صراع الأرض الممتد: من جرارات اللطرون إلى أحزمة المدن الفلسطينية
كتب: جودت مناع
لم يكن اشتباك اللطرون عام 1965 مجرد مواجهة
عسكرية عابرة، بل كان تجسيداً مبكراً لمعادلة الصراع الوجودي على الأرض؛ حيث تحولت
"الجرارات الزراعية" حينها إلى أدوات سيادة وأسلحة ردع. عندما حاول
الاحتلال فرض واقع جديد بحراثة المنطقة الحرام، جاء الرد الأردني حاسماً بإرسال
الجرارات مدعومة بنيران الجيش العربي الاردني لفرض الحق بقوة السلاح وإعطاب آليات
المعتدين. آنذاك، كنت طفلاً تائهاً في مخيم الدهيشة للاجئين الفلسطينيين قرب بيت
لحم، وشاركت جماهير المخيم فرحتها العارمة بعودة صاحب التراكتور البطل سالماً بعد
مشاركته في حراثة تلك الأرض وصد العدوان؛ وهو الرجل الذي كني
بـ"(القبوي)" نسبة إلى قرية القبو المهجرة التي طُرد أهلها من جنوب
القدس المحتلة عام 1948.
تثبت هذه الذاكرة الحية
أن حماية الجغرافيا تبدأ من إعمارها وفلاحتها، وهي ذات الفلسفة التي تتجلى اليوم
في مواجهة الاستيطان الرعوي بالضفة الفلسطينية المحتلة. ففي الوقت الراهن، يواجه
الريف الفلسطيني خطراً إحلالياً تقوده مجموعات المستوطنين المتطرفة عبر ما يُعرف
بـ"الحوات" (وهي البؤر والمزارع الرعوية الاستيطانية)، والتي تسعى
للاستيلاء على مساحات شاسعة من البراري والمراعي لتقطيع أوصال القرى الفلسطينية
وعزلها تماماً. وأمام هذا الزحف الممنهج، تبرز استراتيجية "خطة أحزمة المدن
الفلسطينية" كأداة تخطيطية ومقاومة مكانية ذكية ومدروسة؛ تهدف هذه الخطة إلى
توسيع المخططات الهيكلية للمدن والبلدات الفلسطينية لتشكل طوقاً عمرانياً وزراعياً
حيوياً يحمي الأراضي الريفية المهددة، ويمنع عزل التجمعات السكنية وتشتيتها.عند
المقارنة بين المحطتين، نجد أن جوهر المواجهة ثابت لم يتغير على مر العقود: الأرض
تظل لمن يفلحها ويحميها ويمد نفوذه البشري والمكاني فوقها.
معركة اللطرون اعتمدت
على الاستجابة العسكرية والمدنية الفورية الفاعلة وفرحة اللجوء بانتصار
"القبوي" لصد التغلغل الميداني، بينما تعتمد "خطة أحزمة
المدن" اليوم على التخطيط المكاني الاستراتيجي وتثبيت الوجود الديمغرافي
كحائط صد قانوني وعمراني ضد الإرهاب الاستيطاني وممارساته.
إن الانتقال من الدفاع
التكتيكي المباشر بالجرارات إلى الهجوم التخطيطي بالأحزمة الحضرية يمثل تطوراً
طبيعياً لأدوات الصمود؛ فالأرض الفلسطينية لا تحميها الشعارات، بل يحميها الامتداد
العمراني المنظم والفلاحة المستمرة التي تقطع الطريق على مشاريع التهويد وتؤكد أن
الهوية الفلسطينية العربية للوطن غير قابلة للمصادرة أو الإلغاء.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























