إيران والخليج... خيارات صعبة
معين الطاهر
تدرك إيران أن ثمّة خللاً في ميزان القوى بينها وبين عدوها الإسرائيلي
– الأميركي، ناجماً من القوة الغاشمة التي يمتلكها العدو، ويسخّرها لضرب قدرات
طهران العسكرية، وبنيتها التحتية، بطائراته وصواريخه التي تنطلق من أساطيله
وقواعده على بُعد آلاف الأميال لحملها على الاستسلام أو لتهيئة الأرضية المناسبة
لمرحلة لاحقة في هذه الحرب التي بدأت باغتيال المرشد، علي خامنئي، وقيادات من الصف
الأوّل في النظام، قبل أن تتّجه نحو تدمير قدرات إيران الصاروخية والنووية،
وصناعاتها الدفاعية. وتداخلت الأهداف بين إسقاط النظام واستسلامه وتغييره إلى
إضعافه والتدخّل في اختيار قيادته، وتهيئة الظرف المناسب لظهور حركات احتجاج
وتمرّد داخلية، وتدمير البنية التحتية إلى السيطرة على اقتصادها.
وراوحت الخيارات العسكرية
بين استمرار الضربات الجوية والتبشير بضربات أقوى، والادعاء بتدمير الأهداف كلّها،
ومن التلويح بقرب انتهاء الحرب إلى التهديد بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية
بالقوة واحتلال جزيرة خارج، منفذ إيران الرئيس لتصدير نفطها، أو إرسال قوّات خاصّة
للاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب. لكن ما يمكن أن يجمع بين هذا
الخليط كلّه هدف مركزي أصبح واضحاً، السعي إلى تغيير النظام الإيراني، وإن كان هذا
الهدف ما يزال يعاني ارتباكاً شديداً في سُبل إنجازه، ومتى ينتقل من مرحلة القصف
المركّز إلى مراحل أخرى، مثل فتح طرق الملاحة، ومرافقة السفن بقطع حربية، أو
الانتقال إلى أنماطٍ من الحرب البرّية، وتحديد المدى الزمني اللازم لإنهاء الحرب.
والحرب، بهدفها هذا، تختلف عن حرب الاثني عشر يوماً التي هدفت إلى
تدمير المفاعلات النووية، وخطف فيها دونالد ترامب ثمرة النصر من نتنياهو، وكانت
بمنزلة اختبار وتدريب مهّد لهذه الحرب الحاسمة التي تَحدّد هدفها النهائي من غير
أن تتضح سُبل تحقيقه ومداه الزمني.
تدرك إيران عدم تكافؤ ردّها
الصاروخي مع حجم الضربات الإسرائيلية والأميركية، وعجزها عن ضرب القوات الأميركية
في قواعدها البعيدة، نظراً إلى سمات المرحلة الحالية من الحرب التي تتميّز
باستخدام فائض القوة، وعن بُعد، وبغير تماسٍّ مباشرٍ بين الطرفَين. وتتصرّف مع هذه
الحرب باعتبارها حرب وجود، إمّا أن تخرج منها منتصرةً وإمّا مهزومة، ومعيار ذلك لا
يتعلّق بمدى خسائرها في الأسلحة والمعدّات والبنية الاقتصادية والتحتية، وعدد
القتلى والجرحى في صفوف الشعب الإيراني، بل في بقاء النظام ورموزه وأيديولوجيته
وعقيدته أو زواله. وهي تدرك أن أيّ تنازل تُقدم عليه يمسّ بشرعية وجودها، ويفتح
الباب على مصراعيه لمتغيّرات كبرى تطيحها. في حين أن أيّ وقفٍ للعمليات العسكرية،
في ظلّ بقاء النظام، مهما أعقبه من حصار أو عقوبات أو جولات صراع جديدة، يعني
خروجه منتصراً في هذه الجولة.
تبقى الخيارات الإيرانية
محدودةً، في ظلّ التدمير الممنهج الذي تتعرّض له، واستمرار وتيرة الحرب. وبعضها قد
ينعكس عليها سلباً، ويؤدّي إلى تشكيل جبهات ومحاور جديدة ضدّها. لا تملك إيران إلا
الصبر والصمود، والمحافظة على وحدة الجبهة الداخلية وتماسكها، والاقتصاد في القوى،
لتتمكّن من خوض حرب قد تطول. وهي تدرك أن نتائج هذه الحرب ستنعكس على الإقليم
بأسره ودورها فيه، وستعيد ترتيب الأوراق والتحالفات بين بلدانه وفي داخلها، لذا
تتلخّص استراتيجيتها، إضافة إلى الصبر والصمود، والحفاظ على تماسك جبهتها
الداخلية، ووحدة تيارات النظام وأجنحته... في رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة
وإسرائيل، وتوفير أدوات ضغط إقليمية ودولية للتأثير في الإدارة الاميركية لوقف
الحرب.
