الحلقة التاسعة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
التوريث السياسي وإعادة إنتاج النخبة التنفيذية: قراءة تحليلية في التركيب العائلي للحكومات الأردنية في عهد الملك الحسين بن طلال (1953-1999)
:
بقلم: د. أحمد زياد أبو
غنيمة
( أعتذر بداية عن طول الحلقة )
****
مقدمة الحلقة: التوريث
السياسي وإعادة إنتاج النخبة التنفيذية في الأردن
لم تكن عملية بناء
النخبة الوزارية والتنفيذية في الأردن يوماً خاضعة للمصادفة أو المحاباة العابرة،
بل مثّلت على الدوام ركيزة أساسية في بنية الاستقرار السياسي للدولة.
وفي هذه الحلقة، نسلط
الضوء على عهد الملك الحسين بن طلال (1953-1999)، لنقرأ كيف تحولت البيوتات
والعائلات السياسية والعشائرية إلى قنوات أساسية للتجنيد السياسي وبناء الولاء.
من خلال تفكيك أنماط
التوريث بشقيه العمودي (بين الآباء والأبناء لضمان انتقال جينات الولاء والخبرة) ،
والأفقي (بين الأشقاء والأقارب لتحقيق التنوع الوظيفي والسيطرة البيروقراطية) ،
نكتشف كيف أدارت مؤسسة العرش "هندسة سياسية" دقيقة.
هذه الهندسة لم تكتفِ
بتوريث المقاعد، بل عمدت إلى تحديث أدوار العائلات التقليدية، والاقتصادية، والجهوية،
وتطويعها لتتحول إلى مصدّات أزمات وركائز عضوية منحت بنية الدولة الأردنية مناعة
واستقراراً مؤسسياً استثنائياً في وجه كافة التحولات الإقليمية والعاصفة.
****
- الإطار الإحصائي والدلالة السوسيولوجية لـ
"دوران النخبة المغلق":
لم تعتمد مؤسسة العرش
في الأردن خلال عهد الملك الحسين بن طلال في عمليات "التجنيد السياسي"
على المؤسسات الحزبية الجماهيرية، بل اتجهت نحو تفعيل "الروابط القرابية
والعشائرية" كقنوات أساسية لفرز النخب.
وتُثبت التتبعات
الإحصائية التي وثقها المؤرخ زياد أبو غنيمة أن ظاهرة التوريث الوزاري في الأردن
اتخذت شكل "النمط المؤسسي" المستقر؛ حيث رصدت دراساته وجود عشرات
الحالات من التوريث داخل مؤسسة مجلس الوزراء، شملت أبناءً، وأشقاءً، وأبناء عمومة،
وأصهاراً.
في سياق علم الاجتماع
السياسي، يُدلل هذا الاستحواذ العائلي على تبني النظام لآلية "دوران النخبة
المغلق" فمن خلال حصر المناصب السيادية في بيوتات سياسية محددة، سعت الدولة
إلى خلق "نخبة متجانسة" تُعيد إنتاج نفسها أفقياً وعمودياً، مما يضمن
استمرارية الولاء، ويُقلل من مفاجآت التحولات الأيديولوجية التي قد ترافق صعود نخب
جديدة من خارج "النادي التقليدي".
****
• النماذج التطبيقية وأنماط التوريث في النخبة
الأردنية:
تكشف الخرائط التوثيقية
لأبرز العائلات التي احتكرت أو ورثت مقاعد السلطة التنفيذية في عهد الملك الحسين،
عن وجود أنماط هندسية دقيقة راعت التوازنات الديمغرافية، والتاريخية، والمناطقية،
وتوزعت على النحو الآتي:
1. التوريث البيروقراطي وتوريث "الرعيل
الأول" (الآباء والأبناء):
استثمر النظام السياسي
في "الرأسمال الرمزي والسياسي" للعائلات التي رافقت تأسيس الدولة، لضمان
انتقال الخبرة والولاء من جيل إلى جيل:
• عائلة الملقي: تُجسد هذه العائلة إرث البدايات؛
إذ شكل (فوزي الملقي) أول حكومة في عهد الملك الحسين عام 1953، ليورث هذا الرأسمال
السياسي لنجله (د. هاني الملقي) الذي دخل نادي النخبة التنفيذية مبكراً وتدرج في
المناصب الوزارية والدبلوماسية الهامة، مما يؤكد حرص النظام على الاحتفاظ بأبناء
"الرعيل الأول" ضمن دائرة صنع القرار.
