القدس بعد 59 عامًا على النكسة: بين تهويد الأقصى وإعادة تشكيل الديموغرافيا
بعد 59 عامًا على النكسة، يزدحم المشهد في القدس بتفاصيل مخطّطات
التهويد التي يعمل الاحتلال على تنفيذها لاستكمال بسط سيطرته على الشطر الشرقي من
المدينة وتغيير هويتها العربية والإسلامية وتكريسها عاصمة أبدية له. وترزح القدس
اليوم تحت وطأة الاحتلال وسياساته التهويدية، وأدواته في ذلك مصادرة الأراضي،
والاستيطان، والاعتداء على المقدّسات، وتضييق الخناق على المقدسيين، وهدم منازلهم
وتهجيرهم من أرضهم.
الأقصى وصراع السيادة
يشكل الأقصى - بما هو القلب الديني
والتاريخي للقدس - واجهة الحرب الإسرائيلية على المقدسات في القدس وفلسطين
عمومًا، فإحكام السيطرة عليه يعني أنّ كل ما سواه قابل للاحتلال والتهويد.
وقد شهدت العقود الماضية اعتداءات
متصاعدة من الاحتلال على المسجد الأقصى، ترافقت مع فرض قيود على المصلين
وتزايد اقتحامات المستوطنين
لساحاته، بما يشكل اعتداء متماديًا على
الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى.
ووفق معطيات وثقها تقرير حال القدس
السنوي 2025 الصادر عن مؤسسة القدس الدولية، اقتحم الأقصى في عام 2025 نحو 65,364 مستوطنًا، في مقابل نحو 53,605 مقتحمين في
عام 2024، ما يعني ارتفاعًا بنسبة 22%.
وتعمل "منظمات المعبد"
على رفع أعداد المستوطنين المشاركين في اقتحام الأقصى لتعزيز
الوجود اليهودي في الأقصى، ويدعم مساعيها حاخامات وسياسيون إسرائيليون، يدعمون
بدورهم مشاريع لفرض تقسيم الأقصى مكانيًا وزمانيًا وفرض السيادة الإسرائيلية على
المسجد.
وفي مقابل المساعي إلى تعزيز الوجود
اليهودي في الأقصى يعمل الاحتلال على تحجيم الوجود الإسلامي واستنزافه، وكثّف من
محاولاته في هذا الإطار بدءًا من عام 2015 مع تصعيد استهداف المرابطين والمرابطات
وإصدار قرار باعتبارهما تنظيمين محظورين، ومن ثمّ حظر الحركة الإسلامية الجناح الشمالي لما لها من دور في
رفد الرباط في الأقصى.
واليوم، يتعاظم التغوّل الإسرائيلي
على الدور الأردني في الأقصى مع مساعٍ إلى إنهائه عبر الاستهداف المتكرر للأوقاف
ومنعها من ممارسة دورها وصلاحياتها، بل واعتقال موظفي الأوقاف وحراس المسجد
وإبعادهم عن مكان عملهم.
ووفق تصريحات صحفية لمسؤول
بالأوقاف، بلغ عدد المبعدين من موظفي دائرة
الأوقاف عن المسجد الأقصى نحو 57 موظفا من بينهم 34 حارسًا، فيما تتراوح مدة
الإبعاد بين 4 و6 أشهر.
ووفق المسؤول نفسه، فإنّ 15 من
الموظفين المبعدين انتهت فترة إبعادهم، لكن سلطات الاحتلال منعتهم من دخول الأقصى
والعودة لعملهم بذريعة أنهم خطر على الجمهور.
التغيير الديموغرافي عبر التوسع
الاستيطاني والهدم
يعمل الاحتلال على تهويد القدس على
المستوى الديموغرافي عبر مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وبناء أحياء
استيطانية جديدة، إلى جانب فرض قيود على البناء للمقدسيين الذين يعانون تحديات
متزايدة تتعلق بهدم المنازل.
ويشير تقرير حال القدس السنوي إلى
أنّ "اللجنة اللوائيّة للتنظيم والبناء" التابعة لبلدية الاحتلال في
القدس درست العام الماضي 66 مخططًا هيكليًا لأغراض التوسع الاستيطاني في مستوطنات
المدينة المحتلة، وصادقت على 32 مخططًا، وقدمت للإيداع 34 مخططًا آخر، وتضمنت هذه
المخططات بناء 7193 وحدة استيطانية على مساحة نحو 1657 دونمًا.
وكشفت منظمة "بمكوم"
الإسرائيلية في تقرير صدر الشهر الماضي، أن سلطات التخطيط الإسرائيلية صادقت عام
2025 على بناء نحو 600 وحدة سكنية فقط للفلسطينيين في المدينة، مقابل قرابة 9 آلاف
وحدة سكنية استيطانية صودق عليها لمصلحة اليهود.
ويعني ذلك أن حصّة المقدسيين من
الوحدات السكنية التي تمت المصادقة عليها العام الماضي لم تتجاوز 7%، رغم أنهم
يشكلون نحو 40%، كما أنهم لا يستفيدون اليوم إلا من نحو 26% فقط من مجمل الوحدات
السكنية القائمة في المدينة.
ومؤخرًا، أعلنت سلطات الاحتلال عن
قرار للسيطرة على 50 عقارًا في باب السلسلة في القدس القديمة، كما أعلن وزير المال
في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموترتيش عن قرار بالتهجير الفوري لتجمع الخان الأحمر البدوي، المرتبط
بمخطط E1 الاستيطاني، ما يؤكد إصرار الاحتلال على تهويد القدس من مركزها إلى
محيطها وإثقالها بالاستيطان والمستوطنين.
وفي مقابل التمدد الاستيطاني، يتبع
الاحتلال سياسة هدم منازل المقدسيين،
فوفق بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، هدم
الاحتلال في الفترة بين 2009/1/1 و2026/6/3 ما مجموعه 2391 منشأة في شرق القدس،
نتج عنها تهجير أكثر من 5000 مقدسي، وتضرر 62,250 آخرين.
وتهدف هذه السياسات إلى إحداث
تغييرات ديموغرافية تعزز الوجود الاستيطاني في القدس على حساب أهلها المقدسيين،
وتحقيق ميزان ديموغرافي تكون الأغلبية فيه للمستوطنين.
























