شريط الأخبار
بحث سبل النهوض بواقع مدينة العقبة الصناعية الدولية الطفيلة: اختتام معسكر المغامرة والتحدي في بيت شباب القادسية ضبط ومصادرة أكثر من 1200 عبوة زيوت محركات مخالفة في إقليم الشمال الثورات لا تموت بالهزيمة بل باليقين: كيف فقدت التنظيمات الفلسطينية فلسفة التحرر؟ تالا أبو خيط تحرز ميدالية برونزية تاريخية ببطولة آسيا للمصارعة مقاربة كروية وفيَّات السبت 4-7-2026 الجمارك الأردنية ضمن أفضل 13 مشروعًا رياديًا عالميًا في جائزة المنارة العالمية للاقتصاد الرقمي 2026 أورنج الأردن ترعى 'Robots Line Follower' للحلول الذكية في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا اقتصاديون: الاقتصاد الوطني يمتلك مفاتيح كثيرة مكنته من النمو والتغلب على الأزمات ارتفاع أسعار الذهب محلياً وعيار 21 يبلغ 85.7 دينار حجازين يكرّم الفنانة سوزان علي لدورها في إبراز الهوية الأردنية فنيً منتخب السلة يختتم الدور الأول بمواجهة العراق غداً مندوبا عن الملك وولي العهد...العيسوي يعزي عشيرة الرحامنة اتحاد الكتّاب: السردية الأردنية حاضرة بقوة في مهرجان جرش عبر ندوات ثقافية متخصصة طقس صيفي معتدل السبت وارتفاع طفيف على الحرارة الأحد ضغوط غير مسبوقة على الجيش اللبناني لدفعه إلى مواجهة مع حزب الله النائب آيات بني عيسى: لا حصانة لفاسد وأتابع شبهات مخالفات في إحدى الوزارات تكية أم علي.. مسيرة متواصلة لتعزيز الأمن الغذائي وترسيخ العمل الإنساني المستدام رحيل معلمة!

الثورات لا تموت بالهزيمة بل باليقين: كيف فقدت التنظيمات الفلسطينية فلسفة التحرر؟

الثورات لا تموت بالهزيمة بل باليقين: كيف فقدت التنظيمات الفلسطينية فلسفة التحرر؟


كتب: جودت مناع

 

بعد أكثر من ستة عقود على انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، لا يبدو السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الثورة قد نجحت أم فشلت. فمثل هذا السؤال ينتمي إلى منطق الانتصار والهزيمة أكثر مما ينتمي إلى منطق الفهم والتحليل. أما السؤال الذي يستحق الطرح فهو: لماذا استطاعت بعض حركات التحرر الوطني أن تتحول إلى مشاريع دولة ومجتمع قادرة على الاستمرار والتجدد، بينما دخلت حركات أخرى في دوائر التآكل والجمود وفقدان التأثير؟

 

تفرض تجربتا جنوب أفريقيا وفيتنام نفسيهما عند البحث عن إجابة. فكلتاهما واجهتا قوى متفوقة سياسياً وعسكرياً، وتعرضتا لعقود من القمع والعنف والحصار، ومع ذلك تمكنتا من الحفاظ على قدر من الحيوية السياسية والقدرة على التكيف مع التحولات الداخلية والدولية. وفي المقابل، وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، رغم عدالة قضيتها وحجم تضحيات شعبها، أمام أزمة متراكمة مست جوانب التنظيم والفكر والمؤسسات والقيادة.

 

لا يتعلق الأمر بتمجيد تجربة على حساب أخرى، ولا بمحاكمة التاريخ بأثر رجعي، بل بمحاولة فهم العلاقة بين الفكرة والواقع، وبين الثورة والأيديولوجيا، وبين التحرر الوطني وبناء الدولة. فالتاريخ لا يكافئ الأفكار لأنها أخلاقية أو نبيلة، ولا يعاقبها لأنها مثيرة للجدل، بل يختبر قدرتها على إنتاج مؤسسات فاعلة والاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.

 

هنا يبرز السؤال الفلسفي الأهم: هل تفشل الثورات بسبب خطأ أفكارها، أم بسبب تحول تلك الأفكار إلى عقائد مغلقة ترفض المراجعة؟

 

كان الفيلسوف كارل بوبر من أوائل من حذروا من هذا المأزق. ففي نقده للنظريات التي تدعي امتلاك قوانين التاريخ، رأى أن الخطر لا يكمن في الخطأ ذاته، بل في الاعتقاد بامتلاك الحقيقة النهائية. فالأفكار السياسية، مهما بلغت جاذبيتها، لا تكتسب قيمتها إلا بقدرتها على الخضوع للنقد والتصحيح. وعندما تعتقد حركة ما أنها تمثل مسار التاريخ المحتوم، فإنها تتحول تدريجياً من مشروع للتحرر إلى مؤسسة تدافع عن يقينها الخاص.

