الواقعية السياسية بالعلاقات المغربية الإسبانية: بعيداً عن بروباغندا التخوين ونظريات المؤامرة
د حيدر البستنجي
تنتشر في الفضاء الرقمي
والمنصات التحليلية بعض القراءات السطحية التي تفتقر إلى أدنى مقومات التحليل
السياسي تدَّعي وجود "عقوبة" موجهة ضد إسبانيا بسبب مواقفها
الأخيرة الداعمة للقضية الفلسطينية ومن ضمنها موجة الهجرة المغربية تجاه سبتة
ومليلة الجزء الذي لايزال يخضع للاستعمار الاسباني ولم تتوقف المطالبة المغربية
بهما بل ان البرلمان المغربي صادق على قوانين ترسيم الحدود البحرية عام 2020
لتشمل مياه الأقاليم الجنوبية والمياه المقابلة لسبتة ومليلية، مما يمنع إسبانيا
من فرض سيادتها البحرية المطلقة عليهما. وكذلك قامت الخارجية المغربية عام 2023
بنشر خارطة رسمية للمملكة تظهر فيها سبتة ومليلية كجزء لا يتجزأ من التراب المغربي
دون وجود حدود برية، مما أثار احتجاجات دبلوماسية في مدريد، كل ذلك شكل تأكيداً
علنياً على أن ملف المدينتين لم يُغلق ولن يُغلق دون التحرير .
المنظومة
السياسية الأوروبية تدرك جيداً أن الحكومات ترحل بصناديق الاقتراع، وفكرة معاقبة
عضو مهم في الاتحاد الأوروبيّ بسبب مواقف حكومة عابرة ليست من ضمن الأعراف
الاوروبية، ولن يستيقظ العالم يوماً ليجد إسبانيا خارج محيطها الأوروبي مهما بلغت
حدة الخلافات العابرة. بالإضافة إلى ان المواقف الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية
تتسم حاليا بالتقارب الشديد في الخطوط العامة. بل إن مواقف دول أخرى مثل
فرنسا تتفوق في أبعادها الدبلوماسية على الموقف الإسباني، مما ينفي خصوصية الموقف
الإسباني التي تستوجب "عقاباً" استثنائياً.
وفي المقابل، فإن
الموقف المغربي تجاه فلسطين ليس ورقة للمساومة الدبلوماسية، بل هو عقيدة سياسية
ثابتة تتجسد عبر لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي والتي يترأسها العاهل
المغربي الملك محمد السادس والتي تُشرف من خلال ذراعها التنفيذي "وكالة
بيت مال القدس الشريف" (التي تمول المملكة المغربية أكثر من 85% من
ميزانيتها) على تمويل المستشفيات، والمدارس، وترميم بيوت المقدسيين لدعم صمودهم ضد
محاولات التهويد.
كما يتبنى المغرب في كافة المحافل الدولية حل
الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. وهذا العمق التاريخي
يثبت أن الرباط أكبر من أن توصف "بالمتواطئة" ضد دولة أخرى بسبب فلسطين،
لأن مواقفها نابعة من التزام قومي وليس من تكتيكات كيدية عابرة.
وتثبت العودة الى
التاريخ الدقيق لأبرز الأزمات المغربية الإسبانية ان التحركات الدبلوماسية
والسياسية بين الرباط ومدريد محكومة دائماً بملفات سيادية ثنائية بحتة، ويظهر
التاريخ المعاصر أن الأزمات تندلع وتخمد بناءً على هذه المصالح المشتركة أو
المتصادمة، ومن أبرزها:
* أيلول/سبتمبر 2005 (أزمة سياج الثغور):شهدت
الحدود أولى الأزمات الكبرى للاقتحامات الجماعية، مما دفع إسبانيا لنشر قوات
عسكرية في سبتة ومليلية بعد محاولات عبور واسعة.
* تموز/يوليو 2002 (أزمة جزيرة ليلى/تيرخيل): كادت
أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بعد أن نشر المغرب عناصر من حرس الحدود في
الجزيرة الصخرية غير المأهولة، لترد إسبانيا بعملية إنزال عسكري انتهت بوساطة
أمريكية لإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
* أيار/مايو 2021 (أزمة زعيم البوليساريو): اندلعت
أزمة دبلوماسية طاحنة بعد استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية،
إبراهيم غالي، بهوية مزورة للعلاج. رد المغرب حينها بتخفيف الحراسة على الحدود مما
أدى لتدفق نحو 10 آلاف مهاجر إلى سبتة في غضون أيام، ولم تنتهِ الأزمة إلا بعد
اعتراف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء
عام 2022.
* تموز/يوليو 2026 (أزمة التدفق الأخيرة): اندلعت
أزمة حدودية حادة عقب صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي يحظر الإعادة
الفورية "الساخنة" للمهاجرين الموقوفين في البحر. تزامن هذا القرار مع
التقارب الإسباني الجزائري الأخير وزيارة سانشيز للجزائر لتأمين الغاز عبر أنبوب
"ميدغاز"، فشهدت الحدود تدفقاً هائلاً لنحو 60 ألف شخص نحو سبتة ومليلية
كرسالة ضغط مغربية واضحة لحماية مصالحه الإقليمية.
على العموم تؤكد
الشواهد السياسية والقانونية أن أوراق الضغط المغربية (سواء الأمنية، أو
الاقتصادية، أو ملف الهجرة) تهدف في عمقها الاستراتيجي إلى تأكيد مغربية المدينتين
المحتلتين والتحضير لاستعادتهما:
فقد رفض المغرب
البيع والتنازل عنهما تاريخياً بالرغم من الإغراءات ، فقد احتلت
البرتغال سبتة عام 1415 وانتقلت لإسبانيا بموجب معاهدة لشبونة عام 1668
بالرغم من الرفض المغربي، اما مليلية فقد احتلت عام 1497. ولا يزال
المغرب يعتبرهما ثغوراً محتلة ويرفض الاعتراف بالسيادة الإسبانية عليهما. وفي
الفترة ما بين 2018 ولغاية الآن يقوم المغرب بممارسة الخنق الاقتصادي
للمدينتين من خلال إغلاق الجمارك التجارية في مليلية ومنع ما يُعرف
بـ"التهريب المعيشي" في سبتة، مما أدى لشلل اقتصادي تام داخل المدينتين،
في خطوة لقطع التبعية الاقتصادية وتأكيد أن محيطهما مغربي بالكامل.
الخلاصة انه بعيداً عن
نظريات المؤامرة، يبقى المغرب بلداً محورياً ثابتاً في مواقفه التاريخية الداعمة
للحق الفلسطيني ومناصرة القضايا العربية. ولن تفلح الماكينات الإعلامية المؤدلجة
في تخوين الدولة المغربية أو النيل من عمقها الاستراتيجي؛ فالسياسة الخارجية
المغربية تحكمها "الواقعية السياسية" والبعد عن المغامرات مع الثبات في
المطالبة بالحق والدفاع عن المصالح السيادية العليا للمملكة، وعلى رأسها استكمال
وحدتها الترابية مهما طال الزمن .

























