الانتخابات الاسرائيلية (٢): الصورة الكبيرة واستطلاع معاريف الأخير
د حيدر البستنجي
تشير بيانات استطلاع
الرأي الأخير الصادر عن صحيفة معاريف العبرية إلى تحولات هيكلية عميقة في المزاج
الانتخابي العام داخل إسرائيل؛ إذ يعكس استمرار تصدر رئيس الأركان الأسبق غادي
آيزنكوت وحزبه الوليد "يشار" للمشهد السياسي (23 مقعداً) أمام حزب
"الليكود" الحاكم (20 مقعداً) هذه النتائج لا تقف عند حدود تبدل الكراسي
البرلمانية، بل تكشف عن ملامح أزمة نظامية يعاد فيها إنتاج التنافس بين نموذجين:
"نموذج الأمن العسكري " المتمثلة في صعود الجنرالات، و"نموذج
البرغماتية و الشعبوية التاريخية "التي يقودها بنيامين نتنياهو.
يمنح الاستطلاع آيزنكوت
تفوقاً واضحاً في مسألة الملاءمة لرئاسة الوزراء بنسبة 48% مقابل 39% لنتنياهو. من
منظور العلوم السياسية، يعبّر هذا التقدم عن حالة من "الإرهاق المجتمعي"
تجاه القيادات المدنية الحزبية، والعودة إلى ما يُعرف بـ حنين الناخب الإسرائيلي
للعباءة العسكرية.ففي فترات الأزمات والتهديدات الإقليمية المستجدة والتي يعكسها
الاستطلاع عبر خشية 55% من الإسرائيليين اندلاع مواجهة مباشرة مع إيران—يبحث
الشارع عن "ملاذ أمني" يتمتع بمبدأ الترتيبات الأمنية واستراتيجية الحسم
التي يتقنها جنرال عسكري سابق، كبديل لسياسات "إدارة الصراع" المتراخية.
إن صدارة حزب "يشار" هي نتاج مباشر لتحويل رأس المال الرمزي العسكري إلى
قوة جذب سياسية قادرة على استقطاب يمين الوسط والوسط الإسرائيلي. لكن رغم الهبوط
الحاد في تمثيل حزب الليكود إلى 20 مقعداً (مقارنة بـ 32 مقعداً في الكنيست
الحالي)، إلا أن القراءة الدقيقة للأرقام تظهر مرونة سياسية لافتة لمعسكر نتنياهو.
فارتفاع قوة أحزاب الائتلاف الحالي مجتمعة إلى 51 مقعداً (للمرة الأولى منذ عدة
أشهر) يبرهن على أن الكتلة الصلبة لليمين الديني لا تزال متماسكة وتلتف حول
نتنياهو كقائد تاريخي لهذا المعسكر. طبعاً تظل قدرة نتنياهو على تضييق الفجوات
والبقاء في السباق السياسي معتمدة على استراتيجية الاستقطاب واللعب على أوتار
الهوية، والتحذير من صعود حكومة مدعومة من كتل عربية؛ وهي ورقة رابحة تقليدياً في
تحشيد القواعد الانتخابية لليمين الإسرائيلي.
النتائج تقول بدقة توقع
تصل إلى ٩٥٪
سيحصل حزب
إيزنكوت يشار: 23
الليكود: 20
بياحد: 15
الديمقراطيون: 10
إسرائيل بيتنا: 9القوة
اليهودية: 8
يهدوت هتوراه: 7
تحالف الجبهة والعربية
للتغيير: 7
شاس: 7
القائمة العربية
الموحدة: 5
الصهيونية الدينية: 5
شعبك إسرائيل: 4
حيث سنكون امام ثلاث
مجموعات في الكنيست القادم
معسكر المعارضة
الصهيونية : 57
ائتلاف نتنياهو:51
الأحزاب العربية: 12
بالنظر إلى هذه النتائج
يظهر الاستعصاء السياسي في اوضح اشكاله فوفقاً للمنظور الرياضي والتحالفي
للانتخابات الإسرائيلية، تبرز معضلة عدم القدرة على تشكيل الحكومة لدي اي من
المعسكرين المتنافسين
رغم الفارق لصالح
المعارضة (6 مقاعد)، فإن كلا المعسكرين يعجز عن الوصول إلى العتبة الذهبية (61
مقعداً) اللازمة لنيل ثقة الكنيست دون الاعتماد على القوائم العربية (12 مقعداً).
وهنا تظهر العقبة الأيديولوجية البنيوية: حيث ترفض غالبية أحزاب المعارضة
الصهيونية (مثل حزب بينيت "معاً" وحزب ليبرمان) الاعتماد على الأحزاب
العربية لتشكيل ائتلاف، تماشياً مع مزاج 55% من الجمهور الذي يرفض هذا الخيار
قطعيّاً.وهذا ما يراهن عليه نتنياهو حيث انه وفي حالة خسارة الانتخابات كما هو
متوقع سيبقى لديه فرصة لعرض حكومة وحدة وطنية على خصومه او حتى اعادة الانتخابات
بعد عدة اشهر وبقاء الحكومة الحالية
وهكذا تثبت قراءة
استطلاع صحيفة معاريف العبرية أن الخريطة الحزبية في إسرائيل تتجه نحو حالة جديدة
من "الاستعصاء السياسي الراهن"(Political
Deadlock). وفي ظل مجتمع يعاني
انقساماً عميقاً حيال هوية القيادة، تبدو الخيارات المستقبلية محصورة في
سيناريوهين: إما ذهاب أحزاب المعارضة نحو خيار التوحيد في كتلة ائتلافية عريضة قبل
الانتخابات (وهو ما يؤيده 52% من ناخبيها لكسر الجمود)، أو الدخول في دوامة
انتخابات متكررة تؤجل حسم الأزمات الاستراتيجية والاقتصادية التي تواجهها الدولة.

