• عائلة العجلوني: تُمثل نموذجاً لانتقال
"الشرعية النضالية والعسكرية" إلى السلطة التنفيذية؛ فالبطل القومي
(محمد علي العجلوني) الذي واكب تأسيس الإمارة وكان من أبطال ميسلون، أورث مكانته
السياسية والوطنية لأنجاله (مازن العجلوني) و(عصام العجلوني) ( زهير العجلوني)
اللذين تقلدوا حقائب وزارية في عهد الملك الحسين، في خطوة لدمج الإرث الوطني الصلب
في عجلة الإدارة الحكومية.
• عائلة الطراونة: برزت كنموذج للتوريث السياسي
المتدرج؛ من الأب (أحمد الطراونة) نائب رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي، إلى
نجله (د. فايز الطراونة) الذي تدرج وصولاً إلى رئاسة الحكومة عام 1998.
• عائلة المدادحة: تُمثل نموذجاً لتوريث النخبة
الإدارية والسياسية ذات الجذور العشائرية؛ حيث كان (فلاح المدادحة) من الرعيل الإداري
الأول وتولى مناصب وزارية سيادية (كالداخلية والعدل) في الخمسينيات، ليمتد هذا
الحضور لاحقاً إلى نجله (خالد المدادحة) الذي تقلد حقائب وزارية في عهد الملك
الحسين، مما يعكس استمرارية الثقة الملكية في بيوتات سياسية وإدارية محددة.
• عائلة ارشيدات: وتبرز عائلة ارشيدات كنموذج جليّ
لديناميكية التحول والتوريث الوظيفي بين الأجيال؛ حيث مَثّل الأب (شفيق ارشيدات)
الرعيل الأول من "نخبة التأسيس السياسي" المسيّسة، بانخراطه العميق في
المعارضة الوطنية والعمل القومي كمحامٍ وحزبي بارز شغل مناصب سيادية في حكومات
مفصلية كحكومة سليمان النابلسي (1956)، متمتعاً بحضور طاغٍ في الشارع.
وفي المقابل، تجلى
ميكانيزم "التحديث النخبوي" بوضوح في العشرية الأخيرة من عهد الملك
الحسين، حين استدعى النظام جيل الأبناء ممثلاً بـ (الدكتور صالح ارشيدات) لإكمال
المسيرة النخبوية العائلية بصيغة تتواءم مع متطلبات المرحلة.
فبينما جسّد الأب
النخبة القانونية والسياسية ذات الطابع الراديكالي، جرى إعادة إنتاج العائلة عبر
الابن كنموذج لـ "النخبة التكنوقراطية والبيروقراطية" بصفته مهندساً
متخصصاً، ليتدرج في حقائب وزارية خدمية وتنموية (كالمياه والسياحة) وصولاً إلى
منصب نائب رئيس الوزراء في التسعينيات، مما يعكس قدرة النظام على تطويع الإرث
المعارض وتحويله إلى رصيد إداري وتكنوقراطي صلب.
2. التوريث المزدوج والأفقي (الأشقاء وامتداد
النفوذ البيروقراطي):
لم يقتصر التوريث على
انتقال السلطة عمودياً، بل شمل "التوريث الأفقي" بين الأشقاء لضمان
تمثيل الكتل العشائرية أو إحكام السيطرة على البيروقراطية:
• عائلة الرفاعي: تُعد النموذج الأبرز لـ
"التوريث المزدوج" (العمودي والأفقي). فقد شكّل الجد (سمير الرفاعي)
الحكومات لست مرات، وامتد الإرث أفقياً ليتقلد شقيقه (عبد المنعم الرفاعي) رئاسة
الحكومة في مرحلة مفصلية عام 1969. ولاحقاً، استمر التوريث العمودي حين ورث الابن
(زيد سمير الرفاعي) هذا الثقل وشكل حكوماته في عهد الملك الحسين منذ عام 1973،
مكرساً العائلة كقطب أساسي في النخبة.
