حكيم الثورة" في مئويته الأولى...غيضٌ من فيض "قواعده الحاكمة"
كتب: عريب الرنتاوي
لست أزعم بأنني أكثر من
عرف الراحل جورج حبش، فثمة جيش كامل من الرجالات والنساء، رافقه وصاحب تجربته، قبل
وبعد، أن أطلق صرختي الأولى في سحاب 1955، ولكنني أكاد أجزم، أن عشرية الثمانينات،
وما شهدته من لقاءات مكثفة مع "حكيم الثورة"، طغت عليها جميعها، حوارات
سياسية وفكرية، جعلتني مؤهلاً لإجراء جولة موسعة في فكر الراحل وتوجهاته السياسية،
والتحولات والمؤثرات التي شكلت مواقف الرجل في المراحل المتعاقبة من تاريخ كفاحي
امتد لأزيد من نصف قرن.
في هذه
"العجالة"، سأكتفي بذكر عشرٍ من القواعد الحاكمة، التي شكلت مواقف
الزعيم الفلسطيني، ونسجت خطوط تحالفاته وعلاقاته، بل وميزت شخصيته، بوصفه
"رجل الثبات على الموقف"، المُنزه عن الحسابات الشخصية والأنانية، الرجل
الذي قاوم تسييس الأخلاق وجاهد لـ"تخليق السياسة"، القائد المثقل بهموم
شعبه وثورته وحركته الوطنية، ودائماً، بما يتخطى الحسابات والحساسيات الفصائلية
الضيقة، حتى استحق لقبه الذي عُرف به، وأُسبغ عليه من خارج فصيله ودائرة مريديه:
"حكيم الثورة".
ومن نافل القول، أنني
في هذه المقالة، سأكتفي بتقديم فيض من غيض هذه المبادئ والقواعد، بعيداً عن
"الأحكام المسبقة" ومن دون التورط في ادعاء "الحكمة بأثر
رجعي" كما يفعل بعضٌ من كتاب السير، والأهم، من دون اسقاطات من الحاضر على
الماضي، مع أن سنوات ما بعد الطوفان، تُغري كثيراً لفعل ذلك، ولقد قاومت هذا
الإغراء، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، تاركاً للقارئ المهتم والحصيف، أمر تقييمها
والحكم عليها، فمن حق "الحكيم" علينا، أن نستذكره في "مئويته"
باستحضار بعض مما نشأ عليه وتطور معه، وأخلص له حتى الرمق الأخير في حياته:
أولاً؛ إن صراعنا مع
إسرائيل بوصفها كياناً استعمارياً – استيطانياً – إحلالياً، هو صراع وجود، تحكمه
"معادلة صفرية"، إما نحن وإما هم، وأن "التسويات" يمكنها فقط
إرجاء الحسم، أو توفير فرصة لهذا الكيان، لابتلاع احتلالاته القديمة توطئة
لاحتلالات جديدة...قاعدة حكمت مواقفه وسلوكه، تفسر مواقف الجبهة الشعبية تحت
قيادته، ومن بعده، من أطروحات التسوية والحل السياسي والقرارات الدولية، لتصبح
مصدر شقاق مع حلفاء الأمس، من جمال عبد الناصر زمن مبادرة روجرز والقرار 242، إلى
ياسر عرفات قبل أوسلو وبعده، مروراً بالنقاط العشر والبرنامج المرحلي و"مجلس
عمان" واتفاق شباط الأردني الفلسطيني والعلاقة مع "مصر-كامب ديفيد"
وشعار إغلاق البوابات في وجه الحلول الإستسلامية، كما أن هذا المبدأ الحاكم لتفكير
الحكيم، يقع في خلفية انخراطه من موقعه المبادر والقيادي، لتأسيس "جبهة القوى
الفلسطينية الرافضة للحلول الإستسلامية"، بعد إقرار النقاط العشر والبرنامج
المرحلي لمنظمة التحرير، ولاحقاً جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطينية بعد زيارة عرفات
لمصر، وما سبقها وأعقبها من انقسام فلسطيني داخلي آنذاك.
