شريط الأخبار
هذا ملكنا الطيب اشادة واسعة بجولة الملك التضامنية للخليج وسط الاجواء الملتهبة الملك من البحرين ينبه إلى خطورة استغلال الحرب لفرض واقع جديد في فلسطين قصف باكستاني يستهدف مستشفى في كابل ويخلّف مجزرة وكارثة إنسانية بلد كاسترو وغيفارا فريسة امريكية جديدة: ترامب يهدّد بسرقة كوبا بعد 50 عاماً على التدخل السوري في لبنان...هل يعيد التاريخ نفسه مجدداً؟ الحكومة ترفع علاوة غلاء المعيشة للعاملين بأوقاف القدس وشؤون الأقصى بمقدار 70 ديناراً شهرياً الحكومة تطلق المرحلة الأولى من مشروع النَّقل المدرسي بالشَّراكة مع القطاع الخاص رويترز: واشنطن "حثّت" الشرع على التدخّل في لبنان لكنه "متردد" الملك يختتم جولة خليجية ويؤكد رفض إقحام الدول العربية في الحرب محللون: دول الخليج العربية تواجه معضلة استراتيجية بين تهديد الهجمات والانجرار لحرب هل الصين تهيئ لما بعد هرمز؟ إعلام عبري: إيران تعرضت لضربات لكنها تحرك العالم بإصبعها بمجال الطاقة خامنئي يرفض مقترحات وساطة نقلتها دولتان عبر الخارجية الإيرانية رويترز: إيران تجدد ردها على حلفاء أمريكا في الخليج وترامب "مصدوم" من استهدافهم اسرائيل تزعم: استشهاد لاريجاني وقائد الباسيج الايراني الأمم المتحدة تحذر من "تطهير عرقي" في الضفة بعد تهجير 36 ألف فلسطيني حواري: المرأة الأردنية شريك أساسي في الاقتصاد وضرورة إشراكها بتعديلات قانون الضمان رابطة اللاعبين الأردنيين الدوليين الثقافية تزور قسم الأطفال في مستشفيات البشير أهالي راجب في عجلون يطالبون بتوسعة طريق "راجب–دحوس" لحماية السلامة وتعزيز السياحة

بعد 50 عاماً على التدخل السوري في لبنان...هل يعيد التاريخ نفسه مجدداً؟

بعد 50 عاماً على التدخل السوري في لبنان...هل يعيد التاريخ نفسه مجدداً؟


كتب: عريب الرنتاوي

الجدل الدائر حول موقع وموقف سوريا في ظل قيادتها الجديدة من العدوان الثنائي، الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وامتداداته وتداعياته، يحتل مكانة متقدمة على جدول أعمال النخب السياسية والإعلامية في الإقليم بعامة، ولبنان على وجه الخصوص...أغلب هذا الجدل، يأخذ لغة الاتهامات المتبادلة ويلوذ بمفردات حروب الدعاية والإعلام، وأهمه يدور خلف الأبواب وفي الغرف المغلقة.

لم يبدأ الحديث عن "دورٍ سوري" محتمل في لبنان الآن، بل قفز إلى السطح منذ أن أطلق موفد ترامب وصديقه الشخصي، توم باراك، تصريحاته "الاستشراقية" الساذجة، عن "خطأ سايكس-بيكو"، و"لعنة الدولة الوطنية المشرقية الحديثة"، ليصل حد اكتشاف الحاجة لإعادة رسم خرائط الإقليم، تبعاً لخطوط الطوائف والمذاهب والأعراق والأقوام، أفقياً لا عامودياً، وليقترح في لحظة تجلٍ، إعادة "تلزيم" لبنان الفاشل لسوريا الناجحة، في ظل قيادتها الشابة و"الشجاعة" و"الحازمة".

باراك، في تصريحاتٍ ما زال يرددها، حتى بعد أن رُفعت يده عن لبنان (البعض في لبنان ما زال يحنّ إليه ويستدعيه بين الحين والآخر)، حاول أن "يُعمّق" مواقف سيده في البيت الأبيض، الذي كلما أمعن في إظهار استخفافه بلبنان وقيادته، كلما أطنب في كيل المديح والثناء لسوريا الجديدة ... الموفد استحضر تاريخ المشرق كما قرأه مسطحاً في التقارير الاستخبارية الموجزة المعدة على عجل، مستشرفاً المستقبل، من منظور "فن الصفقة" لرئيسه الذي لم يعرف عنه يوماً، تعلقه بفكرٍ أو معرفة أو تاريخ.

