سبعون عامًا من النور
د. هيفاء ابوغزالة
في زمن تتراجع فيه قيم التطوع أمام إيقاع الحياة المتسارع، وتغلب فيه
الحسابات الضيقة على المعاني الإنسانية الكبرى، يبرز اتحاد جمعيات الشابات
المسيحية في الأردن كواحد من النماذج الوطنية المضيئة التي أثبتت أن المؤسسات
الحقيقية لا تُقاس بعمرها الزمني فقط، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس وما
تزرعه من قيم في وجدان الأجيال.
سبعون عامًا مرت على تأسيس هذا الاتحاد
العريق، سبعون عامًا من العمل الصامت الذي لم يبحث يومًا عن الأضواء بقدر ما انشغل
بخدمة الإنسان وتمكين المرأة ودعم الشباب وتعزيز قيم المواطنة والتكافل والتطوع.
سبعون عامًا استطاع خلالها الاتحاد أن يحجز مكانه في ذاكرة الوطن بوصفه مؤسسة
إنسانية واجتماعية وتنموية حملت رسالة نبيلة وجعلت من العمل العام ثقافة ومن
العطاء أسلوب حياة.
الاحتفال باليوبيل السبعين لم يكن
مناسبة احتفالية عابرة، بل كان لحظة وفاء لذاكرة وطنية وإنسانية حافلة بالعطاء.
وكان حضور سمو الأميرة بسمة بنت طلال تجسيدًا لمعنى الرعاية الحقيقية للمبادرات
المجتمعية، فهي على امتداد عقود كانت صوتًا داعمًا للإنسان الأردني، ومدافعة عن
قضايا المرأة والطفل والأسرة والتنمية المستدامة. وقد أضفى حضور سموها على
المناسبة بعدًا وطنيًا وإنسانيًا عميقًا يعكس مكانة الاتحاد ودوره في خدمة المجتمع
الأردني.
وفي قلب هذه المسيرة تقف السيدة هانيا
قاقيش رئيسة الاتحاد وأسرة الاتحاد بكل فروعه، ممن حملوا الأمانة بإخلاص واستمروا
في تطوير الرسالة والحفاظ على جذوة العطاء متقدة. فقد أثبتت قيادة الاتحاد أن
المؤسسات لا تستمر سبعين عامًا بالصدفة، بل بالرؤية الواضحة والإدارة الحكيمة
والإيمان العميق بأن خدمة الإنسان هي أسمى أشكال الاستثمار.
لقد جسد الاتحاد عبر فروعه في عمّان
والفحيص والحصن ومأدبا نموذجًا فريدًا للعمل الأهلي المنظم، فكان حاضرًا في
التعليم والتدريب والتمكين الاقتصادي والمنح الدراسية والعمل التطوعي والمبادرات
الاجتماعية والثقافية، وأسهم في بناء أجيال من النساء والشابات اللواتي أصبحن
فاعلات في مجتمعاتهن وقادرات على صناعة التغيير الإيجابي.
وكانت لحظات التكريم التي شهدها
الاحتفال رسالة وفاء مستحقة لنساء تركن بصمات لا تُمحى في تاريخ الاتحاد، ولشخصيات
آمنت بأن دعم التعليم وتمكين الشباب ليس عملاً خيرياً فحسب، بل استثمار في مستقبل
الوطن. فالأمم التي تكرم روادها هي الأمم القادرة على صناعة المستقبل بثقة ووعي.
ما يميز اتحاد جمعيات الشابات المسيحية
أنه لم يكن يومًا مؤسسة لفئة أو طائفة أو منطقة، بل كان مؤسسة وطنية جامعة، فتحت
أبوابها للجميع، وعملت تحت مظلة القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع الأردنيين على
اختلاف خلفياتهم. ولذلك أصبح نموذجًا حقيقيًا للوحدة الوطنية وللقدرة على تحويل
التنوع إلى مصدر قوة وإبداع.
إن الاحتفال بسبعين عامًا من العطاء ليس
احتفالًا بالماضي فقط، بل هو تجديد للعهد بأن تبقى رسالة الاتحاد حية ومتجددة، وأن
يظل العمل التطوعي ركيزة أساسية في بناء المجتمعات القادرة على مواجهة التحديات
وصناعة الأمل.
تحية تقدير واعتزاز لسمو الأميرة بسمة
بنت طلال على رعايتها ودعمها المتواصل للعمل الإنساني والتنموي، وتحية وفاء للسيدة
هانيا قاقيش ولأسرة الاتحاد كافة، ولجميع النساء والرجال الذين صنعوا هذه المسيرة
المشرقة على امتداد سبعة عقود. لقد أثبتوا أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالحجارة،
بل تُبنى بالإيمان والعطاء والإخلاص، وأن سبعين عامًا من النور قادرة على أن تضىء
لسبعين عامًا أخرى وأكثر.
