ثانياً؛ إن الصراع مع
إسرائيل، هو حُكماً صراع ضد الامبريالية العالمية، فالأولى وليدة الثانية، ورأس
حربتها، وقاعدتها المتقدمة، ما يوجب على الفلسطينيين، بناء جبهة قومية – أممية،
لضمان حسم هذا الصراع لصالحهم، وبما يضمن استعادة أرضهم وكيانهم وحقوقهم
المشروعة...تحت ظلال هذه النظرية الحاكمة، التي أصاب التعديل أشكال ترجمتها، ولم
يمس جوهرها، رُفع شعار "وراء العدو في كل مكان"، ونسجت تحالفات مع فصائل
يسارية في قارات العالم المختلفة، بعضها كان عبئاً على الجبهة سعت للتخلص منه،
وستعاني الجبهة انشقاقاً على خلفية هذه النظرية وتطبيقاتها، مع أحد أبرز مؤسسيها،
وديع حداد، ذات يوم، ثم ليجري ترجمتها بعد ذلك، بطرق أكثر تلاؤماً من حيث الأشكال
والأدوات، مع مندرجات النضال الفلسطيني.
ثالثاً؛ إن الرهان على
تغيير إسرائيل من الداخل، أو تفسخها وانهيارها بفعل تناقضاتها واصطراع مكوناتها،
هو رهان خائب، متأسس على قراءة خاطئة، وربما عن جهل أو تضليل...إسرائيل تتغير بفعل
"العامل الخارجي"، والذي يتجلى أساساً في مقاومة الشعب الفلسطيني،
وأنصارها وحلفائه...هنا أفتح قوسين لاستذكار تأثيرات راحل آخر، على تفكير جورج حبش
في المسألة الإسرائيلية، واعني به الدكتور حسين أبو النمل، وبالأخص، مخطوطته
القيّمة: "نحو فهم أعمق وأدق للكيان الصهيوني"، التي أُعجب بها الحكيم
أيما إعجاب، وطلب تطويرها مرات ومرات، وقدمها معتزّا بخلاصاتها ومنهجيتها للرئيس
السوري الراحل، حافظ الأسد، بوصفها "دليلاً إرشادياً" لفهم إسرائيل.
رابعاً؛ إن القضية
الفلسطينية من وجهة نظره القارّة، هي قضية قومية وأممية، ربما تخص الشعب الفلسطيني
أكثر من غيره، بيد أنها لا تخصه وحده، وأن الحركة الوطنية الفلسطينية بحاجة دوماً
لـ"قواعد ارتكاز" في محيطها العربي، بالذات في "دول الطوق" المجاورة
لفلسطين، بخلاف ذلك، لم يكن "الحكيم" يرى أفقاً لتحقيق اختراق استراتيجي
لحركة المقاومة الفلسطينية من دون اتكاء على عمقها العربي، وعلى الدعم الأممي
الأوسع والأشمل.
في نشأته، قارب الحكيم
المسألة الفلسطينية من بوابة قومية، أنشأ مع رفاق له على مقاعد الدراسة في الجامعة
الأمريكية في بيروت، حركة القوميين العرب، ونسج عروة وثقى مع جمال عبد الناصر،
وكان من نتيجة ذلك، أنه رهن إطلاق الرصاصة الأولى باستعداد مصر لخوض غمار حرب
شاملة ضد إسرائيل، وهو ما لم يكن متوفراً، ورغم أن الجبهة الشعبية بحكم رصيدها
الوازن كحركة قوميين عرب، كانت الأقدر - ربما – على إضاءة شعلة الكفاح الفلسطيني
المسلح من حركة فتح الناشئة، إلا أنها لم تفعل ذلك، بسبب هذه القاعدة التي حكمت
تفكيرها، فتركت المبادرة لفتح لتكون أول الرصاص، ولتبدد فرصة تاريخية نادرة، لتسنم
زعامة وقيادة الشعب الفلسطيني...ظل الفعل العسكري للقوميين العرب "فوق
الصفر" بقليل، ولكن دون "توريط"، توريط عبد الناصر، إلى أن التحقت
بمسيرة الكفاح المسلح، بوصفها جبهة شعبية لتحرير فلسطين.
خامساً؛ إن الكفاح
المسلح، هو رافعة العمل الوطني الفلسطيني، من دون تقليل من شأن الأدوات الكفاحية
الأخرى، وتحديداً ما كان يُسميه "الجبهة الثقافية"، جبهة الوعي، إسرائيل
لا تفهم سوى لغة القوة، والقوة الخشنة في مقدمتها...ومن على هذه الخلفية، رفعت الجبهة
الشعبية شعار "كل مقاتل سياسي وكل سياسي مقاتل"، وأخضت جميع عنصرها
ومنتسبيها للتدريب العسكري و"الخدمة الثورية"، وأضفت على
"السلاح" قداسة مستمدة من قدسية القضية التي تصدّت لها...فالسياسة تنبع
من فوهة البندقية، و"زهرة النيران" تتفتح في الجليل قبل الضفة والقطاع،
وإما فلسطين، كل فلسطين، وإما النار جيلاً بعد جيل...تلكم الشعارات والأناشيد،
نبعت من صميم عقيدة مؤمنة بخيار القوة، وعكست روح ما فكر به جورج حبش وقرر ودبر.