لكن الاهتمام بموقع سوريا ودورها، انتعش مؤخراً على وقع تطورات سياسية وميدانية، بدأت بخروج الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن "النص" الذي درج عليه منذ توليه السلطة في دمشق، وانخراطه لأول مرة، في ثنايا ودهاليز الملف اللبناني الداخلي، من بوابة دعم الدولة في مشروعها "نزع سلاح حزب الله"، والقضاء على المليشيات، وعبر اتصالات مباشرة مع مكونات لبنانية بينها (الجميّل وجنبلاط) في استعادة لبعض فصول تجربة نظام الأسدين، في التعامل مع لبنان بـ"القطعة"، وهو الذي سبق له وأن أعرب عن "ترفعه" عن ممارسات من هذا النوع، وتفضيله صياغة علاقة بـ"الجملة" مع لبنان، "من دولة إلى دولة".

تَزامُن تلك التصريحات والاتصالات، مع معلومات عن حشود عسكرية، تقوم بها مليشيات سلفية، آسيوية في غالبها الأعم، مدعومة بوحدات من الجيش السوري النظامي، الذي لم تخلع بعض وحداته بعد، زي المليشيات التي كانت عليها قبل عام أو أزيد قليلاً، أمرٌ أثار قلقاً بالغاً...حشود قيل إنها احترازية حيناً، ورداً على عمليات تحرش قام بها حزب الله في مناطق حدودية أحياناً، وتحسباً لاحتمال قيام الحزب بفتح جبهة جديدة على حدود لبنان الشرقية، لكأن الحزب لا تكفيه حمم النار التي يتعرض لها من كل فج عميق.

 

هل يعيد التاريخ نفسه؟

الشرع، الذي لم يمض على وجوده في السلطة سوى عام أو يزيد قليلاً، يحاول حرق المراحل والمسافات التي تطلب نظام الأسد-الأب، سنوات لقطعها، للدخول في ثنايا ودهاليز الملف اللبناني الشائك، وهو وإن كانت لديه مشكلات كبرى في الداخل السوري الذي لم يتعاف بعد من ذيول وتداعيات عشرية النار والدمار التي حلّت بسوريا، لا يمانع على ما يبدو "القفز للأمام"، أو بالأحرى، "القفز للخارج"، بحثاً عن مخارج وحلول لأزمات الداخل، ظنّاً منه أن دوراً له في لبنان، محكوماً بسقف المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، يمكن أن يعزز مكانته الإقليمية، ويوفر له شرعية لم يكرسها بعد في الداخل، ويؤهله لضمان ديمومة "عرشه" واستقراره.

لم تستفزه المروحيات الإسرائيلية المحمّلة بجنود النخبة الإسرائيلية التي اخترفت الأجواء السورية وأفرغت حمولتها في "النبي شيت" والسلسلة الشرقية، ولم ير إليها كخرق لجدران السيادة السورية، بل استفزته على نحو مثير، قذائف عشوائية، ربما تكون سقطت هنا وهناك، في معركة المواجهة مع "الانزالات" البرية الإسرائيلية ... جدران السيادة لا قيمة لها حين تُهدّم من قبل الطائرات والدوريات الإسرائيلية وعلى نحو شبه يومي، وكانت طاولت مختلف الأرجاء السورية، وصولاً لقيادة الأركان في قلب دمشق، وجدران "قصر الشعب" الذي ورثه عن الرئيس المخلوع، لكن بضعة قذائف في الاتجاه المعاكس، كفيلة بإعلان النفير وحشد القوات والمليشيات، ذوداً عن سيادة مهدورة.

نحن ندرك أن ما بين الشرع و"هيئته" من جهة، وحزب الله وإيران من جهة ثانية، بحر من الدماء والكراهية و"فالق زلزالي مذهبي"، وندرك كذلك، أن ثمة حسابات قيد التصفية مع كل أثر أو وجود للحزب على الأرض السورية، حتى ولو كانت مستودعاً للذخيرة، أو نفقاً يأوي سلاحاً ... لكن أن يُحشَدَ الجيش السوري و"القوات الرديفة" شرقاً، في الوقت الذي تَحتَشد فيه ست فرق عسكرية إسرائيلية ويُستدعى مئات ألوف من جنود الاحتياط جنوباً، فهذا أمر مستهجن وغريب عن أية مرجعية "إسلامية" أو "قومية" أو "وطنية".

