شريط الأخبار
“حزب الله” يسحق إنزالاً إسرائيلياً في البقاع..وكمين في “النبي شيت” الرئيس الإيراني يتعهد بوقف استهداف دول الجوار.. ولكن الجيش: إيران استهدفت الأردن بـ 119 طائرة مسيرة وصاروخا الأمن: 14 إصابة جراء سقوط شظايا الصواريخ في الأردن ايران تتعهد بوقف مهاجمة دول الجوار.. ولكن الاف المستوطنين ينهال ون بمطالبات لتعوضيهم عن دمار الضربات الإيرانية السفارة الأمريكية في الأردن تحذر المواطنين من التطورات الأمنية وتدعو لمغادرة المنطقة عند الحاجة الأردن سيادة لا تُمسّ الملك للرئيس التشيكي: ضرورة منع استغلال الصراع لفرض واقع جديد في الضفة عميل تركيا واسرائيل علييف يامر الجيش الاذربيجاني بشن هجمات على ايران ديفد هيرست: حرب إسرائيل لن تنتهي عند حدود إيران "حزب الله" يأمر مستوطني الحدود الفلسطينية بلدات بالإخلاء الفوري.. وقصف متبادل القبض على قاتل مسنة بهدف السرقة في عمان سيدة تقتل زوجها طعنا في ماركا “حزب الله” يقصف مواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ .. وإسرائيل ترد باشد وتنذر اللبنانيين بالاخلاء باليوم السادس للحرب: قصف شديد متبادل.. واصابات في الامارات وانفجارات بقطر الكتلة العمالية تتقدم بمقرحات لتعزيز الاستدامة المالية للضمان بما لا يمس حقوق المشتركين الجيش: إحباط محاولتي تهريب مواد مخدرة بواسطة بالونات عقيدة صن تزو للدول الصغيرة: البقاء الاستراتيجي في عصر صراع القوى الكبرى إيران إن صمدت...خاتمة الحروب لا "أم المعارك"

كيف يمكن للأردن بناء نموذج وطني للتفكير الاستراتيجي

كيف يمكن للأردن بناء نموذج وطني للتفكير الاستراتيجي


بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد

 

في عالم يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد كافياً أن تمتلك الدول برامج إصلاح أو خططاً قطاعية منفصلة. ما تحتاجه الدول اليوم هو نموذج وطني متكامل للتفكير الاستراتيجي يربط بين الرؤية والسياسات والتنفيذ، ويضع إدارة المخاطر في صلب عملية صنع القرار.

الأردن ليس استثناءً من هذه القاعدة. فموقعه الجيوسياسي، وبيئته الإقليمية المتقلبة، والتحديات الاقتصادية والموارد المحدودة، كلها عوامل تجعل من التفكير الاستراتيجي المنهجي ضرورة وطنية وليس خياراً فكرياً.

لقد أطلق الأردن خلال السنوات الأخيرة عدداً من المبادرات المهمة، أبرزها رؤية التحديث الاقتصادي، وخارطة طريق تحديث القطاع العام، واستراتيجية التحول الرقمي. وهي مبادرات طموحة وتحتوي على برامج تنفيذية واضحة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الخطط، بل في دمج هذه المبادرات ضمن منظومة استراتيجية وطنية واحدة تعمل وفق إطار تفكير موحد.

كما أن التفكير الاستراتيجي في العصر الحديث ليس عملية جامدة تُبنى مرة واحدة، بل هو عملية مستمرة من المراجعة والتكيف مع التغيرات. فالعالم يتغير بسرعة، وما يصلح اليوم قد لا يكون صالحاً غداً. ولذلك يجب أن يكون أي نموذج وطني للتفكير الاستراتيجي قادراً على إعادة التقييم والتحديث المستمر وفقاً للمتغيرات الإقليمية والدولية والاقتصادية.

فالاستراتيجية ليست مجرد وثيقة تُكتب، بل هي طريقة تفكير ومنهج حكم.

