نيويورك تايمز: أمريكا تستنزف أسلحتها في إيران.. وروسيا والصين تستفيدان وتراقبان
قال تقرير، نشره موقع
"نيويورك تايمز" الأمريكي صباح اليوم الأحد، إن حرب ترامب ضد إيران
استنزفت مخزونات الأسلحة الأمريكية إلى مستويات مقلقة، ما أدى إلى سحب إمدادات من
آسيا وأوروبا نحو الشرق الأوسط، وفقًا لمسؤولين كبار.
وقال خبراء إن الانخفاض السريع في مخزون صواريخ
الدفاع الجوي والأسلحة الحيوية الأخرى في أوروبا وآسيا لا يترك الجيش الأمريكي أقل
تجهيزًا فحسب، بل قد يجعل روسيا والصين أيضًا أكثر جرأة إذا فكرتا في خوض صراع
محتمل مع الولايات المتحدة.
وقد استُهلكت آلاف الصواريخ التي تبلغ تكلفة
الواحد منها ملايين الدولارات في قصف إيران، وهي صواريخ تحتوي على أجزاء دقيقة يتم
الحصول عليها من شبكة عالمية من الموردين، وقد يستغرق إنتاجها سنوات. كما أدى
التصدي لوابل الهجمات الإيرانية إلى استنزاف مخزونات الولايات المتحدة من صواريخ
الدفاع الجوي إلى حد أثار قلقًا داخليًا لدى كبار المسؤولين في إدارة ترامب، ودفع
الولايات المتحدة إلى تأجيل عمليات تسليم صواريخ إلى عملاء في أوروبا وآسيا.
وأجبر العدوان على إيران وزارة الحرب الأمريكية
"البنتاغون" على الإسراع في نقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من مختلف
أنحاء أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط، في خطوة قال مسؤولون أمريكيون إنها خلّفت
تداعيات متتالية على صيانة المعدات ومعنويات القوات. وقال مسؤولون أمريكيون
وغربيون كبار إن النتيجة تمثلت في تراجع كبير في القوة النارية الأمريكية في تلك
المناطق، وهو تحول ستكون له تداعيات طويلة الأمد، وأصبح مصدر قلق متزايد في
الأوساط العسكرية والاستخباراتية.
وقال توم كاراكـو، وهو زميل بارز في مركز
الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن استنزاف الذخائر يمثل "إبادة
جيلية لوسائل الردع التقليدي". وأضاف أن تأثير ذلك على كيفية اتخاذ القرارات
في بكين وموسكو يمكن أن يستمر لسنوات.
وقال كاراكـو، الذي يتابع مخزونات الأسلحة
الأمريكية: "من المستحيل ألا يكون لذلك تأثير كبير على حسابات اتخاذ القرار
لدى روسيا والصين". وأضاف: "قد يفعلان شيئًا مدروسًا تمامًا وفي الوقت
الذي يختارانه، لأنه يجب أن نضع في الاعتبار أننا سنحتاج إلى سنوات لإعادة بناء
المخزونات".
ترامب اعتقد أن الحرب سريعة
ووفقًا لمسؤولين اثنين
مطلعين على المحادثات، أبلغ الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، الرئيسَ
خلال اجتماعات سبقت حرب إيران بالمخاطر الناجمة عن تعميق السحب من المخزونات
المستنزفة. ومع ذلك، قرر ترامب المضي قدمًا، معتقدًا أن الحرب ستنتهي سريعًا. ورفض
متحدث باسم الجنرال كين التعليق على محادثاته الخاصة مع الرئيس.
وبعد أن هاجم إيران إلى جانب إسرائيل في 28
شباط/فبراير، تعهّد ترامب مرارًا بتحقيق النصر خلال أسابيع. وبعد أكثر من خمسة
أشهر، لا يزال عاجزًا عن إخضاع إيران لإرادته، أو حتى إيجاد طريقة لإنهاء الحرب.
ويُقال إن نقص الذخائر أدى دورًا في إقناع ترامب بالتخلي عن حملة قصف واسعة كانت
مقررة في أواخر الشهر الماضي. لكنه يُظهر أيضًا كيف جعل قرار الرئيس بمهاجمة إيران
الولايات المتحدة وحلفاءها أكثر عرضة لتهديدات أخرى.
وبحسب التقرير، عملت إدارة ترامب مع شركات
الصناعات العسكرية في محاولة لتسريع الإنتاج وتوسيعه. لكن حتى مع احتساب هذه
الجهود، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى أكثر من عامين لتعويض أكثر من 1,500 صاروخ
اعتراضي للدفاع الجوي من طراز "باتريوت" تم استخدامه في حرب إيران.
