آن أوان التحالف الدولي ضد الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة
جودت مناع
في الوقت الذي تواصل
فيه دول العالم إعلان التزامها بمكافحة الإرهاب والتطرف والعنف المنظم، يبدو أن
الإرهاب الذي تمارسه المستعمرة الإسرائيلية في فلسطين المحتلة ما زال خارج دائرة
المساءلة الدولية الحقيقية، رغم تصاعد وتيرة الانتهاكات والجرائم التي توثقها
يومياً وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والهيئات الدولية.
فالمشاهد القادمة من
قطاع غزة والضفة الفلسطينية والقدس المحتلة لم تعد مجرد أخبار عابرة أو روايات
متضاربة؛ بل أصبحت سجلاً يومياً موثقاً لعمليات قتل واستهداف للمدنيين لا يمكن
دحضها، وتدمير للممتلكات، وتهجير للسكان، واعتداءات متكررة على دور العبادة
الإسلامية والمسيحية والمرافق المدنية. وتؤكد تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية
وهيئات أممية أن هذه الممارسات تستدعي تحقيقات مستقلة ومساءلة قانونية وفق أحكام
القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
ولم يعد ممكناً الفصل
بين إرهاب المستوطنين والجيش الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية. فالاعتداءات
المتكررة على القرى والبلدات الفلسطينية، وحرق المنازل والممتلكات والاعتداء على
المدنيين، تجري في كثير من الأحيان تحت حماية قوات الاحتلال أو بمشاركتها
المباشرة. وبذلك يصبح الحديث عن «تجاوزات فردية» أو «أعمال خارجة عن القانون»
محاولة لتبرير واقع تتداخل فيه الأدوار بين المؤسسة العسكرية والمجموعات
الاستيطانية المسلحة.
وعلى الرغم من تصاعد
الإدانات الدولية واتخاذ بعض الدول إجراءات محدودة بحق شخصيات إسرائيلية متطرفة،
فإن هذه الخطوات ما زالت بعيدة عن مستوى المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي
يفرضها حجم الجرائم والانتهاكات الجارية. فالعقوبات الفردية وحظر السفر لا يرقى
إلى مستوى الرد المطلوب على سياسات تؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا وتدمير مقومات
الحياة لشعب بأكمله.
لقد شهد العالم خلال
العقود الماضية تحالفات دولية واسعة لمواجهة منظمات وتنظيمات وُصفت بالإرهابية
عندما هددت الأمن والاستقرار الدوليين وهو ما ينطبق على المستعمرة الإسرائيلية منذ
تأسييها عام ١٩٤٨. غير أن المعيار ذاته لا يُطبق اليوم على الممارسات الإسرائيلية،
رغم أن نتائجها الإنسانية والسياسية والأمنية لا تقل خطورة عن أي شكل آخر من أشكال
الإرهاب المنظم. ويؤدي هذا الكيل بمكيالين إلى تقويض مصداقية النظام الدولي وإضعاف
الثقة بالمؤسسات التي يفترض أنها أنشئت لحماية الشعوب وفرض احترام القانون.
إن الشعب الفلسطيني
يواجه منذ عقود منظومة متكاملة من الاحتلال والاستيطان والعقاب الجماعي والتمييز،
بينما يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء ببيانات القلق والدعوات إلى ضبط النفس. وفي
المقابل، توفر الولايات المتحدة غطاءً سياسياً ودبلوماسياً يرتقي إلى مستوى
التحالف والشراكة في الجريمة يحول دون اتخاذ إجراءات دولية أكثر فاعلية، الأمر
الذي شجع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على المضي في سياسات التوسع والاستيطان
وفرض الوقائع بالقوة.
ومن هنا، فإن الحاجة
باتت ملحة لتشكيل تحالف دولي واسع من الدول المؤمنة بالعدالة والقانون الدولي،
هدفه حماية المدنيين الفلسطينيين ووقف الانتهاكات المستمرة ومحاسبة المسؤولين عنها
أمام المحاكم والهيئات الدولية المختصة. ولا يعني ذلك استهداف شعب أو ديانة أو
جماعة دينية بعينها، بل مواجهة سياسات وممارسات تنتهك القانون الدولي وتهدد الأمن
والاستقرار الإقليميين والدوليين.
إن التجربة الإنسانية
بعد الحرب العالمية الثانية قامت على مبدأ أساسي مفاده أن الجرائم الكبرى لا يجوز
أن تمر بلا عقاب، وأن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية جماعية في مواجهة العدوان
والعنصرية والتطهير العرقي وجرائم الحرب. وهذه المبادئ ذاتها يجب أن تطبق اليوم على
الحالة الفلسطينية دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
ويزداد المشهد الدولي
تناقضاً عندما تسمح دولٌ أطرافٌ في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
لطائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعبور أجوائها، رغم صدور مذكرة
توقيف بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بتهم تتعلق
بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لكن القرار القضائي التركي جاء صادما لتل أبيب
بعد إصداره مذكرة اعتقال لنتنياهو من خلال الانتربول وبذلك أعيد إلى مقصلة العقاب
الدولية وهو ما رفع من حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب إلى مستوى المواجهة العسكرية
اقرب من اي وقت مضى خاصة بعد قصف الأخيرة مطار الظهور قرب حلب ردا على هذا القرار.
لقد آن الأوان لأن
ينتقل العالم من مرحلة الإدانة اللفظية إلى مرحلة الفعل السياسي والقانوني المنظم.
فاستمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوض أسس النظام الدولي
القائم على العدالة وسيادة القانون. وإذا كانت البشرية قد توحدت في مراحل تاريخية
سابقة لمواجهة أخطار هددت القيم الإنسانية المشتركة خلال الحرب العالمية الثانية
ضد ادولف هتلر وحرب البلقان ومحاكمةساوفيدان ميليسوفيتش ورادوفان كرادزيتش،
فإن حماية الشعب الفلسطيني ووقف الجرائم المرتكبة بحقه تستحق اليوم جهداً دولياً
مماثلاً يقضي بالقبض على نتنياهو، ينحاز إلى القانون والعدالة وحقوق الإنسان، لا
إلى موازين القوة والمصالح السياسية الضيقة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























