حرب إيران واختبار المخزون الاستراتيجي الأمريكي
كتب: جودت مناع
لا تكشف الحروب الحديثة
نتائجها على خطوط النار فقط، بل تكشف أيضاً ما كان مخفياً في غرف التخطيط
الاستراتيجي. ومن بين أبرز الأسئلة التي أثارتها المواجهة العسكرية الأخيرة بين
الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يتعلق بقدرة واشنطن على
الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من الذخائر في ظل تعدد بؤر الصراع واتساع
الالتزامات العسكرية الأمريكية حول العالم.
فقد تحدثت تقارير
إعلامية أمريكية عن ضغوط متزايدة تعرضت لها المخزونات العسكرية نتيجة الاستخدام
المكثف للصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر الدقيقة. وبينما سارع البنتاغون إلى
التأكيد أن الجاهزية العسكرية الأمريكية لم تتأثر بصورة جوهرية، فإن مجرد طرح هذا
الملف للنقاش يعكس وجود قلق حقيقي داخل الأوساط العسكرية والأمنية بشأن معدلات
الاستهلاك مقارنة بقدرات الإنتاج والتعويض.
لقد اعتادت الولايات
المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبعدها الحرب على فيتنام لسنوات طويلة
على إدارة أكثر من أزمة في وقت واحد، مستندة إلى تفوق صناعي وعسكري هائل. غير أن
طبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين تختلف جذرياً عن حروب العقود السابقة.
فالصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي والذخائر الذكية المستخدمة اليوم
تستهلك بمعدلات غير مسبوقة، كما أن إنتاجها يحتاج إلى وقت أطول وكلفة أعلى مقارنة
بالذخائر التقليدية.
ويزداد هذا التحدي
تعقيداً إذا ما أُخذ في الاعتبار الدعم العسكري الأمريكي المتواصل لأوكرانيا في
حربها مع روسيا، إلى جانب المساعدات العسكرية الضخمة التي تلقتها المستعمرة
الإسرائيلية خلال حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة وتدميره إبان حكم إداريين
امريكيتينن، ثم متطلبات المواجهة مع إيران وما رافقها من عمليات اعتراض ودفاع جوي
واسعة النطاق. فهذه الملفات مجتمعة وضعت الصناعة العسكرية الأمريكية أمام اختبار
حقيقي يتعلق بقدرتها على تلبية الطلب المتزايد دون المساس بمتطلبات الردع
الاستراتيجي في مناطق أخرى من العالم.
الأخطر من ذلك أن أي
مؤشرات على تراجع المخزون الاستراتيجي لا تُقرأ في واشنطن وحدها، بل تراقبها أيضاً
موسكو وبكين بدقة شديدة. فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بما تمتلكه الدولة من
أسلحة، بل بقدرتها على تعويض ما تستهلكه خلال النزاعات والحفاظ على جاهزيتها لخوض
مواجهات محتملة في أكثر من مسرح عمليات في الوقت نفسه.
ومن هنا، فإن الجدل
الدائر حول المخزون الأمريكي يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية واقتصادية
أوسع. فإذا تبين أن تقديرات الاستهلاك لم تكن دقيقة، أو أن خطط الطوارئ لم تكن
كافية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مراجعات واسعة داخل الكونغرس والمؤسسات
الرقابية، وربما أمام مساءلات تتعلق بآليات اتخاذ القرار العسكري خلال السنوات
الأخيرة.
لقد أثبتت الحروب
المعاصرة أن التكنولوجيا المتطورة وحدها لا تضمن النصر، وأن التفوق العسكري يبقى
رهناً بقدرة الدول على إدارة مواردها الاستراتيجية بكفاءة. فالقوة الحقيقية لا
تكمن فقط في امتلاك السلاح، بل في القدرة على استدامته وتوظيفه ضمن رؤية بعيدة
المدى. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي أفرزته المواجهة مع إيران: أن
الاستنزاف الصامت للمخزون الاستراتيجي قد يتحول إلى عامل حاسم في رسم موازين القوة
الدولية خلال السنوات المقبلة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