ونحن لا نفهم اتصال الرئيس الشرع بكل من سامي الجميل ووليد جنبلاط، إلا بوصفه رسائل طمأنة لمكونات لبنانية لم تَطمئن نظيراتها في سوريا للحكم الجديد بعد، لا في السويداء والساحل وشرق الفرات، ولا في الأحياء المسيحية المبثوثة في معظم المدن السورية...ونراها محاولة للتوطئة والتمهيد لأدوار قد تأتي في قادمات الأيام والظروف، وسعياً لـ"تحييد" بعض اللبنانيين، بعد أن ضمن ولاء بعضٍ منهم من القماشة المذهبية ذاتها و"آخرين من دونهم".

ويصعب فهم هذه المقاربة سياسياً وميدانياً، بمعزل عن حسابات وترتيبات مرحلة "ما بعد الحرب على لبنان"، والتي تتميز بقناعة دولية متعاظمة بعجز الدولة عن إنفاذ قرار "حصرية السلاح"، والمخاوف التي تساور البعض من عجز إسرائيل عن إنجاز المهمة بالقوة الغاشمة، رغم التفاوت الهائل في توازنات القوى، والضريبة الباهظة التي يدفعها الحزب وبيئته ولبنان جراء حرب الإبادة الممتدة للأسبوع الثالث على التوالي، والمرشحة للتوسع والاستطالة في المكان والزمان.

"الرئيس القوي"، والوصف للرئيس ترامب، يبدو مؤهلاً من وجهة نظر بعض الدوائر الغربية (الأمريكية بخاصة)، للاستجابة لمشاريع التلزيم، تلزيم لبنان لسوريا، سيما إن انتهت المشاورات والاتصالات الجارية خلف الستار وأمامه بين دمشق وتل أبيب، إلى اتفاق بين من قماشة "إبراهيمية"، حتى وإن كانت "مُطعّمة" بألوان إضافية زاهية، مثل هذا الاتفاق يمكن أن يبدد بعض التحفظات الإسرائيلية على الشرع ونظامه ودوره في سوريا، واستتباعاً في لبنان.

ودعونا نستذكر، أن الأسد الأب، لم يكن صديقاً للإسرائيليين، وكان خارجاً للتو من حرب أكتوبر 1973، عندما حصل على الضوء الأخضر، الأمريكي – الإسرائيلي، باجتياح لبنان في العام 1976، والانتشار من ضمن خطوط طول وعرض حمراء، لا تمس أمن إسرائيل ولا تتهدده...فهل يعيد التاريخ نفسه، على صورة مهزلة هذه المرة، وتبتلع إسرائيل تحفظاتها على الشرع ونظامه، لصالح إتمام مهمة شبيهة بمهمة ضرب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في تلك الأزمنة؟

وهل يتورط مسيحيون لبنانيون غداً، كما تورط بعضهم بالأمس، في استدعاء التدخل السوري في لبنان، للخلاص من حزب الله هذه المرة، كما تخلصوا من المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية آنذاك، أو على الأقل ألحقوا بهما إعاقة مزمنة، مهدت لاجتياح أوسع في العام 1982، وبتواطؤ مع ميليشيات محلية قارفت ما قارفت في حرب الحصار والتطويق، ولاحقاً في مخيمي صبرا وشاتيلا.

وكيف ستتصرف بقية المكونات اللبنانية مع "سيناريو محتمل" كهذا؟، هل سيجد "سُنّة لبنان" في الشرع زعيماً يملأ فراغات قياداتهم العاثرة والمبعثرة بعد أفول نجم "الحريرية السياسية"؟، وهل سيعتبرون دخول الجيش السوري هذه المرة، خلافاً للمرة الماضية، تعزيزاً لمكانتهم في النظام اللبناني الذي قد يكون مطروحاً لإعادة التشكل والتشكيل؟، وكيف سيتصرف دروز لبنان، وهم الذين انقسموا على أنفسهم بعد أحداث السويداء، وقبلها أحداث جرمانا، وصاروا نهباً لتضارب تيارين، واحد عروبي وآخر "متأسرل"؟

