قبل أن يسقط السيف على عنق السلطة الفلسطينية
جودت مناع
مع إعلان وزير جيش
المستعمرة الإسرائيلية إسرائيل كاتس إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في
الضفة الفلسطينية من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، الخاضعة سياسياً لوزير الأمن
القومي إيتمار بن غفير، نحن أمام تطور أكثر خطورة يتجاوز مجرد نقل الصلاحيات بين
مؤسسات الاحتلال.
هذه الخطوة تأتي ضمن
مسار متدرج لإحكام سيطرة الاحتلال الإسرائيلية على الضفة الفلسطينية، وتوسيع نفوذ
المستوطنين كذراع إرهابي، وفرض وقائع جديدة على الأرض. ولذلك، فإن السؤال الذي
ينبغي أن يشغل القيادة الفلسطينية ليس: ماذا فعلت القيادة الفلسطينية؟ بل: ماذا
ستفعل القيادة قبل أن يصبح إنقاذ السلطة ومؤسساتها أكثر صعوبة؟
لا ينبغي أن يتحول هذا
المقال إلى هجوم على السلطة. فالخلاف الحقيقي يجب أن يكون حول النهج السياسي
ونتائجه، لا حول الأشخاص. والسياسات العامة التي نجحت في مرحلة ما تحتاج إلى
مراجعة عندما تتغير الوقائع من حولها.
والوقائع اليوم مقلقة:
تصاعد الاستيطان، وتزايد إرهاب المستوطنين، وفرض الحواجز والبوابات العسكرية،
وتضييق الخناق على القرى والبلدات الفلسطينية. وقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من ألف
اعتداء إرهابي للمستوطنين منذ بداية عام 2026، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يومياً.
وقد لا نصل إلى موعد الانتخابات التشريعية وفقا لخطة بنيامين نتنياهو.
وفي قصرة، كما في مناطق
فلسطينية أخرى، تحولت اعتداءات المستوطنين إلى حصار وضغوط تهدد حياة المواطنين
الفلسطينيين ووجودهم على أرضهم.
إن الخطر الحقيقي أن
تتحول الإجراءات الإسرائيلية المتتابعة إلى واقع يجعل السلطة الفلسطينية آخر من
يعلم بمصير مؤسساتها. فالانتقال التدريجي من الاحتلال العسكري إلى توسيع الإدارة
والإنفاذ الإسرائيلي المباشر سيكون مقدمة لمرحلة أكثر خطورة.
ومن هنا تأتي ضرورة أن
تستبق القيادة الفلسطينية ما يُخطط لها وللشعب الفلسطيني، لا أن تنتظر وقوعه.
المطلوب ليس إسقاط
السلطة، ولا الدفاع عن نهجها، وإنما إنقاذ القرار الوطني الفلسطيني عبر مراجعة
سياسية شاملة، وإنهاء الانقسام، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية لا إقصاء قادتها،
وإعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وبناء استراتيجية وطنية قادرة على مواجهة
الاستيطان والتهجير والسيطرة الإسرائيلية.
لقد أثبت الشعب
الفلسطيني، طوال تاريخه، قدرته على الصمود حين تتوحد إرادته. ومثال ذلك الانتفاضة
الوطنية العظمى عام ١٩٨٧ التي تعتز بها الأجيال المتعاقبة.
ولعل السؤال الذي تختصره
العبارة الشهيرة المنسوبة إلى وليام والاس قبل خوضه معركة جسر ستبرلينغ التي وقعت
في ١١ اغسطس عام ١٢٩٧ وصادفت الذكرى السنوية للمعركة قبل ايام: "يمكنهم سلب
أرواحنا، لكنهم لن يسلبوا حريتنا أبدًا..ماذا ستفعلون بحريتكم؟"
هو السؤال الذي ينبغي
أن يواجه القيادة الفلسطينية اليوم:
ماذا سنفعل قبل أن يسقط
السيف على عنق السلطة؟
إن اللحظة ليست لحظة
إدانة، بل لحظة إنذار تستوجب خطوة سياسية جريئة تسبق السيف، وتحمي الشعب والأرض
والقرار الوطني.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