ويبلغ المخزون الأمريكي الحالي من هذه الصواريخ أقل من 1,700 صاروخ، وفقًا لشخصين
أُطلعا على المخزونات وتحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما بسبب حساسية المعلومات
العسكرية.
وأبدى ترامب غضبًا متكررًا إزاء التقارير
الإخبارية التي تناولت نقص الذخائر. وأمر بإجراء عملية بحث واسعة عن مصادر
التسريبات في مختلف أرجاء حكومته، وطالب بإجراء ملاحقات جنائية. وقال لمستشاريه في
جلسات خاصة إن أي نقاش حول أزمة الذخائر يشير إلى ضعف أمام أعداء البلاد، ولا يزال
يقلل علنًا من أهمية القضية، أو ينكر وجودها، أو يلقي باللوم فيها على سلفه.
ويظهر التأثير الأكثر إلحاحًا لنقص الذخائر في
أوكرانيا. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الأسبوع إن عدد صواريخ
الدفاع الجوي التي يقدمها الحلفاء الغربيون لبلاده انخفض إلى الثلث هذا العام
مقارنة بعام 2025. ويوم الأربعاء، فشلت أوكرانيا في اعتراض أي من الصواريخ الـ28
التي أطلقتها روسيا، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصًا. وقال زيلينسكي إن
المزيد من الصواريخ الاعتراضية "كان من الممكن أن ينقذ أرواح الذين قُتلوا اليوم".
ويقول محللون إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن
روسيا رفعت إنتاجها من الصواريخ بدرجة أكبر مما تمكن داعمو أوكرانيا الغربيون من
إنتاج أنظمة الدفاع الجوي. وقد أدت حرب إيران إلى تفاقم هذا الاختلال.
وقال النائب جيسون كرو، وهو ديمقراطي من ولاية
كولورادو وعضو في لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات في مجلس النواب، إن عملية
شراء الأسلحة الدفاعية الأمريكية "العتيقة" "لا تسمح لنا فعليًا
بمواكبة الطبيعة المتغيرة بسرعة للحرب"، وأضاف "بصراحة، خصومنا لا
يواجهون تلك العوائق".
وبدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تخزين
صواريخ الدفاع الجوي وسط النقص العالمي في الإمدادات. وعندما سأل صحفي ترامب يوم
الخميس في المكتب البيضاوي عن طلب زيلينسكي الحصول على المزيد من الصواريخ، رد
ترامب قائلًا: "نحن نريد الصواريخ أيضًا".
ويصر ترامب بانتظام على أن دعم بايدن لأوكرانيا
هو المسؤول عن أي نقص في مخزونات الأسلحة الأمريكية. وقال على وسائل التواصل
الاجتماعي يوم الخميس إن الولايات المتحدة لديها "كميات هائلة من الذخائر،
وخصوصًا من أنواع معينة".
ومن الصحيح أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة
ضخمة من الذخائر الأقل تطورًا، بما في ذلك أكثر من 100 ألف قنبلة موجهة يتم
إسقاطها من الطائرات، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وتكمن مشكلة
العديد من هذه الأسلحة في أنه يتعين إطلاقها بالقرب من أهدافها، ما يعرض المزيد من
الطائرات الحربية لخطر إسقاطها.
وتتجنب صواريخ كروز المتطورة هذا الخطر، إذ يمكن
إطلاقها من مسافات تصل إلى مئات الأميال. لكن الجيش الأمريكي استنفد إلى حد كبير
مخزوناته من بعض أنواع الصواريخ بعيدة المدى — مثل منظومات الصواريخ التكتيكية
للجيشATACMS وصواريخ الضربة الدقيقة
خلال حرب إيران، وفقًا لمسؤولين.
تأثير الاستنزاف في آسيا
وستكون الصواريخ بعيدة
المدى حاسمة في حرب ضد الصين أو روسيا، وهما دولتان تمتلكان أنظمة دفاع جوي أكثر
تقدمًا بكثير من إيران. ووفقًا لمسؤول أمريكي مطلع على الاستخبارات الدفاعية،
تراقب الحكومتان الروسية والصينية مخزونات الولايات المتحدة عن كثب، وتقدّران
حجمها من خلال مصادر علنية مثل عملية إعداد الميزانية في الكونغرس وإعلانات شركات
الصناعات الدفاعية، وكذلك من خلال أقمار التجسس وأنظمة المراقبة الأخرى التابعة
لهما.