واشنطن على ما يبدو، ومما يتضح من ردودها على مبادرة الرئيس جوزيف عون، سئمت "الميثاق" و"الصيغة"، ولم تعد تطيق صبراً على قواعد "الديمقراطية التوافقية" التي حكمت لبنان وتتحكم به، ومع تنامي مكانة الشرع في حساباتها السياسية والاستراتيجية، وإقدامها على "التضحية" بكرد سوريا على مذبح مساعدة دمشق وتعزيز فرص الرئيس الجديد، فليس مستبعداً على الإطلاق، أن يكون توم باراك، قد ردد صدى ما يدور في الأروقة المغلقة للدولة العميقة في واشنطن، وليس "رجع صدى" لنزوات ترامب وشطحاته.

ولست أستبعد سيناريو أن تبدأ إسرائيل الحرب على الحزب والمقاومة، وهو أمرٌ قد بدأ بالفعل وهو مرشح للاستمرار والتصعيد، على أن يطلب من سوريا استكمال المهمة بعد حدٍ معين، فإسرائيل لن تحتل كل لبنان، وليس لديها القدرة ولا الرغبة في فعل ذلك، والضربات الجوية على كثافتها وكلفتها، لن تنجح في حسم الصراع مع الحزب وحاضنته ... ولا بد من قوة أخرى، على الأرض، تستكمل ما بدأ، والأرجح أن هذه القوة ليست لبنانية، بل خارجية، و"حصرية السلاح" إن أُنجزت، فلن تكون بيد الدولة اللبنانية بل بيد الدولة السورية، توزع منه ما تشاء، وقتما تشاء، على من تشاء، ودائماً بالضوء الأخضر الإسرائيلي، وتحت النظر الأمريكي.

ولسنا نستبعد كذلك، أن يكون مشروع "التلزيم"، متطلباً مسبقاً لوقف الحرب ومنع الاجتياح البري الإسرائيلي الواسع، أو إبقائه ضمن حدود جغرافية محددة، وغير ذلك مما يدور في المشاورات والاتصالات الجارية بكثافة هذه الأيام، على وقع الغارات والحشود الإسرائيلية الكثيفة، ومن على قاعدة "إنفاذ الوعد" بدعم الدولة والجيش الذي قطعه الرئيس الشرع على نفسه، لمساعدة لبنان على التخلص من المليشيات ونزع السلاح، وما يستوجبه ذلك، من مظلة سياسية عربية – إسلامية – دولية، ومساعدات كثيفة لسوريا وليس للبنان.

قد يقول قائل: إن أحداً، حتى من أشد المعجبين بالشرع ونظامه الجديد، لن يسمح بقيام دولة قوية، متمددة إقليمياً، مركزها دمشق، وأن هذا المشروع يتعارض مع مشاريع التفتيت الإسرائيلية لسوريا والمشرق، وهذا صحيح، ولكن من قال أن تلكم ستكون خاتمة المطاف، ومن قال أن ألغاماً كثيرة لن يجري زرعها وتحريكها بعد إتمام المهمة...في "فقه الأولويات" الأمريكي-الإسرائيلي، لطالما كان "مد الحبل" لهذا الفريق أو ذاك، خياراً مفضلاً، على أن ينتهي بلفّه حول عنقه، فيُشنَق به نادماً أو غافلاً.

هي مهمة ليست يسيرة، ودونها "خرط القتاد"، فالحرب حين تأخذ هذا الشكل، ستُطلق ديناميات وتحالفات جديدة، وقد تُفضي إلى تمزيق سوريا بدل توحيد لبنان واستعادة دولته ... وأياً كانت الأطراف العربية والإقليمية والدولية، التي قد تدعم هذا السيناريو، فستظل هناك أطراف، عربية وإقليمية ودولية أيضاً، ترفض هذه السيرورة، وتتحين الفرصة لإحباط مراميها، والأهم من كل هذا وذاك، أن الحرب على لبنان (والأهم إيران)، لم تضع أوزارها بعد، ولم تصدر عن طهران والضاحية صرخة ألم، ولم تُرفع على مآذنهما راية بيضاء، لكن التحوّط من قادمات الأيام وما تستبطن من مخاطر وتحديات، يعطي أهمية استثنائية، لكسب المعركة والاستعداد لما بعدها.