 

أولاً: تحديد المصالح الوطنية بوضوح

الخطوة الأولى في بناء أي نموذج استراتيجي هي تحديد المصالح الوطنية العليا. فالدولة التي لا تحدد أولوياتها بوضوح تصبح سياساتها عرضة للتشتت.

بالنسبة للأردن، يمكن تلخيص هذه المصالح في عدد من المحاور الأساسية:

الحفاظ على استقرار الدولة وسيادتها

تعزيز الأمن المائي والغذائي والطاقة

تحقيق نمو اقتصادي مستدام يخلق فرص العمل

تعزيز التماسك الاجتماعي والثقة بالمؤسسات

تطوير البنية التحتية والقدرة التنافسية للاقتصاد

حماية الأمن الوطني والاستعداد للأزمات

هذه المصالح ينبغي أن تُصاغ في ميثاق وطني للمصالح الاستراتيجية يكون مرجعاً لجميع السياسات الحكومية.

 

ثانياً: تحويل المصالح إلى مجالات استراتيجية

بعد تحديد المصالح، يجب ترجمتها إلى مجالات استراتيجية رئيسية توجه عمل الدولة. ومن أبرز هذه المجالات:

الأمن الوطني وإدارة الأزمات

الاقتصاد والاستثمار

كفاءة القطاع العام

البنية التحتية والطاقة والمياه

التعليم وتنمية رأس المال البشري

الاقتصاد الرقمي والأمن السيبراني

السياسة الخارجية والشراكات الدولية

الاستراتيجية الناجحة لا تعني معالجة كل شيء في الوقت نفسه، بل تعني تحديد الأولويات والعمل عليها بتركيز وانضباط.

 

ثالثاً: إدماج إدارة المخاطر في صلب القرار

التفكير الاستراتيجي الحديث يقوم على مبدأ بسيط: لا توجد قرارات بلا مخاطر، لكن يمكن إدارة المخاطر بذكاء.

وهنا تأتي أهمية تبني منهجيات دولية مثل ISO 31000 لإدارة المخاطر، والتي تسمح للحكومات بتحديد المخاطر وتحليلها وتقييمها ووضع خطط للتعامل معها.

في الحالة الأردنية يمكن تصنيف المخاطر الاستراتيجية ضمن ست مجالات رئيسية:

المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالصراعات الإقليمية

المخاطر الاقتصادية مثل البطالة والدين العام

مخاطر الموارد مثل المياه والطاقة

المخاطر المؤسسية المرتبطة بضعف التنفيذ

المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالثقة والاستقرار المجتمعي

المخاطر التكنولوجية والأمن السيبراني

إن وجود سجل وطني للمخاطر الاستراتيجية يساعد الدولة على اتخاذ قرارات أكثر وعياً واستباقية.

 

رابعاً: ربط الاستراتيجية بالتنفيذ

كثير من الاستراتيجيات تفشل لأنها تبقى في مستوى الرؤية ولا تتحول إلى برامج تنفيذية واضحة.

ولهذا يمكن اعتماد النموذج المعروف في التخطيط الاستراتيجي:

الغايات – الوسائل – الموارد – المخاطر

فكل مبادرة وطنية يجب أن تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

ماذا نريد أن نحقق؟

كيف سنحقق ذلك؟

ما الموارد المتاحة لتحقيقه؟

ما المخاطر التي قد تعرقل التنفيذ؟

هذا النموذج البسيط يضمن أن تتحول الاستراتيجية إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ.

 

خامساً: إشراك المجتمع وأصحاب المصلحة في تنفيذ الاستراتيجية

التجارب الدولية تؤكد أن الاستراتيجيات الوطنية لا تنجح فقط بوجود الخطط والتمويل، بل بقدرتها على إشراك المجتمع وأصحاب المصلحة في عملية التنفيذ.

فكثير من الخطط التنموية قد تحقق أهدافاً إدارية أو مالية، لكنها لا تحقق التغيير المطلوب إذا لم تتحول إلى سلوك مجتمعي وممارسة يومية لدى الناس.

