شريط الأخبار
السعودية تحبط محاولة تهريب مليوني حبة "إمفيتامتين" قادمة من الأردن وفاة شخص بمشاجرة جماعية في اربد الفيصلي بطلًا لكأس السوبر بعد فوزه على الحسين إربد استشهاد ثلاثة مقاومين بقصف شنّته طائرات الاحتلال على جنين الملك يعزي العاهل النرويجي بوفاة الملك هارالد الخامس أمريكا تقترب من السطو عبر صفقة ضخمة على حصص كبيرة بحقول النفط الفنزويلية رئيس أركان جيش الاحتلال يحذر من انفجار الضفة بسبب ارهاب المستوطنين.. لكن نتنياهو يختلق رواية مختلفة من كراهية الأسد إلى التطبيع… هل هذه هي سوريا التي أردتموها؟ بعد اغلاق حمامات عفرا..الحكام الإداريون يأخذون دور وزير السياحة بعد أيام قاسية تمنى اللحاق فيها بابنته.. العمري يرحل ويدفن إلى جوارها الرئيس الفخري لـ"الوحدات" الدميسي لجماهير النادي: لم ولن أنسحب التضخم في الولايات المتحدة يثير قلق الاحتياطي الفيدرالي انخفاض بسيط على حرارة السبت يليه ملموس الأحد وتوقع زخات مطرية مشهد رائع لخسوف القمر من العاصمة عمان فجر الجمعة الجيش: احباط محاولة تهريب مخدرات بواسطة بالون موجه ترامب: مضيق هرمز مفتوح وإيران فقدت أوراق قوتها ولي العهد يصطحب الأميرة إيمان إلى مسجد الملك الحسين تحذير إيراني لواشنطن: سنفعل بكم سابقة تاريخية إذا ارتكبتم شرا الأمن يجدد تحذيره من رسائل وهمية تتعلق بدفع المخالفات المرورية ولي العهد يستقبل أعضاء مجلس شبكة خريجي برنامج خطى الحسين

في أربعين مها أبو خليل… بدء تلاشي الجيل الذي كان يخجل من ادّعاء البطولة

في أربعين مها أبو خليل… بدء تلاشي الجيل الذي كان يخجل من ادّعاء البطولة


 

الدكتور أسعد عبد الرحمن

 

أربعون يوماً مرّت على استشهاد مها أبو خليل…و (56) عاما مضت منذ التقينا في حضرة الغائب/ الحاضر د. وديع حداد.

 

وما زلت أشعر أنني لا أرثي مناضلة فحسب، بل أرثي طبقة كاملة من البشر انقرضت تقريباً.

 

طبقة كانت ترى أن العمل من أجل فلسطين قضية أخلاقية (واجب وطني) قبل أن تكون قضية سياسية، وترى النضال مسؤولية ثقيلة لا فرصةً للظهور، وترى البطولة عبئاً يجب إخفاؤه… لا مهنةً تُستثمر أمام الكاميرات!

 

مها لم تكن ناشطة.

 

هذه الكلمة مهينة في حقها.

 

الناشط يمكنه أن يغلق هاتفه وينام بعد المنشور، أو السير في مظاهرة، أو المشاركة في إضراب!

 

أما مها… فكانت من ذلك الجيل الذي حمل القضية داخل جهازه العصبي نفسه.

 

جيلٌ فلسطيني وعربي خرج من النكبة لا بوصفها حدثاً تاريخياً… بل بوصفها كسراً داخلياً دائماً.

 

ولهذا يصعب فهم مها بعيداً عن زمن التأسيس الأول لـ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

 

ذلك الزمن الذي لم تكن فيه التنظيمات مجرد هياكل سياسية، بل محاولات يائسة لإنقاذ الكرامة العربية بعد أن عجزت الجيوش واهتزت العواصم واحتارت اللغة نفسها تحت وقع الهزيمة.

 

هناك تَشَكَّلت مها.

 

في زمن كان المناضل الحقيقي يختفي أكثر كلما كبر دوره.

 

لا يتضخم. لا يتحول إلى نجم. لا يوزع صورته على الشاشات.

 

كان يفعل ثم يصمت.

 

ولهذا خرج من ذلك الجيل رجال ونساء يشبهون الصخور: قساة على أنفسهم، متحفظين، حذرين من الكلام، وخائفين دائماً من أن تتحول القضية إلى مسرح.

 

ومها كانت واحدة من أكثرهم نقاءً.

 

عرفتُها عميقة إلى حد الإرباك.

 

هادئة بطريقة تثير الشك.

 

كأنها تعيش في داخلها حرباً قديمة انتهت منذ سنوات… لكن دخانها ما زال يتصاعد بصمت.

 

درست الإعلام في براغ في السبعينيات، في ذروة الحرب الباردة، حين كانت براغ ليست مدينة جامعية فقط، بل ملتقى المنفيين والثوار والحالمين بإعادة اختراع العالم.

 

هناك عاشت قرب شخصيات عربية وأممية كبرى، وعرفت دهاليز السياسة والتنظيمات والمنافي والأجهزة والانشقاقات، ورأت مبكراً كيف يمكن للثورة أن تتحول إلى مؤسسة، وللمناضل أن يتحول إلى موظف لدى تاريخه الشخصي.