أكّد المرشد الجديد، مجتبى
خامنئي، استراتيجية بلاده في مواجهة العدوان الأميركي - الإسرائيلي، وهي
استراتيجية كان قد بُدئ بها قبل إعلان المرشد منذ بداية الحرب، وهذا يدلّ على أنها
كانت محدّدة مسبقاً، ونُفّذ الجزء الأكبر منها بمفاجأة للخصم، سواء في عدم وقوع
انشقاقات من داخل تيارات النظام، أو تمرّد من خارجه، كما هو الحال في إقحام دول
الخليج في الحرب الدائرة، وهو ما اعترف ترامب بأنه فوجئ به، كما اعترفت إسرائيل
بعدم توقّعها دخول حزب الله في المعركة.
أخطأ المراقبون والسياسيون
في تقدير موقف حزب الله من دخول المعركة، إذ تجاهلوا أنها معركة وجود بالنسبة
إليه، كما هي بالنسبة إلى إيران. وأن مستقبله ومصيره، وحتى دوره السياسي في بنية
النظام اللبناني، وداخل الطائفة الشيعية في لبنان، يتوقّفان على نتيجة هذه الحرب.
وهو أمر قد يطول شرحه، ويحتاج إلى تفصيل لاحق. إلا أن اللافت كان في حجم مشاركته،
والتنسيق العملياتي الواسع مع القوات الإيرانية في توجيه الضربات وتوزيعها. ومع
استمرار القتال، سيتحمّل الحزب الدور الرئيس في مشاغلة الجيش الإسرائيلي، وهذا ما
سيتيح المجال لإيران لتوجيه قدراتها إلى جبهات أخرى، كما ستزداد فاعلية قوى أخرى
حليفة لإيران في العراق واليمن، وخلايا نائمة في الخارج قد تستهدف مصالح أميركية
وإسرائيلية، كما أشار المرشد في حديثه عن المناطق الرخوة، وعن إقفال مضائق أخرى،
إذ تمتدّ إعاقة الملاحة في الممرّات المائية إلى باب المندب وبحر العرب.
اعترف
المرشد في إطار تبريره استهداف دول الخليج العربي بأن القواعد الأميركية في بعض
دول الخليج قد شاركت في الاعتداء على إيران، وهو ما يتوافق مع تصريحات مسؤولين في
بعض هذه الدول بأنهم طلبوا من الولايات المتحدة عدم استخدام أراضيهم أو مجالهم
الجوي في الحرب الدائرة، وأكّدوا تمسّكهم بعلاقات حسن الجوار، ودعوا إلى وقف الحرب
والعودة إلى المسار الدبلوماسي، إلا أن هذا لم يحل دون استهدافها بالصواريخ
والمسيّرات الإيرانية، ذلك أن جوهر الاستراتيجية الإيرانية في هذه الحرب يتمثّل في
رفع كلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها، وحمل الدول الأخرى على الضغط على
الولايات المتحدة لوقفها.
تُنتج دول الخليج 17% من
إجمالي النفط العالمي، وتصل احتياطاتها إلى 32.6% من الاحتياط العالمي. كما تُنتج
13.1% من الغاز في العالم، في حين تبلغ احتياطات الغاز فيها 21.4% من الاحتياط
العالمي. ويقدّر الخبراء أن استمرار ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات،
على المدى الطويل، سيؤدّي إلى زيادة التضخّم العالمي بنسبة 14%، إذ تزداد نسبة
التضخّم طرداً مع زيادة سعر النفط والغاز. لذا، تنظر القيادة الإيرانية، كما عبّر
عنها خطاب المرشد، إلى أن استهداف دول الخليج، والتحكّم في مضيق هرمز وإمدادات
الطاقة المتجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية سيُسهم في ضغط هذه الدول على
الولايات المتحدة لوقف الحرب. كما سيحول دون تصعيد الغارات الأميركية، وضربها
للبنية التحتية الإيرانية، حتى لا تذهب الحرب في المنطقة إلى مديات أبعد. ولكن هذا
الخيار، في حال استمرار الحرب، قد ينذر باتساعها، وبتشكيل ائتلاف دولي في مواجهة
ايران بذريعة وقف الضربات على دول الخليج وفتح الممرّات المائية وإنهاء تحكّم
إيران في تدفق الطاقة وإنتاجها.
التهديدات الأميركية بفتح
مضيق هرمز بالقوة العسكرية مسألةٌ غير متاحة، ما لم يرافق الهجمات الجوية تدخّل
قوات برّية للسيطرة بعمق كافٍ على مدخل المضيق وأجزاء من الساحل الإيراني، ما يعني
امتداد الحرب شهوراً، من دون التحكّم في نتائجها. وما لم تتصاعد الضغوط داخل
الولايات المتحدة، ويؤدّي المجتمع الدولي دوره في وقف المغامرة الأميركية - الإسرائيلية،
فإن الاحتمالات كلّها في ظلّ التشدد الإيراني والهوس الأميركي- الإسرائيلي تبقى
مفتوحةً على مصراعيها، ليس فقط في اتجاه تغيير خريطة الإقليم، كما يودّ بنيامين
نتنياهو، وإنما في اتجاه تغيير خريطة العالم ونظامه ومستقبله.
*العربي
الجديد
