يمكن ملاحظة ذلك في العديد من القضايا الحيوية مثل:

حماية الثروة الحرجية

إدارة الموارد المائية

الحفاظ على البيئة

ترشيد استهلاك الطاقة

فعلى الرغم من وجود استراتيجيات وبرامج ممولة بملايين الدنانير، إلا أن النتائج تبقى محدودة عندما لا تكون المجتمعات المحلية شريكاً فعلياً في التخطيط والتنفيذ.

إن الاستراتيجية الناجحة لا تكتفي بسن القوانين أو فرض العقوبات، بل تعمل على بناء وعي مجتمعي وشراكة حقيقية تجعل المواطنين أنفسهم جزءاً من حماية الموارد الوطنية وتحقيق الأهداف التنموية.

ولهذا ينبغي أن تتضمن كل استراتيجية وطنية:

آليات واضحة لإشراك أصحاب المصلحة

برامج توعية وتغيير سلوكي طويلة المدى

شراكات مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص

تحويل المواطنين من متلقين للسياسات إلى شركاء في تنفيذها

فعندما يشعر المجتمع أن الاستراتيجية هي مشروع وطني مشترك، تتحول الأهداف من وثائق حكومية إلى ممارسات مجتمعية مستدامة.

 

سادساً: بناء منظومة مؤسسية للتفكير الاستراتيجي

لكي ينجح أي نموذج استراتيجي، يجب أن يكون مؤسسياً وليس مرتبطاً بأفراد أو حكومات متعاقبة.

ولهذا يمكن التفكير في إنشاء مجلس وطني للاستراتيجية وإدارة المخاطر تكون مهمته:

تنسيق التخطيط الاستراتيجي بين المؤسسات

مراجعة المخاطر الوطنية الكبرى

متابعة تنفيذ البرامج الاستراتيجية

إعداد تقارير دورية حول الأداء الوطني

كما ينبغي تعزيز دور مؤسسات إدارة الأزمات وربطها مباشرة بالتخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

 

سابعاً: اعتماد التخطيط بالسيناريوهات

يعيش الأردن في منطقة مليئة بالمتغيرات. لذلك فإن التخطيط التقليدي المبني على توقع واحد للمستقبل لم يعد كافياً.

التخطيط الحديث يعتمد على السيناريوهات المستقبلية، مثل:

سيناريو الاستقرار الإقليمي والنمو الاقتصادي

سيناريو استمرار التحديات الحالية

سيناريو التصعيد الإقليمي والضغوط الاقتصادية

إعداد هذه السيناريوهات يسمح للدولة بأن تكون مستعدة لمختلف الاحتمالات بدلاً من أن تتفاجأ بها.

 

ثامناً: قياس الأداء الاستراتيجي

الاستراتيجية التي لا يمكن قياسها تتحول إلى شعارات.

لذلك ينبغي إنشاء لوحة قيادة وطنية للأداء الاستراتيجي تتضمن مؤشرات مثل:

معدلات النمو والاستثمار

فرص العمل

جاهزية البنية التحتية

مستوى الخدمات الحكومية

مؤشرات المرونة الاقتصادية

هذه المؤشرات تسمح بإجراء مراجعات دورية وتصحيح المسار عند الحاجة.

 

الخلاصة

الأردن يمتلك العديد من عناصر القوة: موقع استراتيجي مهم، مؤسسات دولة مستقرة، ورؤية إصلاحية واضحة. لكن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة التحديات اليومية إلى بناء نموذج وطني متكامل للتفكير الاستراتيجي.

هذا النموذج يجب أن يقوم على خمسة أسس رئيسية:

وضوح المصالح الوطنية

إدارة المخاطر بوعي منهجي

تكامل السياسات الاقتصادية والأمنية

التخطيط بالسيناريوهات

الانضباط في التنفيذ والمتابعة وإشراك المجتمع

فالدول لا تتقدم فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تمتلكه من وضوح في الرؤية، وانضباط في التنفيذ، وقدرة على إشراك المجتمع في صناعة المستقبل.