الوفاء خُلق الكبار.. حين تعانق الذاكرة جيلين من العطاء
كتب د. أحمد زياد أبو غنيمة:
في هذه الصورة التي
أوقفت عقارب الزمن في العام ٢٠١٩، تتجلى معاني الوفاء في أبهى وأصدق صورها؛ لحظةٌ
تختزل تاريخاً ممتداً، وتعكس عمق الانتماء لتراب هذا الوطن وتاريخه.
يقف في هذا المشهد قامة
أكاديمية من قامات صروحنا العلمية الشامخة، رئيس جامعة اليرموك آنذاك، الأستاذ
الدكتور زيدان كفافي، مسلّماً درع التكريم والوفاء لشقيقي وقرة عيني، المهندس
الزراعي محمود أبو غنيمة -رحمه الله-، الذي وقف شامخاً ليتسلّم هذا التكريم نيابةً
عن والدنا، الكاتب وشيخ المؤرخين الراحل زياد أبو غنيمة -طيب الله ثراه-.
إنها ليست مجرد صورة
عابرة في أرشيف الأيام، بل هي لوحة وجدانية جمعت بين "حارس الذاكرة"
الغائب الحاضر، وبين الابن البار الذي حمل أمانة أبيه بفخر واعتزاز، ودوّن بيده
عبارة "الوفاء خلق الكبار"، قبل أن يترجل هو الآخر ليلحق بركب من سبقوه،
تاركين لنا إرثاً ثقيلاً من المحبة، وعزة النفس، والذكرى التي لا تغيب.
****
"إربدي يتذكر".. موسوعة العشق لعروس الشمال...
لم يأتِ هذا التكريم من
فراغ، بل كان استحقاقاً وطنياً لجهدٍ مضنٍ، وعشقٍ أصيل سُكب مداداً في صفحات
الكتاب الموسوعي "إربدي يتذكر"
.
لم يكن هذا السِفر
الخالد مجرد سرد لأحداث ماضية، بل كان نبضاً حياً لمدينة، وتوثيقاً أميناً لذاكرة
إربد وأهلها ورجالاتها.
لقد غاص الوالد -رحمه
الله- في أعماق التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لعروس الشمال، مستحضراً
حاراتها العتيقة، وقصص رجالات الرعيل الأول الذين بنوا وأسسوا.
لقد أراد لهذا الكتاب
أن يكون درعاً يحرس هوية المدينة من آفة النسيان، ويضع بين يدي الأجيال المتعاقبة
وثيقة وفاء تؤكد أن جذورنا ضاربة في عمق التاريخ، وأن ماضينا هو بوصلة مستقبلنا.
****
تكريم المبدعين.. نبض
الأمة وحصن هويتها...
إن تكريم المبدعين،
والمؤرخين، وحملة لواء الثقافة ليس ترفاً احتفالياً، بل هو ركيزة أساسية في بناء
وجدان الأمم وصناعة وعيها. فالدول التي تحترم تاريخها، تُجلّ حرّاس ذاكرتها؛ لأن
في تكريمهم إحياءً للقيم الأصيلة، وترسيخاً للهوية الوطنية في وجه رياح التغيير
العاتية.
حين تُبادر المؤسسات
الوطنية الأكاديمية -كجامعة اليرموك- إلى تكريم رموز الفكر والتأريخ، فهي توجه
رسالة بليغة للأجيال القادمة مفادها: أن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد الرجال
المخلصين وأقلامهم الصادقة التي لا تُباع ولا تُشترى، وأن الأمم التي تحفظ تاريخ
مبدعيها هي أممٌ عصية على الاندثار.
رحم الله الوالد
المُعلّم، ورحم الله شقيقي الحبيب محمود، وحفظ أردننا منبتاً للأوفياء، وقبلةً
للمبدعين، ووطناً لا ينسى كباره.
























