الذكاء الاصطناعي في الحروب: القوة والسرعة وخطر الأخطاء القاتلة
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
لطالما ارتبطت الحروب بالتطور التكنولوجي. فقد غيّر البارود
طبيعة الحروب في العصور الوسطى، وغيّرت الطائرات مسار المعارك في القرن العشرين،
بينما أعادت الأسلحة النووية تشكيل مفهوم الردع الاستراتيجي. واليوم يشهد العالم
تحوّلاً جديداً لا يقل عمقاً: إدخال الذكاء الاصطناعي في التخطيط العسكري وإدارة
العمليات القتالية.
فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة جديدة في ترسانة الجيوش، بل
يمثل تحولاً بنيوياً في كيفية التخطيط للحروب وإدارتها وتنفيذها. ومع ذلك، فإن هذه
القوة التكنولوجية الهائلة تحمل في طياتها مخاطر جدية، أبرزها الأخطاء التي قد
تؤدي إلى خسائر بشرية كارثية.
من الحروب الميكانيكية إلى الحروب الخوارزمية
اعتمدت الحروب التقليدية على حجم الجيوش والقدرة الصناعية
والأسلحة الميكانيكية. ثم جاءت الثورة الرقمية لتدعم ما عُرف بـ الحرب الشبكية
التي تعتمد على سرعة الاتصالات وتبادل المعلومات.
أما اليوم، فإن الذكاء الاصطناعي يقود العالم نحو مرحلة جديدة
يمكن تسميتها الحرب الخوارزمية.
في هذه المرحلة، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات
هائلة من البيانات العسكرية، مثل:
• صور الأقمار الصناعية
• بيانات الطائرات المسيّرة
(الدرون)
• الاتصالات المعترضة
• إشارات الرادار
• المعلومات المتاحة من
المصادر المفتوحة
تستطيع هذه الأنظمة تحليل البيانات واكتشاف الأنماط وتحديد
الأهداف المحتملة بسرعة تفوق قدرة البشر بكثير. وقد ساهم ذلك في تقليص الزمن بين
اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة العسكرية، وهو ما يُعرف عسكرياً بـ "سلسلة القتل”.
الأسلحة الذاتية والتحول في طبيعة ساحة المعركة
أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي إثارة للجدل هو تطوير
الأسلحة ذاتية التشغيل.
وتشمل هذه الأنظمة:
• الطائرات المسيّرة ذاتية
التوجيه
• أنظمة الصواريخ الموجهة
بالذكاء الاصطناعي
• منصات المراقبة
والاستهداف الآلية
• أسراب الطائرات المسيّرة
التي تعمل بتنسيق خوارزمي
توفر هذه الأنظمة سرعة عالية ودقة في العمليات العسكرية. غير
أنها تخلق أيضاً واقعاً جديداً في ساحة المعركة، حيث أصبحت الآلات تؤثر بشكل
متزايد في قرارات الاستهداف والضربات العسكرية.
وحتى عندما يبقى الإنسان في دائرة القرار، فإن السرعة الكبيرة
التي تعمل بها الأنظمة الذكية قد تدفع القادة العسكريين إلى اتخاذ قرارات سريعة
دون تدقيق كافٍ في المعلومات.
عندما تخطئ أنظمة الذكاء الاصطناعي
رغم الحديث عن "الحروب الدقيقة”، فإن الواقع يظهر أن الذكاء
الاصطناعي قد يساهم في وقوع أخطاء مأساوية.
ومن الأمثلة المؤلمة على ذلك الضربة التي استهدفت مدرسة
للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران في أواخر شباط 2026، حيث قُتل عدد كبير من
المدنيين، وكان معظم الضحايا من الأطفال.
وأظهرت التقارير الأولية أن المدرسة كانت تقع بالقرب من منشأة
عسكرية سابقة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وهو ما قد يكون سبباً في تصنيف
الموقع كهدف عسكري محتمل.
ومن بين العوامل التي قد تكون ساهمت في هذه المأساة:
1. الاعتماد على معلومات
استخبارية قديمة أو غير دقيقة حول طبيعة الموقع.
2. تحليل خوارزمي يربط
الموقع ببنية عسكرية قريبة دون التحقق من الاستخدام المدني الحالي للمبنى.
3. تسارع عملية اتخاذ القرار
نتيجة اعتماد الأنظمة العسكرية على التحليل السريع للذكاء الاصطناعي.
ورغم أن التحقيقات ما تزال جارية، فإن هذه الحادثة تبرز حقيقة
مهمة: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرّع الأخطاء بنفس السرعة التي يسرّع بها
العمليات العسكرية.
مخاطر الاعتماد المفرط على الأتمتة
هناك عدة مخاطر مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات
العسكرية، من أهمها:
1. أخطاء البيانات
تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على البيانات التاريخية. وإذا
كانت هذه البيانات غير دقيقة أو قديمة، فقد يؤدي ذلك إلى تصنيف أهداف مدنية على
أنها أهداف عسكرية.
2. الانحياز الخوارزمي
الذكاء الاصطناعي قادر على اكتشاف الأنماط، لكنه لا يمتلك
فهماً إنسانياً للسياق. فقد يبقى موقع ما مصنفاً كهدف عسكري رغم تحوله إلى منشأة
مدنية.
3. التحيز للأتمتة
قد يميل بعض القادة أو المشغلين إلى الثقة الزائدة في توصيات
الأنظمة الذكية، وهو ما يُعرف بـ التحيز للأتمتة.
4. ضغط الزمن في اتخاذ
القرار
يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع دورة القرار العسكري، لكن
ذلك قد يقلل من الوقت المتاح للتحقق والتقييم الدقيق.
