الإعلاميات العربيات في مرمى النيران: شجاعة المهنة وثمن الحقيقة
كتب جودت مناع
برز دور الإعلاميات
العربيات بصورة لافتة خلال الحرب التي شنتها إسرائيل على فلسطين المحتلة
وامتداداتها في الشرق الأوسط، حيث لم يقتصر حضورهن على نقل الخبر، بل تعداه إلى
توثيق معاناة الإنسان والدمار في قلب الحدث. غير أن هذا الدور المهني حمل معه
ثمناً باهظاً، تمثل في سقوط عدد من الصحفيات ضحايا أثناء أداء واجبهن.
ووفقاً لإحصاءات صادرة
عن لجنة حماية الصحفيين، فإن عام 2025 شهد ارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الصحفيين
القتلى، حيث شكلت الهجمات المرتبطة بالقصف الإسرائيلي نسبة كبيرة من الضحايا،
خصوصاً في فلسطين ومناطق النزاع المجاورة. وتؤكد تقارير دولية أخرى أن الصحفيين
العاملين في مناطق الصراع باتوا من أكثر الفئات عرضة للخطر، مع تزايد استهدافهم
بشكل مباشر أو غير مباشر.
وتظل حادثة اغتيال
مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة عام 2022 واحدة من أبرز الجرائم التي هزت
الوسط الإعلامي الدولي، بعدما استُهدفت خلال تغطيتها لعملية عسكرية إسرائيلية في
مخيم جنين شمال الضفة الغربية. وقد أثارت الحادثة إدانات واسعة من مؤسسات إعلامية
وحقوقية حول العالم، مطالبة بتحقيق دولي مستقل.
وفي سياق متصل، لم
تتوقف المخاطر عند الأراضي الفلسطينية، إذ طالت الاعتداءات صحفيات في دول مجاورة.
ففي جنوب لبنان، أدى قصف إسرائيلي استهدف منزلاً في بلدة الطيرة التابعة
لبنت جبيل إلى مقتل الصحفية آمال خليل وإصابة المصورة زينب فرج، في حادثة تعكس
اتساع رقعة الاستهداف وخطورته على العاملين في الميدان.
وتشير التفاصيل إلى أن
الصحفيتين كانتا في مهمة تغطية ميدانية، واضطرتا للاحتماء داخل مبنى بعد غارة
أولى، قبل أن يُستهدف المكان نفسه مجدداً، ما أدى إلى استشهاد خليل وإصابة فرج تحت
الأنقاض
كما سقطت أسماء أخرى في
سجل الضحايا، من بينهن هبة فؤاد العبادلة، مريم أبو دقة، دينا عبدالله الطنيجي
ووفاء العديني، ومعظمهن من قطاع غزة، حيث تشهد المنطقة واحدة من أعقد الأزمات
الإنسانية والإعلامية في العصر الحديث.
**جذور التحدي: الإعلام تحت القيود**
لم يكن طريق الإعلاميات
الفلسطينيات مفروشاً بالورود منذ البداية، فقد واجه التعليم الإعلامي في فلسطين
تحديات كبيرة خلال سنوات الاحتلال، إذ فُرضت قيود على تدريس تخصصات الإعلام في
الجامعات الفلسطينية حتى توقيع اتفاق أوسلو عام 1993. ومع ذلك، ساهمت مبادرات
محلية وعربية في سد هذا الفراغ، من خلال تنظيم دورات تدريبية في القدس وجامعة
جامعة بيرزيت، ما أسهم في إعداد كوادر إعلامية قادرة على نقل الرواية الفلسطينية
إلى العالم.
**ريادة نسائية مبكرة**
تُعد ريموندا الطويل من
أبرز الرائدات في الإعلام الفلسطيني، حيث أسست المكتب الفلسطيني للخدمات الصحفية
في القدس، وأسهمت في ربط الصحافة المحلية بوسائل الإعلام الدولية عبر نشرات
باللغتين العربية والإنجليزية. ورغم الضغوط الإسرائيلية، التي شملت الاعتقال
وإغلاق مكتبها، واصلت الطويل نشاطها الإعلامي، بل وحولت منزلها في رام الله إلى
صالون سياسي جمع الصحفيين والمثقفين.
**دور عربي داعم**
في عمّان، برزت جهود
الإعلامية محاسن الإمام التي أسست مركز الإعلاميات العربيات، والذي لعب دوراً
محورياً في تدريب الإعلاميات العربيات وتطوير مهاراتهن. وقد نظم المركز مؤتمرات
وورش عمل ناقشت تحديات الإعلام في عصر الرقمنة، وأسهم في تمكين المرأة العربية في
هذا القطاع الحيوي.
**حضور متصاعد رغم المخاطر**
ورغم التحديات الجسيمة،
تشهد كليات الإعلام في العالم العربي إقبالاً متزايداً من الطالبات، في مؤشر على
تنامي حضور المرأة في المشهد الإعلامي. وتؤكد هذه الظاهرة أن الإعلاميات العربيات
لم يعدن مجرد ناقلات للخبر، بل أصبحن صانعات للرواية وشريكات أساسيات في تشكيل
الوعي العام.
في المحصلة، تكشف هذه
المسيرة عن معادلة صعبة: شغف بالحقيقة يقابله خطر دائم. ومع ذلك، تستمر الإعلاميات
العربيات في أداء رسالتهن، مؤكدات أن الكلمة الحرة قد تكون أحياناً أغلى من الحياة
نفسها.
#صورة الصحفيتات شيرين ابو عاقلة وآمال خليل اضافة الى صورتي الصحفية ريموندا الطويل والإعلامية محاسن الإمام

























