الناقل الوطني للمياه إدارة الندرة لضمان الإستدامة
د. محمد الدباس
حين طالعت الأرقام المؤملة والكلف المترتبة على تنفيذ هذا المشروع
السّيادي الهام، مع الأخذ بعين الإعتبار لحجم التحدي المائي (المزمن) الذي يواجهه
الأردن، إتضح لي أن مشروع الناقل الوطني للمياه لا يمكن قراءته كخيار تنموي
تقليدي، بل كضرورة إستراتيجية تفرضها معادلة الندرة والطلب المتزايد، فهو يستهدف
تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه البحر في العقبة، ونقلها إلى عمّان
عبر خط أنابيب يمتد لمسافة تزيد عن 400 كيلومتراً، ليغطي حوالي 40% من إحتياجات
مياه الشرب عدا عن 200 مليون متر مكعب سنوياً ستذهب من "المعالجة" إلى
القطاع الزراعي مع بدء التشغيل المتوقع عام 2030.
غير أن الأرقام حين تُقرأ على مستوى الفرد، تكشف بعداً أكثر
دقة. فإذا إفترضنا أن عدد سكان المملكة حوالي 11 مليون نسمة، فإن حصة الفرد من هذا
المشروع لن تتجاوز 27.3 متر مكعب سنوياً، أي ما يعادل حوالي 75 لتراً يومياً. وهي
كمية تقع ضمن الحد الأدنى للإستخدامات الأساسية، ما يعني أن المشروع يعالج (فجوة)
قائمة، ولا يؤسس (لوفرة) مائية مريحة.
أما من حيث الكلفة، فيبلغ سعر المتر المكعب حوالي 2.7 دولار،
مما يضع الكلفة السنوية لحصة الفرد عند حدود 74 دولاراً، أو ما يقارب 0.20 دولار
يومياً. وعلى الرغم من أن هذا الرقم يبدو محدوداً على مستوى الفرد، إلا أن دلالاته
على مستوى (الإقتصاد الكلي) تبدو كبيرة، خاصة إذا ما أُخذنا بعين الاعتبار الكلفة
الإجمالية للمشروع التي تصل إلى نحو 5.8 مليار دولار.
الحكومة ستتحمل 722 مليون دولار من هذه الكلفة، في أكبر مساهمة
مباشرة لمشروع رأسمالي. حيث يكتسب هذا المشروع أهمية إضافية من خلال اعتماده على
الطاقة المتجددة بقدرة تصل إلى 300 ميجاوات، تغطي نحو 30% من احتياجاته
الكهربائية، ما يعزز كفاءته التشغيلية ويخفف من كلفه المستقبلية.
تمويلياً، يستند المشروع إلى شراكة واسعة تضم عدة جهات دولية،
تقدم (منحاً) تقارب 663 مليون دولار، إضافة إلى مشاركة تحالفات للبنوك الأردنية،
ودخول صندوق إستثمار أموال الضمان الاجتماعي كشريك فاعل في هذا المشروع.
خلاصة القول، إن قراءة الأرقام بواقعية تكشف أن المشروع ليس
مشروع رفاه مائي، بل مشروع (تثبيت حد الأمان). فحصة الفرد البالغة 75 لتراً يومياً
بكلفة تقارب 20 سنتاً يومياً، تعكس معادلة دقيقة بين الضرورة والكلفة. ومن هنا فإن
الناقل الوطني للمياه يمثل إستثماراً (سيادياً) في إدارة (الندرة) وضمان استدامة
التزويد المائي، بما يعزز (إستقرار) الأردن الإقتصادي والإجتماعي والطاقوي والبيئي
على حدّ سواء.