 

ولهذا كانت تحتقر الادعاء.

 

تعرف الفرق فوراً بين من دفع من عمره… ومن دفع من حنجرته فقط.

 

كانت ترى كثيراً من "المناضلين الجدد" فتبتسم تلك الابتسامة الجنوبية الساخرة، كأنها تقول في سرّها: "لو رأيتم ما رأيناه… لخفّ صوتكم قليلاً".

 

لم تكن تبالغ في الحديث عن نفسها.

 

وهذه وحدها تكفي لتعرف أنك أمام شخصية حقيقية.

 

لأن الذين عاشوا الخطر فعلاً… لا يملكون تلك الشهية المَرَضية للحكي عن بطولاتهم.

 

كانت تعرف الفقيه البصري، وعاشت قرب أسماء وتنظيمات وأسرار لو أرادت لتحولت إلى "أرشيف ثوري متنقل”.

 

لكنها اختارت شيئاً أصعب: أن تبقى إنسانة.

 

لا أيقونة. لا تمثالاً خطابياً. لا أرملةً أبدية لقضية كبرى.

 

ولهذا كانت قريبة من الناس الحقيقيين: الأمهات، المرضى، المحبطين، الفقراء، والمنكسرين الذين لا تلتفت إليهم الشعارات الكبيرة.

 

كانت تحمل داخلها مفارقة نادرة: رقة إنسانية تكاد تكون أمومية… وقسوة مبدئية لا تساوم أبداً.

 

حتى حديثها عن الموت لم يكن عادياً.

 

أتذكر جيداً حين طلبنا منها أن تبتعد عن الجنوب مع اشتداد الحرب.

 

ضحكت.

 

ليس ضحك المستهتر… بل ضحك شخص حسم أمره داخلياً منذ زمن.

 

ثم قالت: "أأحرم نفسي من الشهادة؟"

 

يومها ظننتها جملة عاطفية.

 

لكنني أدرك الآن أنها كانت تتحدث ببرودة يقين.

 

مها لم تكن تحب الموت.

 

كانت فقط ترفض النجاة المذلّة.

 

وهنا الفارق الهائل.

 

كثيرون يظنون البطولة اندفاعاً نحو الموت.

 

الحقيقة أن البطولة الأصعب… هي أن ترفض الهرب حين يصبح الهرب منطقياً ومبرراً ومتاحاً.

 

ثماني حروب مرّت على الجنوب.

 

ثماني مرات كان يمكنها أن تغادر.

 

ثماني مرات كان يمكنها أن تختار الراحة والعمر الهادئ والحياد المتأخر.

 

لكنها بقيت.

 

لا لأن البقاء آمن… بل لأن الرحيل كان سيكسر صورتها أمام نفسها.

 

ولهذا استشهدت كما عاشَت: بهدوء مخيف.

 

قبل دقائق فقط من وقف إطلاق النار.

 

كأن القدر أراد أن يمنح المشهد قسوته الرمزية الكاملة: مناضلة أفلتت من المنافي والاعتقالات والحروب والانهيارات العربية لعقود… ثم سقط السقف فوق رأسها في اللحظة الأخيرة!

 

لكن الفاجعة ليست هن، وإنما في أن موت مها يكشف شيئاً أكثر رعباً:

 

أن هذا الشرق يقتل أفضل من فيه دائماً.

 

كلما ظهر إنسان حقيقي… إما يُدفن، أو يُنفى، أو يُترك وحيداً حتى ينهكه الزمن.

 

بينما، غالبا، يصعد إلى الواجهة أولئك الذين أتقنوا تحويل القضية إلى عرض دائم.

 

ولهذا كانت مها تشعر بالغربة في السنوات الأخيرة.

 

غربة الجيل الذي يرى العالم يتحول إلى شاشة، والقضية إلى محتوى، والنضال إلى أداء صوتي، والبطولة إلى هندسة صورة.

 

جيلها كان مختلفاً.

 

كان يخجل من الادعاء.

 

أما هذا الزمن… فصار الادعاء فيه أهم من الفعل نفسه.

 

ولهذا لم تكن مها مجرد امرأة مناضلة.

 

كانت آخر ما تبقى من الضمير الثقيل لجيل كامل.

 

جيل كان يرى أن فلسطين ليست "تخصصاً سياسياً”… بل امتحاناً أخلاقياً للإنسان.

 

وحين سقط المبنى فوقها، لم يسقط فوق جسد فقط.

 

سقط فوق مرحلة كاملة من التاريخ العربي، كانت ما تزال — رغم كل شيء — تؤمن أن الشرف ليس كلمة قديمة.

 

في أربعين مها أبو خليل

 

لا أشعر أنني أكتب رثاء فرديا بقدر ما أشعر أنني أكتب رثاء لجيل كامل من المناضلين.

 

جيل كان يمشي بصمت، ويحب بصمت، ويقاوم بصمت، ثم يستشهد بصمت أيضاً

 

دون أن يطالب العالم بالتصفيق.