حين يسهر البحر في بشكتاش
كتب: جودت مناع
في مساءٍ صيفي من
أمسيات بشيكتاش، تبدو المدينة وكأنها تحتفل بنفسها. الشوارع تعج بالمارة، والمقاهي
تضيق بروادها، وأصوات الشباب المتدفقة من الحانات والمطاعم تتداخل مع ضجيج
السيارات والعابرين. الضحكات المرتفعة والأغنيات الجماعية تجعل الحي أشبه بمدرجٍ
مفتوح لمباراة كرة قدم لا تنتهي، فيما تصطف عشرات الدراجات النارية على جوانب
الساحات والشوارع كأنها جزء من المشهد اليومي الذي يمنح المكان روحه الخاصة.
كلما اقتربت من البحر،
تبدأ رائحة أخرى في السيطرة على الحواس. على امتداد الطريق المؤدي إلى البوسفور،
تتصاعد روائح الذرة المشوية والمسلوقة والكستناء التركية الساخنة من عربات الباعة
المنتشرة قرب الشاطئ. يقف البائع خلف قدرٍ كبير يغلي بالماء، ينتشل منه أكواز
الذرة الصفراء بمهارة اعتادها منذ سنوات، بينما يفضل آخرون مذاقها المشوي فوق
الجمر. تتوقف العائلات والسياح للحظات أمام هذه العربات الصغيرة، وكأنها محطة لا
بد منها قبل الوصول إلى البحر.
ثم ينفتح المشهد فجأة
على اتساع البوسفور.
هناك، عند أرصفة
العبارات في بشيكتاش، حيث تنطلق السفن إلى أوسكودار وكاديكوي وسائر المدن والأحياء
المنتشرة على ضفتي إسطنبول، يقف الصيادون في مواجهة الماء والانتظار. يلقون
صناراتهم في المضيق بصبرٍ طويل، ويراقبون الخيوط الممتدة نحو الأعماق كأنها جسور
خفية تصلهم بأسرار البحر.
العبارات تمخر المياه
ذهاباً وإياباً بلا انقطاع، ترسم خلفها خطوطاً بيضاء سرعان ما تذوب في الزرقة.
وتبعث محركاتها أصواتاً رتيبة تمتزج بنسيم المساء، فتشبه همسات رياح خفيفة تعبر
بين قارتي آسيا وأوروبا. وكلما اقتربت إحدى العبارات من الرصيف، سارع الصيادون إلى
انتشال خيوطهم وطعومهم قبل أن تبتلعها دوامات المياه التي تتركها السفينة خلفها.
غير بعيد عنهم، تنتظر
القطط نصيبها من صيد اليوم. تجلس على حافة الرصيف أو تتجول بين أقدام الصيادين
بثقة من يعرف أن البحر كريم. وبين حين وآخر، تلقى إليها سمكة صغيرة أو بقايا طعم،
فتبدو وكأنها شريكة دائمة في هذا الطقس البحري اليومي.
أما المضيق نفسه فلا
يعرف السكون. ناقلات النفط العملاقة، والسفن التجارية، واليخوت الخاصة، والقوارب
الصغيرة، تتقاطع مساراتها في الممر المائي الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، حتى
يخيل للناظر أن صفحة الماء لم تعد تتسع لكل هذه الحركة.
وعندما يبدأ النهار
بالانحناء نحو الغروب، تشتعل الضفة الآسيوية بالأضواء. تتلألأ أوسكودار على الجانب
الآخر من المضيق كأنها عقد من النجوم المبعثرة فوق التلال. تنعكس أضواؤها على صفحة
الماء المرتجفة، فيما تزدحم المقاهي والمطاعم بالرواد الباحثين عن لحظة هدوء أمام
واحد من أجمل المشاهد التي تقدمها إسطنبول لزوارها.
وفوق الجميع، يطل القمر
من سماء صافية، يراقب البوسفور بنصفه المضيء، كحارس قديم يحفظ أسرار هذه المدينة
التي لا تنام.
ومع حلول الليل، لا
تتوقف العبارات عن رحلاتها، ولا تنطفئ أنوار بشيكتاش. القطط ما تزال تنتظر رزقاً
متأخراً، والصيادون ما يزالون معلقين بخيط أمل يمتد من أيديهم إلى الأعماق. يحدقون
في مياه البوسفور التي لا تنام، مترقبين صيداً ثميناً أو لحظة هدوء نادرة في غياب
نوارس البحر، قبل أن يطلع صباح جديد على مدينة اعتادت أن تسهر بين البحر والقمر،
وأن تحكي حكاياتها لكل من يجلس على شاطئها ولو لليلة واحدة.
الخميس ٢٣ تموز ٢٠٢٦
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية.

























