قصف باكستاني يستهدف مستشفى في كابل ويخلّف مجزرة وكارثة إنسانية
الدكتور محمد حسين سعيد
أكاديمي وأستاذ جامعي افغاني
أولاً: ملابسات الحادث
شهدت العاصمة الأفغانية كابل، مساء الاثنين 16 مارس/آذار، حادثة
مأساوية إثر تعرض مستشفى مخصص لعلاج مدمني المخدرات لغارات جوية نُسبت إلى الجيش
الباكستاني، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين الذين كانوا يتلقون
العلاج داخل المنشأة.
وأفادت وزارة الصحة الأفغانية بأن الغارات أدت إلى مقتل نحو 400
شخص وإصابة مئات آخرين، معظمهم من المرضى الذين كانوا يخضعون للعلاج داخل المستشفى
وقت وقوع الهجوم.
من جانبه، صرّح المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد،
بأن سلاح الجو التابع للنظام العسكري الباكستاني انتهك مجدداً الأجواء الأفغانية،
مستهدفاً منشأة طبية في قلب العاصمة، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف
المدنيين.
وأكد مجاهد أن غالبية الضحايا من المرضى داخل المستشفى، مشدداً على
أن استهداف المرافق الطبية يُعد انتهاكاً خطيراً للقوانين الدولية والأعراف
الإنسانية.
كما أدان الهجوم بأشد العبارات، واعتبره جريمة جسيمة وانتهاكاً
صريحاً للمبادئ الإنسانية، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح تجاه هذه
الاعتداءات التي تستهدف المدنيين والمنشآت الطبية.
ويأتي هذا الحادث في ظل تصاعد التوترات بين أفغانستان وباكستان،
وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع الأمنية والإنسانية في المنطقة.
ثانياً: الخلفيات والأسباب
لا شك أن الأزمة بين أفغانستان وباكستان ذات أبعاد متعددة وجذور
تاريخية، من أبرزها قضية خط ديوراند. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى وجود أبعاد
سياسية أوسع تسهم في تأجيج التوترات.
ففي سبتمبر/أيلول الماضي، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
بتصريحات دعا فيها الحكومة الأفغانية إلى إعادة قاعدة باغرام العسكرية إلى القوات
الأمريكية، محذراً من عواقب في حال عدم الاستجابة، حيث ستحدث أموراً سيئةً.
وعقب هذه التصريحات، لوحظ تغير في سلوك الحكومة الباكستانية تجاه
أفغانستان، تزامن مع زيارات رسمية لمسؤولين باكستانيين إلى الولايات المتحدة، وهو
ما يُنظر إليه على أنه جزء من ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
وبعد ذلك بأسابيع، بدأت الغارات الجوية الباكستانية على المناطق
الحدودية المحاذية لخط ديوراند، بذريعة استهداف عناصر حركة طالبان باكستان (TTP). غير أن نتائج هذه العمليات أظهرت أن معظم
الضحايا كانوا من المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، مما يعكس إخفاقاً في دقة
المعلومات وفشل الأمني والاستخباراتي الباكستاني.
ثالثاً: تطورات المواجهة والوساطات
استمرت هذه الهجمات حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين ردّت
القوات التابعة لوزارة الدفاع الأفغانية، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات متبادلة بين
الجانبين.
وقد تدخلت لاحقاً عدة دول في المنطقة، من بينها قطر وتركيا
والمملكة العربية السعودية، للوساطة بين الطرفين، وأسفرت الجهود عن التوصل إلى وقف
لإطلاق النار.
كما تواصلت جولات الحوار بين أفغانستان وباكستان في كل من الدوحة
وإسطنبول والرياض، إلا أن الخلافات، ولا سيما بشأن بعض الشروط التي طرحها الجانب
الباكستاني، حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي، ما أدى إلى تعثر مسار الوساطة.
رابعاً: التصعيد الأخير
رغم هذه الجهود، أقدمت الحكومة الأفغانية – قبيل شهر رمضان – على
إطلاق سراح عدد من الجنود الباكستانيين كبادرة حسن نية، وتقديراً لجهود الوساطة،
خصوصاً من المملكة العربية السعودية.
غير أنه بعد يومين فقط من هذه المبادرة، شهدت ولايتا ننغرهار
وبكتيكا قصفاً جوياً أسفر عن مقتل 25 مدنياً، بينهم 17 فرداً من أسرة واحدة.
ومنذ ذلك الحين، واصل الجيش الباكستاني نهجه التصعيدي، من خلال
توسيع نطاق الهجمات لتشمل أهدافاً مدنية وبنية تحتية ومراكز حكومية وعسكرية داخل
أفغانستان، وصولاً إلى استهداف العاصمة كابل.
وقد بلغ هذا التصعيد ذروته في القصف الأخير الذي استهدف مستشفى
علاج مدمني المخدرات، مخلفاً واحدة من أكبر المآسي الإنسانية، وشُبّهت هذه الحادثة
– من حيث حجم الخسائر – بحادثة استهداف مستشفى المعمداني في غزة مما تسبب إلى
مجزرة وكارثة إنسانية.
خامساً: الخلاصة
في ضوء هذه التطورات، يُنظر إلى هذه الهجمات على أنها جزء من تصعيد
خطير يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، ويزيد من معاناة المدنيين.
وعليه، تبرز دعوات موجهة إلى الدول العربية والإسلامية، وكذلك إلى
النخب الدينية والفكرية داخل باكستان، للقيام بدور فاعل في الحد من هذا التصعيد،
والعمل على إيقاف الاعتداءات وحماية المدنيين، بما يسهم في تعزيز الاستقرار
الإقليمي ومنع تفاقم الأوضاع الإنسانية والاعتداءات الباكستانية الغاشمة.
