• نموذج عائلة التل (التمدد الأفقي والتنوع
الوظيفي): تُمثل عائلة "التل" نموذجاً استثنائياً في دراسة آليات
التوريث الأفقي وامتداد النفوذ البيروقراطي للنخب في الأردن.
فلم يقتصر الحضور
الاستراتيجي لهذه العائلة على الحضور الطاغي لشخصية الشهيد وصفي التل؛ الذي مثّل
رمزاً للمشروع الوطني والسيادة السياسية كرئيس للوزراء في أحلك الظروف التي مرت
بها الدولة، بل اتسع نطاق نفوذها أفقياً ليخترق قطاعات حيوية أخرى في بنية صنع
القرار عبر الأشقاء والأقارب.
ففي حين مثّل وصفي التل
"الجناح السياسي والسيادي"، برز شقيقه الدكتور سعيد التل كقطب تكنوقراطي
وأكاديمي وازن، تولى حقائب وزارية حساسة (كموقع نائب رئيس الوزراء، ووزير التربية
والتعليم، والتعليم العالي)، ليمثل بذلك "الجناح البيروقراطي والتنموي"
للعائلة.
وعلى التوازي من هذا
الامتداد، برز ابن عمته، المحامي هشام التل، ليقود "الجناح القانوني
والتشريعي" عبر تسلمه مناصب وزارية كوزارة العدل، وصولاً إلى قيادته لمؤسسات
قضائية عليا مثل المحكمة الدستورية.
• عائلة جمعة: كنموذج للتوريث الأفقي في النخب
الإدارية، برز رئيس الوزراء (سعد جمعة) الذي قاد الحكومة في مرحلة مفصلية عاصفة
(حرب 1967)، ليتقاطع هذا المسار مع شقيقه (سعد الدين جمعة) الذي يُعد من أقطاب
الإدارة الحكومية، وتولى مناصب عليا منها منصب "وزير دولة" وأمين عام
لرئاسة الوزراء لسنوات طويلة.
• عائلة المجالي: امتد الإرث السياسي للشهيد (هزاع
المجالي) لأبنائه (أيمن وأمجد وحسين)، وعلى الصعيد الأفقي، رأس (عبد السلام
المجالي) الحكومة في التسعينيات، بينما تولى شقيقاه (عبد الوهاب، وعبد الهادي
المجالي) حقائب وزارية متعاقبة، مما كرس العائلة كحاضنة أساسية للنخبة.
• عائلة بدران: جمع الشقيقان (مضر بدران) كرئيس
للوزراء وقطب أمني وسياسي، وشقيقه (د. عدنان بدران) كوزير تكنوقراطي وأكاديمي (
لاحقا رئيس وزراء في عهد الملك عبدالله الثاني)، بين القوة الأمنية والخبرة
العلمية لصالح النظام.
• عائلة المصري: دمج رأس المال الإقليمي
بالبيروقراطية السيادية
تُعد عائلة المصري (ذات
الجذور النابلسية العريقة) نموذجاً بارزاً لكيفية استيعاب الدولة لـ "النخبة
الاقتصادية والاجتماعية" داخل صلب القرار الأردني. فقد برز منيب المصري في
سبعينيات القرن الماضي كشخصية اقتصادية عابرة للحدود وتولى حقائب وزارية (كوزير
للأشغال العامة)، ليمثل جسراً حيوياً بين الدولة ورأس المال.
