بين حرية التعبير ومسؤولية النشر: كيف يتجنب الصحفيون الوقوع في القذف والتشهير؟
لا أرغب في الخوض في
الأسباب التي دفعتني إلى تدوين هذه الملاحظات القانونية، غير أن واجبي المهني
والأخلاقي كصحفي يفرض عليّ المساهمة في توعية زملاء المهنة، وكذلك المدونين وناشري
المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، بالحدود القانونية التي تحكم النشر، حتى لا يقعوا
في مستنقع القذف والتشهير وما يترتب عليه من مسؤوليات قانونية ومهنية وأخلاقية.
لقد أسهمت التجربة
القانونية البريطانية، التي استلهمت منها العديد من الدول تشريعاتها الإعلامية، في
ترسيخ مبدأ مهم مفاده أن حرية التعبير وحرية الصحافة ليستا حقين مطلقين، بل تقابلهما
مسؤولية قانونية تفرض احترام سمعة الأفراد وحقوقهم.
ومع انتشار وسائل
التواصل الاجتماعي، لم يعد خطر القذف والتشهير مقتصراً على الصحفيين والمؤسسات
الإعلامية. فكل شخص ينشر معلومة أو اتهاماً أو تعليقاً على شبكة الإنترنت قد يجد
نفسه مسؤولاً أمام القانون إذا أدى ما نشره إلى الإضرار بسمعة شخص آخر دون سند
كافٍ من الوقائع والأدلة.
وتشير الأدلة التحريرية
المعتمدة لدى هيئة الإذاعة البريطانية(BBC) خلال تجربتي هناك وفي
الجامعة إلى أن أي شخص أو شركة يمكنه إقامة دعوى تشهير إذا كان من الممكن التعرف
عليه بصورة معقولة من خلال المادة المنشورة، وإذا كانت تلك المادة من شأنها أن
تخفض مكانته أو سمعته في نظر أفراد المجتمع العقلاء. ولهذا السبب تُعد قضايا
التشهير من أكبر المخاطر القانونية التي تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفيين. كما
تؤكد هذه الأدلة أهمية التحقق من المعلومات والاحتفاظ بالأدلة التي تدعم أي ادعاء
يتم نشره.
متى يكون الشخص مقصوداً بالمادة المنشورة؟
من أكثر المفاهيم
القانونية أهمية في قضايا التشهير مسألة "التعريف بالشخص” أو Identifiability.
فليس من الضروري أن
يُذكر اسم الشخص صراحة حتى يثبت أنه المقصود بالمادة المنشورة. يكفي أحياناً أن
يتمكن عدد معقول من الناس من التعرف عليه من خلال أوصاف أو صور أو إشارات أو
معلومات وظيفية أو اجتماعية واردة في المادة.
فعلى سبيل المثال، إذا
نُشر خبر يتحدث عن "رئيس جمعية خيرية في مدينة صغيرة اختلس أموال التبرعات”، وكان
هناك شخص واحد فقط يشغل ذلك المنصب في تلك المدينة، فقد يكون من السهل على الجمهور
التعرف عليه حتى لو لم يُذكر اسمه.
وفي مثل هذه الحالات
يستطيع المتضرر إثبات أنه المقصود بالنشر من خلال:
·
إظهار أن الأشخاص الذين قرأوا أو شاهدوا المادة
عرفوا أنه المقصود بها.
·
تقديم الرسائل أو التعليقات أو الشهادات التي
تربط بينه وبين ما نُشر.
·
إثبات أن الأوصاف الواردة لا تنطبق إلا عليه أو
على دائرة ضيقة جداً من الأشخاص.
·
إثبات الضرر الذي لحق بسمعته أو عمله أو علاقاته
الاجتماعية نتيجة النشر.
·
ما الذي يجعل العبارة تشهيرية؟
لا توجد قائمة سحرية من
الكلمات المحظورة قانونياً، لأن المحاكم تنظر إلى المعنى والسياق الكاملين. ومع
ذلك، فإن وصف شخص ــ من دون أدلة كافية ــ بأنه: "لص، محتال، فاسد، مرتشٍ، مزور،
مجرم. مختلس، متورط في غسل الأموال، متحرش، إرهابي أو داعم للإرهاب” قد يشكل
أساساً لدعوى تشهير إذا كان من شأن هذا الوصف الإضرار بسمعته لدى الجمهور.
كما أن إعادة نشر
الاتهامات الصادرة عن الآخرين لا تعفي الناشر من المسؤولية تلقائياً، فالمسؤولية
قد تطال كل من شارك في تداول المحتوى المسيء.
ماذا يحدث إذا ثبت التشهير؟
في الأنظمة القانونية
الحديثة، ومنها النظام البريطاني، قد يترتب على ثبوت التشهير:
·
إلزام الناشر بالتعويض عن الأضرار.
·
نشر اعتذار أو تصحيح.
·
إزالة المحتوى المسيء.
·
تحمل التكاليف القانونية للدعوى.
·
صدور أوامر قضائية تمنع استمرار النشر أو إعادة
نشر المادة محل النزاع.
·
الحماية الحقيقية للصحفي والمدون.
أفضل وسيلة لحماية
الصحفي أو المدون أو ناشر المحتوى ليست في تجنب القضايا بعد وقوعها، بل في
الالتزام بقواعد العمل المهني قبل النشر، وأهمها:
·
التحقق من الوقائع من أكثر من مصدر.
·
الاحتفاظ بالأدلة والوثائق.
·
منح الطرف المعني فرصة عادلة للرد.
·
التمييز الواضح بين الوقائع والآراء.
·
تجنب الجزم بارتكاب الجرائم قبل صدور أحكام
قضائية نهائية.
·
عدم الانجرار وراء الشائعات أو الحملات
الإلكترونية.
هناك من يكرر نشر مادة
إعلامية تتضمن عبارات التشهير سواء بنقلها من وسيلة إعلام أخرى ونشرها أو بثها في
وسيلته الإعلامية وبذلك يقع في نفس الخطأ الذي وقع به الأول ويعتبر أمام القضاء
مماثل الناشر الأول.
بقي شيء أخير… بعض
الصحفيين قد ينشروا صورة شخص آخر غير الشخص المعني مرفقة في خبر او أي مادة صحفية
مما يعرضهم لمحاكمات جزائية أمام القضاء.
إن حرية التعبير تظل من
أعظم المكاسب الديمقراطية، لكنها تزداد قوة عندما تُمارس بمسؤولية. فالصحافة
الجادة والإعلام المهني لا يقومان على إطلاق الاتهامات، بل على البحث عن الحقيقة
وتقديمها للجمهور مدعومة بالأدلة والوقائع، مع احترام كرامة الأفراد وحقوقهم
القانونية. لذلك يتعين إدراج هذه التفاصيل في المسابقات الدراسية الخاصة بالدراسات
العليا للصحافة والإعلام، ولنقابات الصحفيين دور فاعل في هذا المجال قد أعرض له في
مقال آخر.
·
كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد
من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن
ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين
الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف
القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا
وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام
الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في
فلسطين.
























