الحرب الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومآلاتها
جمال الخطيب
باحث مركز البديل للدراسات والأبحاث
• لم تعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران ،مجرد صراع حول البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، بل تحولت إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الإقليم سياسياً وأمنياً واقتصادياً.
• عملت ايران على نقل المعركة من جغرافيتها الوطنية إلى ساحات إقليمية متعددة، هذا الانتشار العابر للحدود لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية، كما أن بناء شبكة حلفاء في عدد من الدول العربية منحها عمقاً إستراتيجياً يتجاوز حدودها الوطنية، وهذا ما أدى إلى اشتعال جبهات تمتد من شرق المتوسط إلى باب المندب.
• تمتلك إيران ورقة ضغط إضافية تمثلت في قدرتها على تحويل الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب، إلى أوراق مساومة سياسية، الى جانب التهديد في مجال الطاقة، لذلك فما تمارسه يدخل في إطار ما يعرف في أدبيات السياسة الدولية بـ"دبلوماسية حافة الهاوية"، حيث يستخدم التهديد بعرقلة تدفقات الطاقة العالمية كورقة تفاوضية، ولهذا لا تستند قوتها في جوهرها إلى تفوق عسكري تقليدي بالمعنى الكلاسيكي، بل إلى طبيعتها كفاعل غير تقليدي داخل نظام دولي تقليدي.
• تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى بما يتعارض مع المصالح الأمريكية ،والهدف الأمريكي لا يقتصر على كبح البرنامج النووي، بل يشمل منع تشكل محور إقليمي قادر على تقويض النفوذ الأمريكي في الخليج والشرق الأوسط.
• ان الوجود العسكري الأمريكي في الخليج والمنطقة عموماً يعكس هذه المقاربة. ففي البحرين مقر قيادة الأسطول الأمريكي الذي يشرف على الخليج والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي. وفي قطر تقع قاعدة العديد الجوية، التي تمثل المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية وتضم آلاف الجنود، وكذلك في مناطق أخرى، وهذا الانتشار يعكس إدراكاً لأهمية الإقليم، ويؤكد أن المواجهة مع إيران جزء من إستراتيجية أوسع لضبط المجال الحيوي للولايات المتحدة.
اقتصاديا :
هناك منافسين وخصوم أولهم الصين، فالإقليم يمثل أحد أهم الأسواق الاقتصادية الاستهلاكية العالمية، وموقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين الشرق والغرب،إلى جانب الثروات الطبيعية الضخمة والمتنوعة ، لاسيما النفط والغاز التي تمنحه أهمية إستراتيجية مضاعفة وكذلك الممرات المائية ، والتي تعتبر الشريان الأساسي للتجارة الدولية ، لذلك السيطرة تعني التحكم في إمدادات الطاقة وأسعارها، وفي طرق التجارة البحرية والبرية ، فالحرب ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة على الاقتصاد العالمي ومفاصل العولمة.
النظام العربي :
• في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، لم يعد الأمن القومي العربي مفهوماً مستقراً، بل أصبح رهينة مباشرة لنتائج الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.
• إذا ما أُخضعت إيران أو فُككت شبكاتها الإقليمية، ستتحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة بلا منازع، ما يفضي إلى اختلال حاد في ميزان القوى ويضع المجال العربي في حالة انكشاف استراتيجي غير مسبوق.
• المشكلة لا تكمن فقط في صعود قوة إقليمية على حساب أخرى، بل في هشاشة النظام العربي ذاته، فغياب رؤية أمن جماعي موحد، وتراجع مفهوم الردع العربي المشترك، جعلا كل دولة تتحرك وفق حساباتها الضيقة، ما عمق التشرذم وفتح الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة.
• يقف الأمن القومي العربي بين مسارين، مسار التآكل التدريجي تحت وطأة الهيمنة وإعادة الهندسة الخارجية، ومسار إعادة التشكل عبر وعي استراتيجي جديد يدرك أن غياب التوازنات الإقليمية لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة من الإملاءات الدائمة.
• الرهان الحقيقي يكمن في قدرة العرب على الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، ومن التكيف مع نتائج الصراع إلى التأثير في معادلاته.
مستقبل الحرب :
• يتوقف مستقبل الحرب إلى حد بعيد على معادلة داخلية مزدوجة، قدرة إيران على الصمود الاستراتيجي من جهة، وحدود تحمل الشارع الإسرائيلي للكلفة البشرية والمادية من جهة أخرى، والتداعيات الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة، وأزمة الطاقة العالمي.
• لا تتعامل إيران مع الحرب بوصفها معركة خاطفة، بل كصراع طويل الأمد يدار بمنطق الاستنزاف وتآكل الإرادة المعادية، لذلك، فإن قدرتها على امتصاص الضربات، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، وإبقاء مؤسسات الدولة متماسكة، تشكل عناصر حاسمة في تحديد مسار المواجهة، فأي خلل داخلي واسع النطاق قد يغير الحسابات، لكن في المقابل فإن تماسك الداخل يمنح طهران هامشاً زمنياً أوسع للمناورة.
• يقف الشارع الإسرائيلي أمام اختبار غير مسبوق.فهو، رغم طابعه التعبوي والأمني، يبقى ذا حساسية عالية تجاه الخسائر البشرية والاضطرابات الاقتصادية طويلة الأمد، إذا تحولت الحرب إلى استنزاف ممتد، مع تهديد متواصل للجبهة الداخلية وتعطيل للمجال الاقتصادي، فإن الكلفة السياسية قد تبدأ بالتراكم، عندها قد تتحول الكلفة البشرية إلى ضغط مباشر على صناع القرار، سواء عبر الانتخابات أو عبر الاحتجاجات والتظاهرات والانقسامات الداخلية.
خلاصة :
• التوقع الأكثر تأثيراً ليس بالضرورة الحرب الشاملة قصيرة الأمد، بل الحرب الرمادية الطويلة التي تبقي الجبهات مفتوحة دون حسم، في مثل هذا السياق، تصبح معادلة الزمن حاسمة، كلما طال أمد المواجهة، ارتفعت احتمالات التحول في المواقف السياسية داخل إسرائيل، كما ازدادت الضغوط الدولية على واشنطن لإعادة ضبط الإيقاع، في المقابل، فإن قدرة إيران على المحافظة على توازن داخلي، ومنع تحول الضغط الداخلي إلى اضطراب سياسي واسع، ستحدد مدى قدرتها على فرض معادلة ردع جديدة.
• إن مستقبل الحرب، إذاً، لا يتقرر فقط في ساحات القتال، بل في عمق المجتمعات المعنية، فتماسك الداخل الإيراني مقابل حدود التحمل الإسرائيلي سيصوغ المآلات النهائية للصراع، ويحدد ما إذا كانت المواجهة ستفضي إلى إعادة توازن إقليمي، أم إلى تصعيد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في تاريخ المنطقة.























