الحرب على إيران ونهاية قوة الردع الأحادي في المنطقة
احمد عوض
لم تعد الحرب الأميركية
الإسرائيلية على إيران تُفهم فقط باعتبارها مواجهة عسكرية مفتوحة، بل أصبحت
اختبارا سياسيا وإستراتيجيا لفكرة الردع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة.
فالمشكلة الأساسية اليوم لا
تتعلق فقط بحجم الضربات المتبادلة، بل بأن إيران نجحت حتى الآن في منع خصومها من
تحويل تفوقهم العسكري إلى حسم سياسي سريع. وهذا ما يفسر القلق المتزايد في واشنطن
وتل أبيب وبعض العواصم الأوروبية، لأن استمرار الحرب من دون إضعاف إيران بشكل واضح
يعني أن صورة الردع التي حكمت الإقليم طوال عقود لم تعد كما كانت.
والمؤشر
الأوضح على ذلك أن الولايات المتحدة، لم تتمكن من الحسم العسكري في حربها المشتركة
مع «إسرائيل»، بعدما خرجت مسارات الحرب عن السيطرة الكاملة. هذا السلوك يكشف أن
واشنطن تخشى احتمالين في الوقت نفسه: أن تبدو عاجزة عن حماية صورتها كقوة مهيمنة،
أو أن تنزلق إلى حرب إقليمية واسعة ترفع الكلفة العسكرية والاقتصادية وتضرب أسواق
الطاقة والملاحة الدولية. وهنا لا يصبح الردع أداة لفرض الإرادة، بل يتحول إلى عبء
تخشى واشنطن تآكله.
أما
«إسرائيل»، فهي تهدف من وراء الحرب لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط،
وليس مجرد جولة عقابية ضد إيران. فهي تريد تكريس معادلة تقول إنها ما تزال قادرة
على الضرب والوصول وفرض كلفة عالية على خصومها، بما في ذلك السعي إلى إسقاط النظام
في إيران. لكن هذا الهدف يصطدم بواقع مختلف، إذ إن استمرار القصف الصاروخي
الإيراني المؤلم يأتي بشكل معاكس لذلك. فالردع لا يُقاس فقط بالقدرة على التدمير،
بل أيضا بالقدرة على منع الخصم من مواصلة الرد.
في
المقابل، تبدو أهداف إيران أكثر وضوحا. فهي لا تريد فقط امتصاص الضربة، بل تسعى
إلى رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل أي محاولة لكسرها أو عزلها مكلفة جدا. ومن خلال
هذا النهج، تريد طهران فرض حقيقة سياسية واستراتيجية قبل أن تكون عسكرية، وهي أنه
لا يمكن بناء ترتيبات إقليمية جديدة من دون الاعتراف بمصالحها وقدرتها على التأثير.
وهذا
يعني أن الحرب تحولت إلى صراع على معنى الردع ومضمونه، هل يبقى حكرا على الولايات
المتحدة و»إسرائيل» وحلفائهما، أم يتحول إلى توازن متبادل يفرض حدودا على الجميع؟
وأهمية
هذا التحول لا تقتصر على الجانب العسكري. اقتصاديا، تواصل الحرب تغذية القلق في
أسواق الطاقة والممرات البحرية، مع ما يرافق ذلك من تداعيات واسعة. وسياسيا، تكشف
حدود القدرة الأميركية على التأثير، وتمنح في الوقت نفسه الصين وروسيا مساحة أوسع
لمتابعة تراجع الهيمنة الغربية والاستفادة من إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
لذلك، لم تعد هذه الحرب مجرد أزمة في الشرق الأوسط، بل أصبحت لحظة تكشف تحولا أوسع
في النظام العالمي.
والموقف
الأوضح هنا أن أخطر ما تواجهه الولايات المتحدة وإسرائيل ليس الصواريخ وحدها، بل
ترسخ انطباع دولي جديد بأن الردع الأميركي الإسرائيلي، والغربي بصورة نسبية، لم
يعد مطلقا، وأن ميزان القوة أصبح أكثر توازنا مما كان عليه. وهذه نتيجة لا تتوقف
عند حدود ساحة الحرب، لأنها تمس صورة النفوذ والقدرة على فرض الشروط في مناطق أخرى
من العالم.
وفي
المحصلة، لا تكمن الأولوية في إطالة الحرب أو الاكتفاء بإدارتها، بل في الدفع نحو
نهاية سياسية تعترف بالتحولات الجارية في بنية القوة الإقليمية والدولية. وما
تكشفه هذه الحرب هو أن المنطقة، ومعها النظام الدولي الأوسع، تتجه نحو إعادة توزيع
أكثر تعقيدا للقوة، يفرض تسويات تقوم على المصالح المتبادلة والاعتراف بموازين
فعلية جديدة، لا على إرادة أحادية لم تعد قادرة على فرض نفسها بالسهولة التي عرفها
العالم في العقود الماضية.
نقلا عن جريدة الغد

