سادساً؛ رافقه لسنين
وعقود، حُلم التحوّل إلى حزب ماركسي – لينيني، وتطلع بشغف للحظة الإعلان عن اكتمال
تحولات الجبهة الشعبية، قبل أن تداهمه انهيارات جدار برلين و"دول المنظومة
الاشتراكية" وتفكك "الصديق الصدوق"، فكانت لحظة فقدان للاتجاه
والتوازن، وأذكر أنني مازحته ذات مرة في مكتبه في حي المزرعة الدمشقي، عارضاً عليه
بدء مشوار التحول إلى حزب "ديمقراطي-مسيحي"، بعد أن بدأ العالم يطوي
صفحة "المعسكر الاشتراكي"، كانت مزحة سمجه بكل المعاني، امتعض معها
وجهه، ظنّاً منه أنني أخاطب "مسيحيّته"، مع أنني في الحقيقة لم أنظر له
يوماً، ولم أتعامل معه لحظةً، من هذا المنظار.
سابعاً؛ في مشواره
الشاق والطويل، والمكلف، للانتقال من مرجعية "القوميين العرب" إلى ضفاف
الماركسية – اللينينية، وجد في تحولات الحزب الشيوعي اللبناني، السياسية والفكرية،
وفي شخص الراحل جورج حاوي، ضالته، إذ شكّل "الجورجان، حبش وحاوي" معاً،
جسر التواصل والعبور، بين جناحين يساريين نافذين في الإقليم في حينها: الأحزاب
الشيوعية العربية التقليدية، وظاهرة "اليسار المقاوم" المنبثق في عمومه،
من رحم "القوميين العرب"، فالجبهة الشعبية لم تبتلع يوماً خطاب هذه
الأحزاب "المُستتبع" لمواقف الاتحاد السوفياتي والمُعتَمِد مرجعية
"إزالة آثار العدوان، والقرار 242" كحل للقضية الفلسطينية، أو رهاناتها
على "يهود تقدميين"، كحلفاء طبيعيين للحق الفلسطيني، ولا مواقفها
المتحفظة من "مسألة الأمة والقومية العربية"، والأهم مواقفها المتحفظة
حيال ظاهرة الكفاح المسلح، ولقد خاضت الجبهة على امتداد أعوام وعقود، صراعاً
فكرياً مع هذه الأحزاب، بدءاً من "وهكذا أخطأ الرفيق بريماكوف" في
مرافعته الفكرية الشهيرة حول قضايا الخلاف والانقسام داخل الحزب الشيوعي السوري،
إلى سجالات لم تنقطع مع "راكاح" وصحيفة الاتحاد الفلسطينية في
"الداخل".
آمن الحكيم بوجود أمة
عربية موزعة على 22 قطراً، وآمن بضرورة، والأهم، إمكانية وحدتها، مثلما آمن
بالحاجة لامتشاق السلاح ضد كيان استيطاني مزروع، كحاملة طائرات ثابتة، ودورية
استطلاع متقدمة للغرب الرأسمالي، وهو ما لم تكن الأحزاب الشيوعية في حينها لتؤمن
به، وتعتبره ضرباً من "الشوفينية" والمقامرة و"اليسارية الطفولية".
ثامناً؛ رافقه وعاش
معه، رهان آخر: إمكانية تحول الجبهة بكُليَّتِها وإرثها القومي العربي، إلى حزب
ماركسي – لينيني، بخلاف ما اعتقد نايف حواتمة ورفاقه في قيادة جناح يساري داخل
"الشعبية"، خلاف لن ينتهي بانشقاق الجبهة الديمقراطية في شباط 1969،
وانبثاق الأخيرة، كفصيل فلسطيني مستقل، بل سيتسمر بأشكال وأدوات
أخرى..."الحكيم" والجبهة، اعتمدا سردية "رسمية" في تفسير
الخلاف والانشقاق، تقوم على مسألة "البرجوازية الصغيرة ونفسها القصير"،
والإخفاق في التمييز بين يمين معرقل وآخر مناضل، والحاجة للتخلص من الأول، ومنح
الأخير، فرصة كافية لاجتياز مخاض التحوّل.
