رمضان كريم
د. طارق سامي خوري
رمضان، كما تقرره النصوص المؤسسة في الإسلام، ليس شهر
تعطيلٍ للحياة بل إعادة ضبطٍ لها.
قال القرآن الكريم:
"يا
أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام… لعلكم تتقون”
فالغاية هي التقوى… أي ضبط النفس، وسموّ السلوك، لا
الخمول ولا التراخي.
وثبت عن سيدنا محمد ﷺ قوله:
"من
لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”
أي أن الصيام الحقيقي هو صيام السلوك قبل صيام الجسد.
رمضان ليس:
قلة
دوام، بل انضباط أعلى.
قلة
إنتاج، بل بركة في الوقت والعمل.
عصبية
وتوتر، بل سكينة وحلم.
تعطيل
مصالح الناس، بل مضاعفة المسؤولية تجاههم.
وهو كذلك شهر جهاد…
جهاد النفس أولًا، بكبح الشهوة، وضبط اللسان، وإصلاح
السلوك.
وجهاد الضمير، بأن نشعر بغيرنا كما نشعر بأنفسنا.
في زمن يُحاصر فيه أهلنا في غزة،
يكون من أبسط معاني الجهاد أن نمتنع عن المبالغة في
الطعام،
أن نبتعد عن التبذير،
أن نحفظ نعمة الله،
وأن نستحضر عند موائدنا من لا يجد قوت يومه تحت الحصار.
رمضان ليس موسم موائد عامرة وصور مستعرضة،
بل موسم وعيٍ ومسؤوليةٍ وتكافل.
هو شهر الإرادة، لا شهر الأعذار.
شهر تهذيب الغضب، لا إطلاقه.
شهر إتقان العمل، لأن الصائم يراقب ضميره قبل أن يراقبه
القانون.
مبارك عليكم الشهر الفضيل،
نسأل الله أن يجعله شهر خيرٍ وبركةٍ وإصلاحٍ للنفس
والعمل،
وأن يعيده علينا جميعًا ونحن أكثر وعيًا، وأصدق أداءً،
وأسمى خُلقًا،
وأقرب إلى بعضنا، وأصدق تضامنًا مع أهلنا حيثما كانوا.

