الذكاء الاصطناعي وحرب المعلومات
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على ساحة المعركة التقليدية،
بل يمتد إلى المجال الإعلامي والمعلوماتي.
فقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج:
• فيديوهات مفبركة
• صور مزيفة عالية الدقة
• محتوى دعائي آلي الانتشار
عبر وسائل التواصل الاجتماعي
وخلال بعض النزاعات الأخيرة، تم تداول مقاطع فيديو على
الإنترنت تبيّن لاحقاً أنها مقاطع من ألعاب إلكترونية أو صور مولدة بالذكاء
الاصطناعي.
وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية في الحرب على الوعي
والإدراك العام.
اختراق الأنظمة الوطنية ومخاطر كاميرات المراقبة
من التحديات الجديدة التي ظهرت مع تطور الذكاء الاصطناعي
إمكانية اختراق الأنظمة الوطنية للمراقبة والتحكم، مثل شبكات كاميرات المراقبة (CCTV) المنتشرة في المدن
والمنشآت الحيوية.
فهذه الأنظمة أُنشئت أساساً لأغراض الأمن الداخلي وإدارة
المرور وحماية المنشآت. لكن في زمن الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، يمكن أن
تتحول هذه الشبكات نفسها إلى مصدر معلومات ثمين للعدو إذا تم اختراقها.
فعند اختراق شبكات كاميرات المراقبة الوطنية، يمكن للجهة
المعادية أن تحصل على:
• صور مباشرة لحركة القوات
والمركبات
• معلومات عن حركة السكان
والتجمعات
• بيانات حول المنشآت
الحيوية والبنية التحتية
• أنماط الحركة اليومية في
المدن
وعندما يتم دمج هذه البيانات مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، يصبح
بالإمكان تحليلها بسرعة كبيرة واستخلاص معلومات استخبارية دقيقة قد تُستخدم في
التخطيط للعمليات العسكرية أو التخريبية.
وبذلك قد تتحول أنظمة الأمن المدني نفسها إلى هدف استراتيجي
للعدو في الحروب الحديثة.
مبدأ سون تزو: ضرب العدو في أضعف نقاطه
من المبادئ الكلاسيكية في الفكر العسكري ما قاله القائد
الصيني القديم سون تزو في كتابه الشهير فن الحرب، حيث أكد أن القائد الحكيم لا
يهاجم حيث يكون العدو قوياً، بل يضربه في أضعف جبهاته وأكثرها هشاشة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد نقاط الضعف تقتصر على الجبهات
العسكرية التقليدية. فقد أصبحت البنية التحتية الرقمية، وشبكات المعلومات،
والأنظمة السيبرانية من أبرز نقاط الضعف التي يمكن استهدافها.
فعندما يتم اختراق شبكات الاتصالات أو أنظمة المراقبة أو
قواعد البيانات الوطنية، فإن العدو يستطيع الحصول على معلومات استراتيجية دون
الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وبهذا المعنى، فإن الحرب الحديثة قد تتحقق عبر ضرب نقاط الضعف
الرقمية للدولة قبل أن تبدأ المعركة العسكرية التقليدية.
ماذا يعني ذلك للدول الصغيرة؟
بالنسبة للدول الصغيرة أو المتوسطة مثل الأردن، فإن ظهور
الحروب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد.
فمن ناحية، يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الدول ذات الموارد
المحدودة على تعزيز قدراتها في مجالات مثل:
• المراقبة والاستطلاع
• الدفاع السيبراني
• الإنذار المبكر
• استخدام الطائرات
المسيّرة
لكن من ناحية أخرى، فإن الفجوة التكنولوجية قد تتسع بين الدول
المتقدمة والدول التي لا تستثمر في هذه المجالات.
ولذلك، فإن الاستعداد الوطني ينبغي أن يشمل:
• رفع مستوى المعرفة
بالذكاء الاصطناعي في المؤسسات الأمنية والدفاعية
• الاستثمار في البنية
التحتية الرقمية والأمن السيبراني
• تطوير الشراكات
التكنولوجية مع الدول المتقدمة
• إدخال إدارة مخاطر الذكاء
الاصطناعي ضمن منظومة الأمن الوطني
الخلاصة
إن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل طبيعة الحروب الحديثة بطريقة
قد تضاهي تأثير ظهور الطائرات أو الأسلحة النووية في تاريخ الصراعات.
فهو يوفر سرعة في تحليل المعلومات ودقة أكبر في الاستهداف
وكفاءة أعلى في العمليات العسكرية.
لكن هذه القوة التكنولوجية تحمل أيضاً مخاطر حقيقية.
فالمأساة التي شهدتها مدرسة البنات في ميناب تذكّرنا بأن
التكنولوجيا لا تلغي الكلفة الإنسانية للحرب. وعندما تتسارع القرارات العسكرية
بفعل الخوارزميات، فإن الأخطاء قد تحدث بسرعة الآلة نفسها.
كما أن اختراق الأنظمة الوطنية مثل شبكات كاميرات المراقبة،
إذا اقترن بقدرات الذكاء الاصطناعي، قد يوفر للعدو معلومات استخبارية حاسمة تجعل
من البنية التحتية الرقمية هدفاً مباشراً في الحروب الحديثة.
وفي ضوء مبدأ سون تزو القائل بضرب العدو في أضعف نقاطه، فإن
حماية الأنظمة الرقمية والبنية المعلوماتية أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من الأمن
الوطني للدول.

























