"وول ستريت جورنال": واشنطن تعيد النظر في وجودها العسكري بالكويت بعد الهجمات الإيرانية
قالت صحيفة "وول
ستريت جورنال" إن الحرب مع إيران دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم حجم
وجودها العسكري في الكويت، التي تحولت منذ حرب الخليج إلى أحد أكبر المراكز
اللوجستية للقوات الأمريكية في العالم، في وقت تتمسك فيه الكويت بالحصول على
التزام أمني أمريكي قوي ومستمر.
وأوضح التقرير، الذي أعده ديفيد إس. كلاود
وشيلبي هوليداي وأنيكا أرورا سيث، أن الوجود العسكري الأمريكي منح الكويت طوال
عقود شعورًا بالأمان من تهديدات الدول المجاورة الأكبر حجمًا، لكنه تحول خلال
الحرب الحالية إلى عامل جذب للهجمات الإيرانية ومصدر خطر إضافي على البلاد.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين مطلعين قولهم
إن واشنطن تراجع نطاق انتشارها العسكري في الكويت، فيما يؤكد المسؤولون الكويتيون
"حاجتهم إلى استمرار الدعم الأمريكي، مع السعي إلى تعزيز منظومات الدفاع
الجوي وتنويع الشراكات الأمنية".
وبحسب التقرير، استهدفت إيران الكويت بمئات
الصواريخ والطائرات المسيّرة، طالت محطات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، ومطار
الكويت الدولي، وميناءً على الخليج العربي، بالتزامن مع توقف صادرات النفط
الكويتية عبر مضيق هرمز.
وتمكنت منظومات دفاع جوي أمريكية الصنع من
اعتراض معظم الهجمات، وفق مسؤولين أمريكيين، إلا أن منشآت عسكرية أمريكية تعرضت
بدورها لضربات متكررة.
وأشار التقرير إلى أن هجومًا وقع في آذار/مارس
الماضي أسفر عن مقتل ستة عسكريين أمريكيين، ليكون من أكثر الهجمات القاتلة ضد
القوات الأمريكية منذ اندلاع الحرب.
وبحسب التقرير نجحت الكويت حتى الآن في الحد من
تداعيات استهداف مرافق الطاقة والمياه، من خلال تشغيل قدرات احتياطية وإجراء
إصلاحات طارئة، لكن الهجمات كشفت مدى هشاشة البنية التحتية المدنية، وأثارت
تساؤلات بشأن قدرة الوجود العسكري الأمريكي على حماية البلاد.
وقال دوغلاس سيليمان، رئيس معهد دول الخليج
العربية في واشنطن والسفير الأمريكي السابق لدى الكويت، إن الهجمات جعلت الكويتيين
ينظرون إلى الوجود الأمريكي باعتباره عبئًا أمنيًا، وفي الوقت نفسه ضرورة أساسية
للدفاع عن البلاد.
وأضاف أن الكويت تحاول حاليًا تحديد المسار
الأنسب لتعزيز دفاعاتها في مواجهة طبيعة جديدة من التهديدات.
شراكات أمنية جديدة
ووقعت الكويت مؤخرًا اتفاقية دفاعية جديدة مع
باكستان، التي لعبت دورًا في الوساطة الهادفة إلى وقف الحرب بين الولايات المتحدة
وإيران.
لكن التقرير أشار إلى عدم وجود مؤشرات على أن
الكويت تعتزم إنهاء اعتمادها على الولايات المتحدة بوصفها شريكها الأمني الرئيسي،
مرجحًا أن تطالب واشنطن بأسلحة جديدة ومنظومات دفاع جوي أكثر تقدمًا، بالتوازي مع
البحث عن موردين وشركاء إضافيين.
وقال متحدث باسم السفارة الكويتية في واشنطن إن
الهجمات الأخيرة كشفت تعقيد البيئة الأمنية في المنطقة وتغير طبيعة التهديدات
الحديثة، وفي مقدمتها الصواريخ والطائرات المسيّرة والحروب غير المتكافئة.
البنتاغون يدرس تقليص قواته
وبحسب محللين تحدثوا إلى الصحيفة، قد يأتي
التغيير الأكبر في العلاقة من الجانب الأمريكي، إذا خلص البنتاغون إلى أن الاحتفاظ
بوجود عسكري ضخم ودائم في الكويت لم يعد ضروريًا أو مناسبًا من الناحية العسكرية.
وكانت وزارة الحرب الأمريكية تدرس بالفعل تقليص
قواتها في الكويت قبل اندلاع الحرب مع إيران، وفق مسؤولين حاليين وسابقين.
وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن البنتاغون خفّض
بالفعل جزءًا من وجوده العسكري لتقليل المخاطر، عقب الهجمات الإيرانية التي
استهدفت القواعد الأمريكية.
وقالت الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق
الأدنى والمسؤولة السابقة في البنتاغون إليزابيث دنت إن السؤال الأساسي هو ما إذا
كان وجود عسكري أمريكي بهذا الحجم لا يزال منطقيًا في حال استمرار الحرب.