ولم تكتفِ الدولة بهذا
الجيل، بل سارعت إلى "توريث واستقطاب" المكانة السياسية لابن شقيقه،
طاهر المصري، غير أن الدولة "حدّثت" هذا التوريث؛ فبينما اعتمد العم
(منيب) على ثقله الاقتصادي، تم استقطاب (طاهر) بوصفه تكنوقراطياً سياسياً متمرساً،
ليتدرج في المناصب وصولاً إلى رئاسة الوزراء (1991). كان توظيف طاهر المصري،
بشخصيته الدبلوماسية وخلفيته العائلية، بمثابة "هندسة سيادية" مقصودة
لامتصاص الاحتقانات الإقليمية، وتأكيداً على اندماج المكونات الاجتماعية الحضرية
في أعلى هرم الدولة.
• عائلة المعشر: تنويع الأدوار من التأسيس المهني
والاقتصادي إلى الدبلوماسية على التوازي، وظف النظام ذات الآلية ببراعة مع
"النخبة المسيحية والاقتصادية والمهنية". فقد مثّل الرعيل الأول من
العائلة، أمثال صالح المعشر والصيدلاني أنيس المعشر، دعامة تقليدية ومهنية من
دعائم الاستقرار الاجتماعي والتنموي في الدولة، حيث توليا مناصب وزارية مبكرة أسست
لثقل العائلة السياسي والخدمي، وفي منتصف السبعينيات تم استقطاب نجل صالح المعشر؛
الدكتور رجائي، بخلفيته " التكنوقراطية المالية"، حيث قام النظام
السياسي باستقطاب د. رجائي في فترات اقتصادية حرجة ( كوزير للاقتصاد الوطني
والصناعة، ولاحقا نائبا لرئيس الوزراء ).
وتجلت مرونة النظام في
توظيف "رصيد العائلة" لخدمة التوجهات الخارجية الجديدة، وذلك عبر تصعيد
الدكتور مروان المعشر (ابن شقيق صالح المعشر)، فقد مثّل الدكتور مروان استجابة
الدولة للحاجة إلى "نخبة براغماتية متحدثة بلغة العصر"؛ حيث اختاره
العقل السياسي ليكون الناطق الرسمي باسم الوفد الأردني في مفاوضات مدريد للسلام
(1991)، ليتدرج لاحقاً ويصبح وزيراً للإعلام في حكومة عبدالكريم الكباريتي ١٩٩٦.
.
• ملخص الحلقة:
يخلص الباحث إلى أن
التوريث السياسي والبيروقراطي في الأردن (العمودي والأفقي) ليس ظاهرة عشوائية، بل
أداة استراتيجية ضمن "الهندسة السياسية" للنظام لإعادة إنتاج النخبة،
وذلك من خلال مسارين:
التوريث العمودي
(الآباء والأبناء ) مثل: (الملقي، العجلوني) واستُخدم لضمان انتقال "جينات
الولاء" والخبرة التراكمية، مما حقق للدولة استمرارية تاريخية وشرعية متجددة.
التوريث الأفقي
(الأشقاء والامتداد العائلي ) مثل: (الرفاعي، المجالي) ومثّل شبكة "استيعاب
وظيفي" مكنت النظام من إحكام السيطرة على مفاصل الدولة (الأمنية،
الدبلوماسية، الأكاديمية) عبر عائلات موثوقة.
النتيجة النهائية:
ساهمت هذه الآلية في منح الدولة الأردنية مناعة واستقراراً مؤسسياً في وجه
التحولات، محوّلةً العائلات السياسية إلى ركائز عضوية تمتص الصدمات وتدعم خيارات
النظام الاستراتيجية.
****
(وأود التنويه إلى ان نماذج التوريث السياسي في
عهد الملك الحسين كانت عديده وغير مقتصرة على الأمثلة التي تم التطرق لها لتوضيح
الفكرة؛ لذلك اقتضى التنويه).
***
( الصور بالترتيب من اليمين لليسار مع حفظ
الالقاب: سمير الرفاعي، فوزي الملقي، صالح المعشر.
الصف الثاني: فلاح
المدادحة، وصفي التل، احمد الطراونة.
الصف الثالث: شفيق
ارشيدات، منيب المصري، مضر بدران ).
























