نهاية وشيكة للعدوان الصهيوأميركي
د.
عبدالله الطوالبة
تخبط
ترامب فاقع الوضوح، وبات بحثهُ عن مخرج مؤكدًا.
بدأ
مغامرة العدوان على ايران بوهم الحسم السريع وتكرار ما فعل في فنزويلا، لكن سُرعان
ما تأكد خطأ حساباته. ذهبت به غطرسة القوة إلى حد التعبير عن رغبته في اختيار
المرشد، لكنه أخفق في مسعاه. أعلن رفضه وصول مجتبي خامنئي للموقع الأول في هرم
السلطة في ايران، لكن ما حصل هو العكس تمامًا. توقع حصول انتفاضة كبرى داخل ايران
تطيح بالنظام بُعيد العدوان، لكنه أخطأ التقدير. فكَّرَ باستخدام الورقة الكردية،
لكن التوفيقَ جانبه. وأخيرًا، بدأ يجنح تصريحًا وتلميحًا إلى انهاء حربه
العدوانية. على عهدة صحيفة وول ستريت جورنال، أخذ كبار مستشاريه في الآونة الآخيرة
يدفعون بهذا الاتجاه ولو بالإدعاء أن أهداف الحرب قد تحققت. وفي آخر تصريحاته قبل
نشر هذا المقال، أكد لفوكس نيوز استعداده للتحدث إلى ايران.
العدوان
الصهيوأميركي، تحول من حرب خاطفة إلى مأزق في مفترق طرق. إما أن تستفيق إدارة
البرتقالي من أوهامها وتجنح إلى إيجاد مخرج، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف قد لا
تنتهي بما يسر واشنطن والقَزَم الصهيوني.
أثبتت
تجارب الدول الكبرى، الولايات المتحدة خاصة، أقله منذ منتصف القرن الفارط أن
امتلاكها التفوق العسكري لا يفرض بالضرورة إنهاء الحروب بشروطها السياسية.
لا ريب
أن أميركا تتوفر على قوة عسكرية هائلة، لكن القوة لا تصنع الاستراتيجية وحدها.
القوة لها حدود دائمًا، ولا تعمل في فراغ. فهناك عوامل فاعلة، تتأثر بها أكثر مما
تؤثر فيها. يُضاف إلى ذلك عنصر آخر في غاية الأهمية يتعلق بصمود الخصم متوسط
القوة، بحيث يصل خصمه القوي إلى قناعة بأن تكلفة اخضاعه تتجاوز احتماله.
وليس
يفوتنا التذكير بعوامل عدة تضغط على أعصاب واشنطن، أولها أن عدوانها يفتقر إلى
رواية متماسكة تقدمها لشعبها لا سيما وأن المعارضة الداخلية لمغامرة البرتقالي في
تزايد.
وهناك دول كبرى منافسة،
ترى في العدوان فرصة لاستنزاف أميركا اقتصاديًّا وسياسيًّا دون تدخل مباشر. فقد
أكدت صحيفة وول ستريت جورنال، المعروفة بمصادرها المطلعة ودقة ما تنشر أن روسيا
تزود إيران بمعلومات عن مواقع القوات الأميركية في المنطقة. ويعضد ذلك دقة الصواريخ
الإيرانية في اصابة أهدافها، ومنها منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الأميركية
المعروفة بإسم "ثاد". كما أن أضرارًا كبيرة لحقت بالقواعد العسكرية
الأميركية، أخرجت بعضها من الخدمة. وقد وجه مندوب الوول ستريت جورنال سؤالًا
مباشرًا إلى ترامب بهذا الخصوص، وكان رد البرتقالي سخيفًا غريبًا إلى حد أن
الذاكرة ترفض الاحتفاظ به.
في
السياق ذاته، ذكرت شبكة سي. إن. إن الأميركية أن الصين بصدد تزويد ايران بمكونات
تصنيع الصواريخ وقطع الغيار. ولوحظ استخدام ايران صواريخ حديثة ذات قدرات تفجيرية
عالية، تخفق دفاعات الكيان الشاذ اللقيط في اعتراضها. وتستخدم ايران أيضًا زوارق
انتحارية توجه عن بُعد، لاستهداف ناقلات النفط.
