شريط الأخبار
القاضي: السلام والاستقرار لا يتحققان دون إقامة الدولة الفلسطينية خطر الانكماش الاقتصادي في الصين: لماذا يهم قطاع العقارات والاستراتيجية الخارجية وتايوان؟ الأردن يدين الاعتداءات الايرانية على الامارات بعد تصعيد عسكري محدود.. روبيو: ننتظر رد إيران على مقترح لإنهاء الحرب فيديوهات فتنة ضد ناديين رياضيين.. والأمن يتحرك اختتام أعمال المؤتمر الدولي الرابع لجمعية أطباء الصدر الأردنية في البحر الميت د. الطراونة: فيروس هانتا يتنقل بالتنفس ومعروف منذ عقود و لا خطر من جائحة عالمية انعقاد الملتقى الرابع لمتقاعدي كتيبة عمرو بن العاص الآلية/38 أجواء دافئة في أغلب المناطق حتى الاثنين اشتباك وتصعيد بين القوات الامريكية والايرانية في الخليج.. وامتداده لقصف الامارات واشنطن تطالب تركيا منع انطلاق سفن لكسر الحصار على غزة العالم قلق من تجربة شبيهة بـ"كورونا": تسجيل أول إصابة بفيروس هانتا في تل أبيب “هآرتس”: ترامب يدفع الثمن كاملاً على قرار سيئ لأول مرة في حياته الحكومة وكتلة "الأمة" النيابية تبحثان تعديلات قانون الادارة المحلية الجيش يحبط 536 محاولة تسلل وتهريب .. ويضبط 18 مليون حبة مخدرة في 2025 الوحدة ( 8200) الصهيونية .. وأمتنا العربية ست حقائق تحجبها الأحاديث المختزلة عن "الوكلاء" والأذرع" ضبط اعتداءت على المياه في مناطق جنوب عمان العالم يحبس انفاسه بانتظار الرد الايراني على مقترح "سلام" ترامب.. تفاؤل امريكي وباكستاني وايراني ما تزال تدرس العيسوي يرعى تكريم الفائزين بجائزة النشامى الرياديين من الوظائف القيادية

وداعاً موسى درويش… معلم الوطن في زمن المخيم

وداعاً موسى درويش… معلم الوطن في زمن المخيم


كتب جودت مناع

في أوج التراجع العربي والفلسطيني، رحل عنا مفكر ومربٍّ وصديق عرفته في أصعب سنوات طفولتي، بعد سنوات قليلة من النكبة الفلسطينية. رحل رجل المواقف الصلبة في زمن البدايات القاسية، وزمن الرجال الذين صنعوا الوعي الوطني بأفعالهم قبل كلماتهم.

 

كان موسى درويش، "أبو خلدون”، مدرسًا في مدرسة مخيم الدهيشة للبنين التابعة لوكالة الغوث الدولية (الأونروا) في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يتولى إدارتها لاحقًا. هناك، في في ملعب المخيم مشينا على حدود خارطة فلسطين وزرنا مدنها، وفي طرق المخيم الضيقة، تعلمنا منه كيف نعشق الوطن، وكيف يمكن للصرامة أن تقترن بالإنسانية، وحفظنا معه نشيد "موطني” الذي كان يردده معنا صباحًا، وكأنه يزرع فلسطين في أرواحنا الصغيرة.

 

كان أبو خلدون من أوائل المنخرطين في الحركة الوطنية الفلسطينية، قبل أن تشتد عودها بعد النكبة، فتقدم الصفوف مع رفاقه في زمن الضياع والفقر والبؤس الذي كان يحيط بالمخيمات الفلسطينية. وقد انعكس انخراطه الوطني المبكر على وعي جيل كامل من طلبته في المرحلة الابتدائية، الذين رأوا فيه نموذجًا للمربي والمناضل في آن واحد.

