الحلقة الحادية عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
صناعة النخبة السياسية في مرحلة التحول الديمقراطي (١٩٨٩- ١٩٩٣): من هندسة "الانفراج" إلى استحقاق "السلام"
بقلم: د. أحمد زياد أبو
غنيمة
توطئة:
إيماناً بجدوى التوثيق
الرصين، وابتعاداً عن السجال السياسي اليومي، نواصل اليوم نشر الحلقة العاشرة من
سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، المستلهمة من مسار
دراستي الأكاديمية حول آليات صناعة النخبة السياسية الأردنية. نسعى من خلالها لقراءة
محطات دولتنا بموضوعية وتجرد؛ حمايةً لذاكرتنا الوطنية، ووضعاً لتجارب أصحاب
القرار بين يدي الأجيال القادمة لتكون أثراً أبقى وأكثر نفعاً.
****
هندسة الأزمات
والانفراج الديمقراطي (حكومة الشريف زيد بن شاكر ١٩٨٩):
شكلت هبة نيسان عام
١٩٨٩ نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة الأردنية الحديث؛ فقد أدرك العقل السياسي
للدولة، وعلى رأسه الملك الحسين بن طلال، أن تجاوز الأزمة الاقتصادية والاحتقان
الشعبي لا يمكن أن يتم عبر الأدوات الأمنية أو النخب التقليدية المستهلكة، بل
يتطلب "هندسة عكسية" تعيد صياغة العقد الاجتماعي وتفتح الباب واسعاً لـ
"انفراج ديمقراطي".
في هذه اللحظة
المفصلية، استدعى الملك الحسين "نخبة الثقة المطلقة" لضمان عبور المرحلة
بأمان، فكلّف الأمير (الشريف) زيد بن شاكر بتشكيل حكومة انتقالية (نيسان ١٩٨٩ -
كانون الأول ١٩٨٩).
• هندسة التشكيل الوزاري: لم تكن هذه الحكومة
برامجية تقليدية، بل كانت "حكومة ضمانات سيادية"، فقد اعتمد الشريف زيد
في تشكيلتها على نخبة مخضرمة من التكنوقراط ورجالات الإدارة العامة (البعيدين عن
الاستقطاب الأيديولوجي الحاد)، بهدف تحقيق هدفين أساسيين: تفكيك الاحتقان الشعبي
سريعاً، وإدارة أول انتخابات برلمانية حرة منذ عام ١٩٦٧ بشفافية وحياد تام.
• لقد أثبتت هذه الخطوة أن الدولة الأردنية تلجأ
دائماً في الأزمات الوجودية إلى "نخبة القصر/الجيش" كصمام أمان يحمي
مسار التحول المدني.
****
برلمان ١٩٨٩ واستيعاب
"النخبة المعارضة" (حكومة مضر بدران)
أسفرت انتخابات ١٩٨٩ عن
صعود مفاجئ وقوي لـ "النخبة المعارضة" (الإسلامية، واليسارية، والقومية)
إلى قبة البرلمان. لإدارة هذا البرلمان المعقّد، تم استدعاء رجل الدولة القوي مضر
بدران لتشكيل حكومته الرابعة ( كانون الأول ١٩٨٩ - تموز ١٩٩١).
أدرك بدران أن استقرار
النظام يتطلب إدماج هذه النخبة في تحمل مسؤولية الدولة، فاستخدم ميكانيزم
"الاستيعاب والاحتواء".
• هندسة التشكيل الوزاري: أحدثت حكومة بدران سابقة
تاريخية في هندسة النخب التنفيذية؛ فقد أشرك الحركة الإسلامية (الإخوان المسلمين)
في التعديل الوزاري على حكومته في كانون الثاني ١٩٩١ لأول مرة في تاريخها، ومنحهم
(5) حقائب وزارية ذات طابع توجيهي وخدمي حسّاس (مثل التربية والتعليم، والأوقاف،
والتنمية الاجتماعية، العدل والصحة)، ممثلة بشخصيات بارزة مثل (د. إبراهيم زيد
الكيلاني، ويوسف العظم، د. عبدالله العكايلة، د. عدنان الجلجولي، د. ماجد خليفة)،
كما ضمّت الحكومة شخصيات محسوبة على التيار القومي واليساري المعتدل.
• ضَمِن هذا التشكيل الهجين لبدران أغلبية
برلمانية مريحة، وساهم في نقل المعارضة من "مربع الرفض في الشارع" إلى
"مربع الشراكة في القرار".
****
رياح الإقليم وصعود
"نخبة التسوية" (حكومة طاهر المصري وعودة الشريف زيد):
عصفت بالمنطقة تداعيات
حرب الخليج الثانية (١٩٩٠ - ١٩٩١)، وفرضت على الأردن استحقاقات جيوسياسية معقدة
تمثلت في انطلاق قطار التسوية السلمية (مؤتمر مدريد ١٩٩١)، وتطلب هذا الاستحقاق
تغييراً جذرياً في تركيبة النخبة التنفيذية لتتماشى مع المزاج الدولي الجديد.