الدول
تحركها مصالحها، ونعتقد أن روسيا والصين ليسا بمنأى عن لعبة الأمم الجارية في
المنطقة بعد العدوان الصهيوأميركي. روسيا يصعب أن تقبل وجود أميركا المباشر، على
مقربة دانية من حدودها الجنوبية. وبالقدر ذاته، ليس في صالح التنين الصيني سيطرة
أميركا على النفط الايراني بالإضافة إلى النفط العربي ونفط فنزويلا. كما أن ايران
عضو في منظمة بريكس، وجزء استراتيجي ومحوري من مشروع طريق الحرير الصيني، كونها
بحكم الجغرافيا بوابة تربط منطقتنا بآسيا الوسطى وأوروبا.
في
المجمل، يُستبعد اتخاذ موسكو وبكين موقف المتفرج إزاء حرب يُنظر إليها ضمن مخاضات
ولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
والثابت
حتى اللحظة، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقوم بدور الوساطة النشطة برضى
الأميركيين والايرانيين لوقف الحرب.
على
سيرة النفط المومأ إليه قبل قليل يفرض نفسه التساؤل، هل تتحمل واشنطن اضطرابات
اقتصادية قد تنجم عن اغلاق مضيق هرمز مثلًا، حيث يعبر من هناك 22 مليون برميل نفط
يوميًّا إلى الأسواق العالمية؟!
من
المؤكد أن واشنطن غير محصنة من تداعيات أزمة كهذه، وقد بدأ الأميركيون يشعرون
بارتفاع أسعار البنزين بنسبة 16% مرشحة للزيادة.
أما
حلفاء أميركا الأوروبيون فيكفيهم تعامل البرتقالي معهم باحتقار وتعاليه على
قادتهم المنتخبين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أزمة طاقة يُلقي بهم في أتونها؟!
وتجدر
الاشارة في السياق إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% مرشحة للزيادة
أيضًا، بسبب توقف امدادات الغاز القطري.
دول
الخليج العربي من جهتها، مهما كان منسوب توجسها من سلوك ايران وعدم اطمئنانها
لسياساتها، فإنها حريصة على عدم تحوّلها إلى ساحات مواجهات مفتوحة. ويقلقها أكثر
إطالة أمد العدوان واحتمالات مساره، وأخطرها تحوله إلى حرب استنزاف يصعب التكهن
بموعد نهايتها. هذا النوع من الحرب يبدو الأنسب لايران، في حال استمرار العدوان.
فمن الواضح أن الايرانيين يتجنبون مواجهة تقليدية مع قوة بحجم أميركا، إذ يناسبهم
إطالة أمدها ورفع التكلفة على المعتدين تدريجيًّا. ففي حروب الاستنزاف، يضحك
أخيرًا الأقدر على التحمُّل وليس من يضرب بقوة.
ويضغط
على أعصاب واشنطن بشكل خاص اخفاقها المدوي في تحقيق هدفها الرئيس من العدوان، وهو
اسقاط النظام الإيراني. وهي لا ريب تعلم أن بقاء النظام، يعني أنه سيعيد بناء ما
دمره العدوان من قدراته العسكرية ربما بأسرع مما يُعتقد بالنظر إلى امكانات ايران
الضخمة ومساحتها الشاسعة. وماذا عن النفقات اليومية الباهظة للعدوان وتقدر بملياري
دولار، وهي أكثر ما يقلق تاجر العقارات الجالس في البيت الأبيض؟!
الحروب
بقدر ما يفترض أن يكون لها أهداف محددة، هي اختبار للإرادة السياسية سواء كانت بين
خصوم أقوياء أو بين قوي ومتوسط القوة. والذي نراه من مجريات العدوان وصمود
الايرانيين ومواصلتهم اطلاق الصواريخ بكثافة، أن الأمر المقلق للمعتدي
الصهيوأميركي بات يتعلق بقدرته على فرض صياغة نهاية سياسية لعدوانه قبل أن يجد نفسه
في حرب استنزاف مفتوحة.
وكان
لافتًا اعلان الكيان الشاذ اللقيط أخيرًا، أنه لا يستبعد اعلان ترامب وقف الحرب في
أية لحظة. وهذا هو الاحتمال الراجح، ما لم يحدث تطور مفاجيء يخلط الأوراق.
بحصول
ذلك سيتوقف العدوان، لأن الكيان القزم ليس بمقدوره مواصلته من دون أميركا.
سيتوقف
العدوان وليس الحرب، لأن منطقتنا لن تعرف الاستقرار والهدوء ولن تسلك طريق التطور
الطبيعي ما دام القزم الصهيوني مزروعًا في فلسطين