أما في الغرف المغلقة،
وجلسات المكاشفة، فلطالما كان يرد تفسيرٌ آخر لانشقاق "الديمقراطية"،
يتعلق "بالانتهازية اليسارية"، ودور فتح، وتحديداً الراحل صلاح خلف
"أبو إياد" في تدبير أمر الانشقاق وتضخيم قضايا الخلاف، واللعب على
الطموحات الشخصية، في مرحلة عُدّت فيها الجبهة الشعبية، جناحاً ثانياً موازياً،
لحركة الوطنية الفلسطينية، لطالما تطلعت فتح، لإضعافه والحد من نفوذه وانتشاره.
تاسعاً؛ في علاقته
بمنظمة التحرير، حرص جورج حبش على إبقاء خطوط الاتصال والتواصل مع عرفات وفتح،
والانضواء عموماً تحت مظلة "الممثل الشرعي الوحيد"، حتى وهو يقاطع
هيئاتها القيادية، ظل حريصاً على البقاء في مؤسساتها "التحتية"
و"الشعبية" إن جاز التعبير، وفي عام 1983، زمن المجلس الوطني السادس
عشر، بعد بيروت ولبنان، ومع إطلالة الرأس البشع للانقسام الأكبر والأول في تاريخ
الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، أُعجِبَ الحكيم بتكتيك "أقصى المعارضة
من داخل المنظمة"، لضمان عدم تركه لها، استجابة لضغوط فريق من قيادات
"الشعبية"، ولضغوطات عربية أهمها من دمشق – حافظ الأسد، وبما يضمن في
الوقت ذاته، عدم التماهي مع المواقف والسياسات التي انتهجها ياسر عرفات.
في ذروة الخلاف مع
"أبو عمار"، زمن "المنبوذ" و"سادات فلسطين"، سألت
"الحكيم" ذات مرة، هل تعتقد بأن الزعيم الفلسطيني قد انتقل بزيارته
للقاهرة – المعزولة – آنذاك على خلفية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المنفرد مع
إسرائيل، من الصف الوطني إلى الخندق المقابل، لم يتردد للحظة عن الرد بالنفي، وردّ
ذلك إلى "هوس" عرفات بالدولة والرئاسة والبساط الأحمر، ما يجعل قدرته
على تقديم تنازلات "مجانية" ضعيفة للغاية...أما في معرض تفسيره لتكتيك
"رفع الدوز" السياسي والإعلامي في نقد الرجل، فقد نظر إليه من باب ما
بات يعرف اليوم بتكتيك "أقصى الضغوط".
لكن فهم موقف "أبو
الميس"، من مسألة المنظمة وعرفات، لا يكتمل إلا برؤية الجانب الآخر في
تفكيره، فالرجل آمن بالحاجة لوجود "مركز عربي"، عاصمة عربية، تتكئ عليها
الجبهة الشعبية لموازنة ثقل عرفات وفتح داخل المنظمة، سيما وأنهما يتمتعان بدعم عواصم
عربية عدة (رجعية بالطبع)، والجبهة ستظل دوماً، في حاجة ماسة، للاتكاء على عاصمة
عربية (تقدمية بالطبع) لإسنادها وتمويلها وتسليحها، لاستحداث هذا التوازن المطلوب
في العلاقات الفلسطينية الداخلية، وعدم وضع عنق الجبهة، تحت أسنان عرفات، خشية
تهشيمها وتهميشها.
بمفردات علم النفس
السياسي، وفي باب سيكولوجيا القيادة، يمكن رصد تأثيرات قطبين اثنين ساهما معاُ في
تحديد مواقف وسلوك "الحكيم"، الأول، على المستوى الوطني، ياسر عرفات،
ودائماً على قاعدة الوحدة والصراع، الاقتراب والابتعاد، الانخراط في المنظمة
وطنياً، والاتكاء على رافعة عربية قومياً...أما الثاني، ففي البيت اليساري، نايف
حواتمة، والسباق على التحوّل، وكسب الرهان الصعب الذي بدأ قبل شباط 1969 وتفاقم في
إثره، مع كل مترتباته على ساحة العلاقة مع دول المعسكر الاشتراكي والأحزاب
الشيوعية واليسارية العربية والعالمية.
جورج حبش اليوم، في ذمة
التاريخ، والتاريخ وحده سيشهد بما له وما عليه...ولا أدري ما الذي كان سيقوله أو
يفعله، وأية مشاعر وأحاسيس كانت ستجتاحه، لو أن القدر منحه حياة أطول، ليشهد
الطوفان وما بعده.

