 

من هذه الزاوية تبدو أزمة العديد من التنظيمات الفلسطينية أعمق من أن تكون أزمة برامج أو قيادات أو ظروف خارجية فقط. إنها، بدرجة كبيرة، أزمة عقل سياسي فقد قدرته على الشك المنهجي الذي يشكل جوهر الفكر النقدي. فالفلسفة تبدأ بالسؤال: ماذا لو كنا مخطئين؟ بينما تبدأ الأيديولوجيا من افتراض أنها تملك الإجابة النهائية.

 

ولعل هذه المفارقة هي ما يجعل كثيراً من الحركات السياسية تقع في الفخ ذاته. فهي تبدأ بمحاولة تفسير العالم، ثم تنتهي بمحاولة إخضاع العالم لتفسيرها. وعندما يحدث ذلك يصبح الواقع هو المتهم الدائم. فإذا تعثرت المؤسسات، ألقي اللوم على المؤامرات. وإذا تراجع الأداء، أُرجع الأمر إلى الظروف الخارجية. وإذا ظهرت أصوات ناقدة، وُصفت بأنها خروج عن الإجماع الوطني. أما مراجعة الفكرة ذاتها فتبقى مؤجلة أو محرمة.

 

في التجربة الفلسطينية، كان الرئيس الراحل ياسر عرفات، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه، أقرب إلى البراغماتي السياسي منه إلى العقائدي الجامد. فقد انتقل بين محطات مختلفة، وبدّل أدواته وأساليبه تبعاً للمتغيرات. إلا أن المفارقة أن بعض من ورثوا تجربته تعاملوا معها لاحقاً بوصفها نصاً مقدساً لا تجربة سياسية قابلة للتطوير. وهكذا تراجع الاجتهاد لمصلحة التكرار، وتحولت الذاكرة الوطنية من مصدر للإلهام إلى أداة لإعادة إنتاج الماضي.

 

لكن أزمة التنظيمات الفلسطينية لا يمكن فهمها بعيداً عن ما طرحه أنطونيو غرامشي حول مفهوم الهيمنة الثقافية. فالصراع السياسي، في نظره، لا يُحسم فقط في ميدان القوة، بل في ميدان الوعي أيضاً. وتنجح الحركات التاريخية عندما تتمكن من إنتاج نخبة فكرية جديدة، ومؤسسات تعليمية وثقافية قادرة على تجديد المجتمع وربط الأجيال الجديدة بمشروعها الوطني.

 

من هذا المنظور، لا يبدو تراجع المشروع الوطني الفلسطيني مرتبطاً فقط بالاحتلال أو بالانقسام أو بالاختلالات التنظيمية، بل أيضاً بضعف الاستثمار في بناء الإنسان والمعرفة والمؤسسات الثقافية. فالحركة التي تتوقف عن إنتاج الأفكار الجديدة والنخب الجديدة على أسس تلامس طموحات الشعب تبدأ تدريجياً بفقدان قدرتها على تمثيل المجتمع الذي تدّعي قيادته.

 

وقد أشار الأسير القائد مروان البرغوثي، قبل اعتقاله، إلى هذه الإشكالية عندما شدد على أهمية التعليم والجامعة وتجديد النخب الوطنية بوصفها جزءاً من معركة التحرر. فالمعركة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالعقل أيضاً.

 

أما حنة آرندت فقد قدمت تمييزاً بالغ الأهمية بين التحرر والثورة. فالتحرر يعني التخلص من السيطرة الخارجية، أما الثورة الحقيقية فتعني بناء فضاء سياسي جديد يضمن المشاركة والمساءلة واستمرار الفعل الجماعي. ومن هنا فإن نجاح أي حركة تحرر لا يقاس فقط بقدرتها على مقاومة خصمها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات شرعية تسمح للمجتمع بالمشاركة في صناعة القرار وتجديد النخب ومحاسبة السلطة.

 

وربما يكمن أحد الفروق الجوهرية بين التجربة الجنوب أفريقية وتجارب أخرى في أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي لم يربط شرعيته بتاريخ نضاله فقط، بل حاول ربطها أيضاً بقدرته على إدارة الدولة والاستجابة لمطالب المجتمع. لقد انتقل من مرحلة المقاومة إلى مرحلة البناء دون أن يجعل من تاريخه الثوري حصانة ضد النقد.

 

وينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على التجربة الفيتنامية. فبعد الانتصار العسكري لم تتردد القيادة الفيتنامية في مراجعة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية عندما اكتشفت أن بعض الخيارات السابقة لم تعد قادرة على تحقيق التنمية. لم يُنظر إلى التغيير بوصفه خيانة للمبادئ، بل باعتباره ضرورة للحفاظ على أهداف المشروع الوطني.