وحذرت من أن تقليص القوات بصورة دائمة قد يؤدي
إلى تراجع التزام واشنطن بالدفاع عن الكويت.
المطار والنفط والمياه
وكانت صواريخ إيرانية قد سقطت على مطار الكويت
الدولي في حزيران/يونيو الماضي، فيما وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي
الهجوم بأنه "دفاع عن النفس"، زاعمًا أن المطار استُخدم نقطة انطلاق
لعمليات أمريكية.
وسبق للقوات الأمريكية أن استخدمت المطار
الكويتي في عمليات عسكرية.
وكانت "وول ستريت جورنال" قد أفادت،
استنادًا إلى مصادر مطلعة، بأن الكويت شاركت في تنفيذ غارات جوية ضد إيران، لكن
السفير الكويتي لدى واشنطن نفى ذلك.
ومع إغلاق مضيق هرمز، توقفت صادرات الكويت
النفطية البالغة نحو مليوني برميل يوميًا لأشهر، ما حرم الأسواق العالمية من نحو
2% من احتياجاتها اليومية، وقطع المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
كما تعتمد الكويت على تحلية المياه لتوفير أكثر
من 90% من مياه الشرب، ويجري إنتاج جانب كبير منها في منشآت مرتبطة بمحطات توليد
الكهرباء.
وتعرضت منشأة لتحلية المياه ومحطة كهرباء لأضرار
جسيمة واندلاع حريق إثر هجمات إيرانية جديدة خلال الشهر الجاري.
وأظهرت صور أقمار اصطناعية التُقطت في 18
تموز/يوليو تصاعد الدخان فوق منطقة ميناء الأحمدي، فيما ظهرت أضرار واضحة بعد
يومين قرب الرصيف الشمالي التابع للشركة الحكومية المشرفة على قطاع النفط والغاز.
جرس إنذار
وقال أستاذ التاريخ في
جامعة الكويت بدر السيف إن التكتيكات الإيرانية أثبتت أن الكويت تواجه بيئة أمنية
أكثر خطورة، ما يستدعي توسيع دائرة شركائها الأمنيين.
وأضاف أن التهديدات الإيرانية ستستمر سواء بقيت
القوات الأمريكية أم غادرت، مشيرًا إلى أن الدعم الأمريكي كان فعالًا في مواجهة
الحروب التقليدية خلال تسعينيات القرن الماضي، لكن طبيعة الحرب الحالية مختلفة
جذريًا.
ووصف التطورات بأنها "جرس إنذار"
للكويت لإعادة النظر في أساليب حماية أراضيها وبنيتها التحتية.
مركز لوجستي أمريكي ضخم
وتعود الشراكة الدفاعية الوثيقة بين البلدين إلى
حرب الخليج في أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين قادت الولايات المتحدة تحالفًا
دوليًا لطرد القوات العراقية من الكويت بعد غزوها على يد نظام صدام حسين.
وتعزز الوجود الأمريكي عقب غزو العراق عام 2003،
إذ تحولت الكويت إلى مركز رئيسي لمرور القوات والمعدات الأمريكية المتجهة إلى
العراق والعائدة منه على مدار عقدين.
وخلال السنوات الأخيرة، تمركز ما يصل إلى 13
ألفًا و500 جندي أمريكي في معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية ومنشآت أخرى،
ما جعل الكويت رابع أكبر دولة تستضيف قوات أمريكية خارج الولايات المتحدة بعد
ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.
كما أصبحت الكويت المركز الإقليمي الرئيسي
لتخزين الدبابات والمركبات المدرعة والذخيرة والوقود، وإصلاح المعدات وتجهيز القوات
للانتشار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وعلى خلاف دول أخرى في المنطقة، لم تبد الكويت
سابقًا تحفظًا تجاه الوجود الدائم لآلاف الجنود الأمريكيين، بل اعتبرته ضمانة ضد
أي غزو بري محتمل من العراق أو إيران.
لكن التهديدات المتزايدة بالصواريخ والطائرات
المسيّرة غيّرت طبيعة المخاطر، رغم نشر البنتاغون بطاريات "باتريوت" في
الكويت وبيع المنظومة إلى الجيش الكويتي.
وخلص التقرير إلى أن الحرب وضعت الكويت أمام
معادلة أمنية معقدة، إذ لا تزال بحاجة إلى الحماية الأمريكية، في حين يجعلها وجود
القوات والقواعد الأمريكية هدفًا مباشرًا للهجمات الإيرانية.
وأضاف أن المسؤولين
الكويتيين شعروا بالاستياء من قرار ترامب بدء الحرب من دون التشاور الكافي مع دول
الخليج، وهي مشاعر تفاقمت مع استمرار القتال وتعطل صادرات النفط وتعرض البنية
التحتية الحيوية لهجمات متكررة.

