وكتب ألكسندر كوتس، وهو مدوّن روسي شهير مؤيد
للحرب، مؤخرًا: "الوضع يتشكل بشكل مواتٍ للغاية". وأضاف: "كلما
قلّت الأسلحة الموجهة بدقة التي تمتلكها الولايات المتحدة، قلّ ما سيصل إلى
أوكرانيا".
وأضاف كوتس أنه حتى لو أراد خليفة ترامب زيادة
المساعدات لأوكرانيا، فإن "القيام بذلك سيكون مستحيلًا مع ترسانات فارغة".
وقد يكون التأثير طويل الأمد لهذا الاستنزاف
أكبر في آسيا، حيث تستعد الولايات المتحدة منذ فترة طويلة لاحتمال تحرك صيني لكبح
النزعات الانفصالية لتايوان، وأصبحت القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي
والهادئ مصدرًا رئيسيًا للذخائر المستخدمة في حرب إيران، إذ جرى نقل العديد من
صواريخ "توماهوك" وغيرها من الصواريخ بعيدة المدى الموجودة في المنطقة
وهي أسلحة تعتبرها واشنطن "حاسمة" في أي مواجهة مع الصين من مخزوناتها.
وأُرسلت مئات الصواريخ الاعتراضية المتقدمة
للدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط من كوريا الجنوبية وأماكن أخرى في آسيا، في حين جرى
نشر مجموعة قتالية لحاملة طائرات وبعض أكثر مدمرات البحرية تطورًا من المنطقة لدعم
الحملة على إيران. وقال مسؤول أمريكي إن القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية ستكون
أكثر عرضة للخطر في حال اندلاع حرب مع كوريا الشمالية، لأن البنتاغون أعاد توجيه
أصول المراقبة التكتيكية إلى الشرق الأوسط وسحب أنظمة الدفاع الجوي.
ولهذا الاستنزاف تأثيرات واسعة النطاق. ففي
آسيا، يخشى بعض المسؤولين الأمريكيين أن تشك كوريا الجنوبية واليابان في قدرة
الولايات المتحدة على حمايتهما بوسائل دفاع غير نووية، وأن تصبح الدولتان أكثر
ميلًا إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية خاصة بهما من أجل إقامة ردع أكثر مصداقية.
وفي أوروبا، بدأ حلفاء الولايات المتحدة بالفعل يتطلعون إلى زيادة مشتريات الأسلحة
من دول أخرى، في ظل تراكم الطلبات وتأخر الإنتاج في الولايات المتحدة.
ويقول مسؤولون إن روسيا والصين أدركتا منذ فترة
طويلة أن المخزون الأمريكي محدود، وهما تدركان الآن أن إعادة ملء هذه المخزونات
إلى مستويات تسمح بتنفيذ بعض خطط الحرب ستستغرق وقتًا. ومن هذا المنطلق، قال بعض
المحللين إن إطالة أمد الصراع مع إيران تصب في مصلحة موسكو وبكين.
وقال تود هاريسون، محلل شؤون الدفاع في معهد
"أمريكان إنتربرايز": "كلما طال أمد هذه الحرب، وكلما واصلنا تبادل
إطلاق النار مع إيران، أصبحت مشكلة الذخائر أسوأ بالنسبة للولايات المتحدة، وأصبحت
نافذة الضعف هذه أكبر وأكثر وضوحًا".
وقالت دارا ماسيكوت، الخبيرة في الشؤون العسكرية
الروسية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن موسكو كانت قد بدأت بالفعل بإعادة
تقييم تقديراتها بشأن مخزونات الولايات المتحدة العسكرية قبل اندلاع حرب إيران.
وأضافت أن السنوات الأربع من الصراع في أوكرانيا ربما أظهرت للمخططين العسكريين
الروس أن الولايات المتحدة كانت أبطأ مما اعتقدوا في زيادة إنتاج الأسلحة.
وقالت ماسيكوت، التي
عادت مؤخرًا من زيارة إلى أوكرانيا: "هذه هي النوعية الخاطئة من الحسابات
التي تدخل إلى المنظومة الروسية، لأنهم عندها يبدأون بتغيير تصورهم لقوتهم هم في
مواجهة حلف شمال الأطلسي (الناتو)". وأضافت: "وهذا يدفعهم إلى التوصل
إلى استنتاجات قد لا نرغب في أن يتوصلوا إليها".

























