تُقدَّم.
هذا المشهد يعكس واقعًا مألوفًا في الدول المنهارة:
تفكك إدارة المخاطر على مستوى المجتمع، وغياب إطار وطني يوزّع
الأدوار والمسؤوليات بعدالة.
ثالثًا: التعافي عبر المسؤولية الموزعة
من منظور إدارة المخاطر والحوكمة، لا يمكن لأي نظام وطني أن
يتعافى عبر "منقذ واحد” أو "فاعل مهيمن”.
التعافي المستدام يتطلب:
• توزيع الأدوار
• الاعتراف بجميع المساهمات
• حماية رأس المال البشري
ويظهر ذلك بوضوح في رمزية:
• الطبيب الذي يقرر البقاء
رغم مخاطرة مستقبل ابنه الدراسي، ويمثل النخبة المهنية التي تشكّل العمود الفقري
لأي تعافٍ وطني.
• المتبرعين بالدم من
الإيزيديين والإسماعيليين، الذين يمثلون المكوّنات المجتمعية الصغيرة والهامشية،
والتي غالبًا ما تُستبعد من الخطاب السياسي رغم دورها الحيوي في بقاء المجتمع.
في لغة الحوكمة:
لا تعافٍ دون إشراك جميع أصحاب المصلحة، ولا استقرار دون
الاعتراف بالمساهمات غير المرئية.
رابعًا: الدولة بين الإجراء والشرعية الأخلاقية
المستشفى الذي يطالب بالدفع ثم يتراجع عندما يسمع عبارة: "نحن
عائلتها”
يمثل الدولة في لحظة اختبار بين:
• منطق الإجراء البيروقراطي
• ومنطق الشرعية الأخلاقية
عندما يُسقط مدير المستشفى التكاليف، لا يقوم بعمل إنساني
فقط، بل يُعيد تعريف دور الدولة بوصفها:
• ضامنًا للتماسك الاجتماعي
• ووسيطًا أخلاقيًا
• لا مجرد جهاز إداري
في إدارة المخاطر الوطنية، تُعد هذه اللحظة استعادة جزئية
للحوكمة والثقة.
خامسًا: المصالحة بوصفها أداة لإدارة المخاطر المستقبلية
القصة لا تُقدّم مصالحة قائمة على النسيان أو طمس الحقيقة، بل
نموذجًا لمصالحة:
• تعترف بالألم
• ترفض الإدانة الجماعية
• وتُعيد بناء الهوية
الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا
المرأة التي تقول في النهاية:
"أنا سوريا”
تُعيد تعريف الانتماء باعتباره شرطًا للحوكمة، وأساسًا لإدارة
المخاطر المستقبلية، لا مجرد توصيف ثقافي أو سياسي.
خاتمة: من الدرس السوري إلى الإطار العالمي
هذه القصة ليست عن سوريا وحدها، بل عن كل مجتمع متنوّع يواجه
خطر الانزلاق من إدارة الاختلاف إلى إدارة الانقسام.
وهي تذكير بأن الدول لا تنهار بسبب تنوّعها، بل بسبب فشلها في
إدارة المخاطر الوطنية بوصفها مسؤولية مشتركة.
وفي النهاية، حين سُئلت المرأة عن انتمائها، لم تُجب بهوية
فرعية،
بل بجواب جامع، بسيط، وحاسم:
أنا سوريا.





















