متحف البحرية التركي في بشكتاش.. ذاكرة الإمبراطورية على ضفاف البوسفور
كتب: جودت مناع
لا أعرف إن كان البحر
يحتفظ بذاكرته كما يفعل البشر، لكنني أيقنت، وأنا أعبر بوابة متحف البحرية التركي
في بشكتاش، أن الأمواج لا تنسى. فهي تحمل في أعماقها حكايات السفن التي عبرت،
وأسماء البحارة الذين رحلوا، وهدير المدافع الذي تلاشى في الأفق، ثم عاد صداه
ليستقر بين جدران هذا المتحف المطل على البوسفور.
كان النهار ينساب
هادئاً فوق المياه التي تفصل بين قارتين، فيما كانت العبارات البحرية تواصل
رحلاتها اليومية بين ضفتي إسطنبول. غير أن الزمن داخل المتحف يسير باتجاه مختلف؛
فكل خطوة إلى الداخل كانت تعني خطوة إلى الوراء، نحو قرون كانت فيها البحار خرائط
مفتوحة للقوة والمجد والمغامرة.
في بهو المتحف الواسع،
شعرت أنني لا أدخل مبنى حديثاً بقدر ما أعبر إلى أرشيف حيّ للإمبراطورية
العثمانية. السجاد الداكن، والدرجات العريضة، والتماثيل البرونزية التي تستقبل
الزوار بصمت مهيب، جميعها توحي بأن المكان ليس مجرد قاعات عرض، بل مرسى أخير
لذاكرة بحرية طويلة.
هناك، تقف وجوه القادة
العثمانيين وقد تحولت إلى تماثيل، لكن أعينهم ما زالت معلقة عند الأفق البعيد.
رجال قادوا أساطيلهم عبر المتوسط والبحر الأسود، ورسموا بخطوط السفن حدود النفوذ
العثماني. كانوا يعرفون أن البحر ليس مجرد مساحة زرقاء، بل طريق إلى المجد أو
الهزيمة، وإلى البقاء أو الأفول.
وأمام تمثال خير الدين
بربروس، شعرت أن التاريخ يخرج من الكتب ليقف أمامي. الرجل الذي تحوّل في الذاكرة
التركية إلى أسطورة بحرية لا يزال حضوره طاغياً في المكان. هنا بعض مقتنياته
الشخصية، وهناك أثاث وأدوات أعادت تشكيل تفاصيل حياته اليومية. فجأة بدا القائد
الذي أرعب أساطيل أوروبا إنساناً عادياً أيضاً؛ يجلس، ويكتب، ويأكل، ويحلم، قبل أن
يخرج إلى البحر ليصنع فصلاً جديداً من التاريخ.
في الطوابق العليا تصطف
القوارب السلطانية العثمانية، أو "الكايك"، وكأن أصحابها غادروها قبل
لحظات فقط. أخشابها المصقولة وزخارفها الذهبية تشهد على عصر كانت فيه السلطة تتجلى
حتى في شكل المركب الذي يشق مياه البوسفور. وقفت أمامها طويلاً، متخيلاً السلاطين
والأمراء وهم يعبرون هذا المضيق الذي ظل شاهداً على صعود إمبراطوريات وسقوط أخرى.
أما السفينة التاريخية
"القادِرغة"، فبدت لي كأنها نجت من غرق الزمن نفسه. أخشابها العتيقة
تحمل رائحة الملح والرياح القديمة، وتختزن قصص البحارة الذين شدوا مجاديفهم في
مياه المتوسط قبل مئات السنين. لم تكن مجرد قطعة أثرية، بل كائناً حياً ما زال
يتنفس من خلال ذاكرة الخشب.
وفي زوايا أخرى من
المتحف، تنتشر الخرائط البحرية القديمة، والبوصلات، وأدوات الملاحة، والمدافع،
والأعلام، والوثائق التي اصفرّت أطرافها بفعل الزمن. هنا تدرك أن الحضارات لم تكن
تتوسع بالقوة وحدها، بل بالمعرفة أيضاً؛ بخريطة رسمها بحّار، أو ببوصلة حملها
مستكشف، أو بوثيقة سجلت رحلة إلى أرض مجهولة.
ولعل أكثر ما شدّني في
المتحف ذلك الوفاء الصامت لرجال البحر. صور الشهداء وأسماؤهم معلقة على الجدران،
وكأن المتحف يصر على أن التاريخ لا يُصنع بالقادة وحدهم، بل بالبحارة المجهولين
أيضاً؛ أولئك الذين ابتلعهم البحر وبقيت حكاياتهم عالقة بين أمواجه.
خارج النوافذ الزجاجية
كان البوسفور يلمع تحت شمس إسطنبول، فيما كانت السفن الحديثة تعبر الممر ذاته الذي
عبرته سفن عثمانية قبل مئات السنين. تغيرت المحركات، وتبدلت الأعلام، وتطورت
التكنولوجيا، لكن البحر بقي هو البحر؛ شاهداً لا يشيخ، وحارساً أميناً للذاكرة.
وعندما غادرت المتحف بعد
ساعات من التجوال، لم أشعر أنني خرجت من مبنى يضم مقتنيات تاريخية، بل من رحلة
طويلة عبر الزمن. أدركت أن الأمم لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل في الأماكن
التي تمنح الماضي فرصة للبقاء حياً.
وعلى ضفاف البوسفور، في
بشكتاش، لا يقف متحف البحرية التركي مجرد متحفٍ للسفن والأسلحة والخرائط، بل يقف
شاهداً على علاقة أمة كاملة بالبحر؛ علاقة كتبت فصولها بالمجد والانكسار، بالرياح
والعواصف، وبأحلام البحارة الذين رحلوا وبقيت آثار أقدامهم فوق الماء.
ـــــــــــ
الجمعة ١٧ تموز ٢٠٢٦
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