• حكومة طاهر المصري (حزيران ١٩٩١ - تشرين الثاني
١٩٩١): كُلف المصري بتشكيل حكومة مثلت "النخبة الليبرالية والتقدمية"،
واعتمد التشكيل الوزاري على وزراء من التكنوقراط المنفتحين والشخصيات القومية
واليسارية المؤيدة لفكرة التفاوض ( قدم الوزراء محمد فارس الطراونة وسليم الزعبي
ورائف نجم ود. محمد الحموري استقالاتهم بعد ان افصح الرئيس طاهر المصري عن نية
الحكومة المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام)، في حين تم إقصاء الحركة الإسلامية
والقوى المحافظة الراديكالية من التشكيلة، وكان الرئيس طاهر المصري اول نائب عامل
يتم تكليفه بتشكيل حكومة، وضمت بالإضافة اليه ١٠ من أعضاء مجلس النواب.
• أدى هذا الاستبعاد إلى صدام شرس تحت القبة، حيث
حُجبت الثقة سياسياً عن الحكومة عبر مذكرة نيابية قادتها الكتلة الإسلامية
والمحافظة، مما اضطر المصري للاستقالة.
****
• عودة حكومة الشريف زيد بن شاكر ( تشرين الأول
١٩٩١- آب ١٩٩٣):
لامتصاص صدمة استقالة
المصري وتبريد الجبهة الداخلية، استدعى الملك الحسين الشريف زيد بن شاكر مجدداً.
• جاء التشكيل الوزاري هذه المرة ليعكس
"تحالف التوازن المحافظ" ؛ حيث ضمت الحكومة رجالات دولة تقليديين
وشخصيات عشائرية وازنة، هدفها تهدئة الشارع الرافض لمسار مدريد للسلام، وتمرير
المرحلة الانتقالية بهدوء دون الدخول في معارك كسر عظم مع البرلمان.
****
د. عبدالسلام المجالي
وهندسة "العبور نحو السلام" ( آب ١٩٩٣- كانون الثاني ١٩٩٥):
مع اقتراب موعد توقيع
اتفاقيات السلام، كان العقل المركزي للدولة يدرك أن برلمان ١٩٨٩ بتركيبته
الأيديولوجية لن يمرر معاهدة السلام؛ فتدخلت "الهندسة التشريعية" عبر
إقرار قانون "الصوت الواحد" (آب ١٩٩٣) لتفكيك الكتل الحزبية الكبيرة
وإنتاج نخب مناطقية وعشائرية.
لإدارة هذه اللحظة، تم
تكليف د. عبدالسلام المجالي في أيار ١٩٩٣، والذي مثّل نموذجاً لـ "النخبة
البيروقراطية" الممزوجة بالشرعية العشائرية والخدمة العسكرية.
• هندسة التشكيل الوزاري: اعتمد المجالي في حكومته
سياسة الفرز الصارم؛ فقد استبعد النواب تماماً من التشكيلة الوزارية لفصل السلطة
التنفيذية عن التجاذبات التشريعية، واعتمد حصرياً على "نخبة تكنوقراطية
بحتة" من الخبراء والأكاديميين والبيروقراطيين (مثل د. جواد العناني وغيره من
المفاوضين البارزين).
• كانت هذه التشكيلة "الخالية من الدسم
الأيديولوجي" مصممة هندسياً لإنجاز مهمتين: هندسة انتخابات ١٩٩٣ وفق قانون
الصوت الواحد، وإدارة المفاوضات المباشرة التي تُوجت بتوقيع معاهدة وادي عربة في
تشرين الأول ١٩٩٤ بمنأى عن المعارضة الحزبية.
****
الخلاصة البحثية:
تُظهر دراسة آليات
تداول السلطة وتشكيل الحكومات بين عامي (١٩٨٩ - ١٩٩٣ ) أن مؤسسة العرش أدارت عملية
"تدوير النخب" ببراعة استراتيجية للحفاظ على بقاء الدولة.
فعندما كان الهدف بناء
الثقة، استُخدمت "نخبة الضمانات السيادية" (زيد بن شاكر). وعندما تطلب
الأمر استيعاب الشارع، لجأت الدولة لـ "نخبة الاحتواء العريض" (مضر
بدران وإشراك الإسلاميين). وحين لاحت استحقاقات دولية للتسوية، جرى الدفع بـ
"النخبة الليبرالية" (طاهر المصري).
ولتأمين توقيع معاهدة
السلام، تمت هندسة قانون الانتخاب واستدعاء "النخبة التكنوقراطية المعزولة عن
البرلمان" (عبدالسلام المجالي).
إن هذه التحولات لم تكن
مجرد تغيير في الوجوه، بل كانت هندسة سوسيولوجية وسياسية دقيقة لحقائب الوزارات،
أثبتت فيها الدولة قدرتها على صياغة "نخب وظيفية" لكل مرحلة، تعبر بها
حقول الألغام الإقليمية والمحلية بسلام.

