 

وبفضل مكانته الاجتماعية واحترام الناس له، عُيّن مسؤولًا للعلاقات العامة في جامعة بيت لحم، حيث أسهم في تعزيز العلاقات الإسلامية المسيحية، ثم تولى موقعًا إداريًا في مركز اللقاء للتراث الديني في معهد الطنطور بين بيت لحم والقدس.

 

وفي تلك المرحلة الذهبية من عمله في العلاقات العامة، لم يدخر جهدًا في خدمة طلبة جامعة بيت لحم، والدفاع عنهم خلال اقتحامات جيش الاحتلال الإسرائيلي للحرم الجامعي ومحاصرة الطلبة داخله. كان حاضرًا في الأزمات، قريبًا من الطلبة، منحازًا لهمومهم الوطنية والإنسانية.

 

ومنذ تعييني محاضرًا للصحافة في جامعة بيت لحم، ثم في جامعتي بيرزيت والقدس، كنت ألتقيه يوميًا في مكتبه القريب من بوابة الحرم الجامعي الداخلية؛ مكتب بسيط يطل على ممر عريض عالي السقف، تعبق أروقته بعراقة الجامعة وهمسات الطلبة العابرين.

 

وفي ثلاث محطات لا أنساها، تعلمت منه مجددًا معنى الموقف الوطني وإدارة الأزمات.

 

الأولى، عندما كان من المقرر أن يزور وزير الخارجية البريطاني الراحل روبن كوك جامعة بيت لحم لإلقاء كلمة في المؤتمر الأول لطلبة الإعلام في الجامعات الفلسطينية. لكن جيش الاحتلال افتعل يومها حادثًا قرب مسجد بلال بن رباح عند المدخل الشمالي لبيت لحم، استشهد خلاله شاب فلسطيني، فأعلنت المدينة الإضراب. يومها نصحني أبو خلدون بالمضي في برنامج المؤتمر، مؤكدًا أن الأهمية تكمن في خدمة طلبة الصحافة والإعلام لا في الزيارة الرسمية نفسها، وقد أثبتت الأيام صواب رؤيته بعد نجاح المؤتمر.

 

أما الواقعة الثانية، فكانت حين دعوت المناضل الراحل فيصل الحسيني للتحدث أمام طلبة قسم الصحافة في جامعة بيت لحم، من دون أن أنسق مسبقًا مع أبو خلدون بوصفه مسؤول العلاقات العامة. عاتبني يومها بمحبة وحرص، لأنني لم أتح له ترتيب استقبال يليق بالحسيني ومكانته الوطنية، لكنه، رغم ذلك، شارك بنفسه في استقباله والترحيب به إلى جانب مسؤولي الجامعة.

 

أما الواقعة الثالثة، فسبقت تعييني محاضرًا في الجامعة عام 1986، حين دعاني للمشاركة في لقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في دير الطنطور قرب بيت لحم، بحضور شخصيات فلسطينية وطنية بارزة. وخلال ذلك اللقاء، عبّرت النخبة الفلسطينية عن تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وطالبت كارتر بفتح قنوات اتصال مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، في خطوة شكلت إحدى البدايات المبكرة للحوار الأمريكي مع المنظمة.

 

وعلى امتداد العمر، من طفولتي في المخيم إلى سنوات العمل الأكاديمي والإعلامي، بقيت علاقتي بأبي خلدون راسخة، تجمعها فلسطين وقضايا الأمة العربية. كان قوميًّا عربيًّا أصيلًا، ومعلّمًا وصديقًا وزميلًا في الهيئة التدريسية، ورجلًا آمن بأن التربية فعل مقاومة، وأن الكلمة موقف.

 

هكذا يرحل الشرفاء؛ أولئك الذين يخلصون لطلابهم وأصدقائهم وزملائهم، ويتركون أثرهم في الوجدان قبل الأمكنة. عاش أبو خلدون أبًا وراعيًا لأطفال المخيم والمدينة، وظلت ابتسامته الجادة، ودخان غليونه، جزءًا من ذاكرة كل من عرفه.

 

ومع رحيله، انطفأ الغليون… لكن السيرة بقيت مضيئة.