 

أما فرانز فانون فقد تنبأ مبكراً بالمأزق الذي قد تقع فيه حركات التحرر بعد انتهاء مرحلة المواجهة المباشرة مع الاحتلال أو الاستعمار. ففي كتابه "معذبو الأرض" حذر من أن النخب الوطنية قد تتحول إلى بديل محلي للنخب الاستعمارية إذا لم تربط التحرر الوطني بتحرير الإنسان وبناء الاقتصاد والثقافة والمؤسسات. وكان يرى أن الاستقلال السياسي لا يكتمل إذا لم يترافق مع إعادة بناء المجتمع نفسه.

 

ومن الصعب تجاهل أهمية هذه الملاحظة عند قراءة التجربة الفلسطينية. فالمشكلة لم تكن فقط في استمرار الاحتلال الاستيطاني الاستعماري، بل أيضاً في العجز عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على استيعاب الطاقات الشابة لا بل بحظر أدوارها، وتجديد القيادة، وترسيخ ثقافة المساءلة، وحماية القرار الوطني من الشخصنة والاحتكار والتوريث بأشكاله.

 

ومع ذلك، سيكون من التبسيط تحميل التنظيمات الفلسطينية وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. فقد عملت هذه التنظيمات ضمن بيئة استثنائية من التعقيد، شملت الاحتلال العسكري، والتدخلات الإقليمية، والانقسامات الداخلية، والتحولات الدولية المتسارعة، وضعف الموارد الاقتصادية. لكن الإقرار بصعوبة البيئة لا يلغي حقيقة أن الظروف القاسية ليست قدراً يمنع النجاح، بل اختباراً لقدرة القيادة على التكيف والتجديد.

 

لقد نجحت جنوب أفريقيا وفيتنام، كل بطريقتها الخاصة، لأنها تعاملت مع أفكارها بوصفها أدوات لفهم الواقع لا قيوداً تمنع فهمه. لم تجعل من النظرية سجناً، ولم تحول الماضي إلى سلطة مطلقة على الحاضر. وعندما اكتشفت أن بعض السياسات لم تعد مناسبة، امتلكت شجاعة المراجعة.

 

أما العديد من التنظيمات الفلسطينية، فقد وقعت أحياناً في فخ الدفاع عن شرعية الماضي أكثر من انشغالها ببناء المستقبل بالدفاع عن الشعب. وتحولت بعض مؤتمراتها إلى فضاءات لإعادة إنتاج الخطاب ذاته، بدلاً من أن تكون ساحات للنقد والتجديد وصناعة البدائل.

 

إن الأزمة الفلسطينية ليست أزمة السلطة وحدها، ولا أزمة القومية، ولا أزمة الإسلام السياسي. إنها، في جوهرها، أزمة العقل الأيديولوجي المغلق عندما يتحول إلى بديل عن التفكير النقدي. ذلك العقل الذي يظن أن نصاً كُتب في زمن معين قادر على تقديم إجابات نهائية لكل الأسئلة التي يطرحها المستقبل.

 

فالثورات لا تُدار باليقين المطلق، بل بالمراجعة المستمرة والمحاسبة والعدالة. والدول لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات والكفاءة وسيادة القانون والاستثمار في الإنسان. كما أن شرعية الحركات السياسية لا تُقاس بعدد ما ترويه من أمجاد الماضي، بل بقدرتها على إنتاج حلول للحاضر ورؤية للمستقبل.

 

ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه تجارب جنوب أفريقيا وفيتنام ليس في تفاصيل سياساتها، بل في استعدادها الدائم للتعلم. فالتاريخ لا يكافئ أكثر الشعارات نقاءً، بل أكثر المجتمعات قدرة على التكيف والتجدد.

 

لهذا ربما لم تمت بعض الثورات عندما تعرضت للهزيمة، لكنها ماتت عندما توقفت عن طرح الأسئلة. وربما لم تنجح ثورات أخرى لأنها امتلكت النظرية الصحيحة، بل لأنها رفضت التعامل مع أي نظرية باعتبارها الحقيقة النهائية.

 

إن الحضارات لا تبنيها العقائد الجامدة، ولا الأفراد المهيمنين الذين يتحولون إلى بدائل عن المؤسسات، بل العقول القادرة على مراجعة ذاتها باستمرار. فالأمم لا تنهار لأنها أخطأت، وإنما لأنها حولت الخطأ إلى عقيدة، والعقيدة إلى قدر، والقدر إلى مصير لا يجوز التفكير في تغييره.

 

والحقيقة، في النهاية، ليست ملكاً لحزب أو قائد أو دولة، بل مشروع إنساني مفتوح يتقدم بالنقد أكثر مما يتقدم باليقين، وبالأسئلة أكثر مما يتقدم بالشعارات. وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق التي يكشفها تاريخ الثورات جميعها.

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."