رسالة مفتوحة من مُحِب غيور إلى "إخواني واخواتي في جبهة العمل الإسلامي".. "المشروع" أبقى من "اللافتة"!
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
أكتبُ لكم اليوم، وقلمي يقطرُ غيرةً وحرصاً، لا حبراً.. أكتبُ
بصفتي واحداً من هذا الشعب، وممن منحوكم ثقتهم وصوتهم في كل استحقاق، وممن يرون
فيكم "العمود الفقري" للعمل الحزبي والسياسي في أردننا الغالي، أكتبُ
لكم رسالة "المصارحة" في زمن المجاملات القاتلة، ورسالة "العقل
البارد" في زمن الرؤوس الحامية.
*****
يا سادة..
لا يختلف اثنان -وبيدي الدستور- أن ما يُطلب منكم من تغيير
لاسم حزبكم العتيد، وإسقاط صفة "الإسلامي" عنه، هو "مخالفة"
دستورية، وتغولٌ على حقكم الأصيل في التسمية والهوية، نعم، الحق معكم مائة
بالمائة، والقانون في صفكم، والمنطق يرفض هذا الإكراه.
*****
ولكن.. وألف خط تحت "ولكن"!!
نحن لا نعيش في المدينة الفاضلة، ولا نملك ترف "المناكفة"
القانونية في زمنٍ أصبح فيه استهداف "الإسلام السياسي" بنداً أولاً على
طاولات القرار في واشنطن وعواصم الغرب، وبضوء أخضر من محيط إقليمي ملتهب لا يرحم.
إن "الساطور" الأمريكي مصلتٌ على الرقاب، والهدف
ليس "اسمكم" بل "رأسكم"، والمطلوب هو اقتلاعكم من المشهد
كلياً، وتجفيف منابع حضوركم في الشارع الأردني.
هنا.. وهنا فقط، يجب أن يتنحى "القلب" قليلاً،
ليحكم "العقل" السياسي الراجح.
*****
أستحضرُ هنا، وأضع بين أيديكم، تجربة "المعلم"
الكبير، والسياسي الداهية، البروفيسور نجم الدين أربكان في تركيا، ذلك الرجل الذي
لم يقدّس "الأسماء" يوماً، بل قدس "الفكرة" و"الهدف".
حين تكالبت عليه العلمانية العسكرية، وحظروا حزبه
"النظام الوطني"، هل جلس يندب الحظ؟
لا.. بل أسس "السلامة الوطني"، حظروه؟
أسس "الرفاه"؛ أغلقوه؟
أسس "الفضيلة"، ثم "السعادة".
غيّر أربكان "يافطة" الحزب خمس مرات!؛ نعم خمس
مرات.. هل تنازل عن إسلاميته؟
لا. هل خان مبادئه؟ حاشا وكلا.
بل انحنى للعاصفة بذكاء "لاعب الشطرنج" المحترف،
ليحمي "القلعة" ويحافظ على "الجنود"، وليُبقي مشروعه حياً
يرزق يخدم شعبه وأمته، حتى أثمرت غراسه ما نراه اليوم في تركيا.
*****
يا إخوتي في "جبهة العمل الإسلامي"..
إن الظرف الإقليمي "مجنون"، والضغوط على الدولة
الأردنية -التي نحن وأنتم جزء أصيل منها- فوق الاحتمال، وإن التعامل بـ
"براغماتية" سياسية اليوم ليس تنازلاً، بل هو قمة "المسؤولية
الوطنية"، فوتوا الفرصة على المتربصين، واسحبوا الذريعة من يد
"الكاوبوي" الأمريكي الذي يتحين الفرصة لتصنيفكم أو عزلكم.
*****
غيروا الاسم.. نعم أقولها بملء الفم، غيروه حفاظاً على
المسمى، لتكن "جبهة البناء"، أو "العمل الوطني"، أو أي اسم
تختارونه، فنحن -ناخبيكم ومحبيكم- حينما نذهب للصندوق، لا ننتخب كلمة
"إسلامي" المكتوبة على الورقة، بل ننتخب "الأيادي البيضاء"
التي لم تتلوث بفساد، وننتخب "الضمائر الحية" التي ما خانت الوطن يوماً.
إن بقاءكم تحت قبة البرلمان، فاعلين مؤثرين، تذودون عن حمى
الوطن والمواطن، أهم عندنا وأهم للأردن من "التمترس" خلف اسم قد يكون
سبباً في غيابكم القسري.
تغليب "المصلحة الوطنية العليا"، وحماية
"المنجز الحزبي" الذي بنيتموه عبر عقود، يقتضي منكم اليوم شجاعة في
"القرار" توازي شجاعتكم في "الموقف".
*****
"كلمة إلى (أصحاب
القرار).. الكرة في ملعبكم أيضاً!"
ولكن.. وفي المقابل، فإن هذه "العقلانية" التي
نطالب بها الحزب، لا يجب أن تُرَدّ بـ "اللامبالاة" الرسمية أو إدارة
الظهر!، إن الكرة اليوم -وبقوة- في مرمى الدولة وأجهزتها صاحبة الولاية.
إذا بادر "الإسلاميون" -أو غيرهم- لخطوة إلى الأمام
تغليباً للمصلحة الوطنية، فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي من الدولة أن تقابل
التحية بأحسن منها، لا أن تعتبر ذلك ضعفاً أو انكساراً.
آن الأوان يا سادة.. أن تغادروا مربع "الريبة
الأمنية" إلى رحابة "الشراكة السياسية".
آن الأوان أن تنظروا للمعارضة -إسلامية كانت أم يسارية أم
حراكيّة- على أنهم "شركاء في الغرم والغنم"، و"روافع" للدولة
لا "خصوم" لها.
إن تمتين الجبهة الداخلية في وجه العواصف الإقليمية لا يكون
إلا بتبييض السجون، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي نهائياً.
أطلقوا سراح معتقلي الرأي من كافة الأطياف.. الحراكيين،
والنقابيّين، والطلاب، والحزبيين.. فالسجون للأشرار والمجرمين، وليست للأحرار
والغيورين على وطنهم.
نريد "انفراجة" حقيقية، تعيد للمواطن كرامته، وللكلمة
حريتها، وللعمل السياسي هيبته.
الدولة القوية هي التي تتسع صدور مسؤوليها للنقد، لا التي
تضيق ذرعاً بكلمة حق أو هتاف غاضب.
*****
إخواني في حزب جبهة العمل الإسلامي،،
نحن معكم.. بأي اسم كنتم، ما دمتم على العهد باقين.
والله من وراء القصد، وحمى الله الأردن..
محبكم / د. أحمد زياد أبو غنيمة




















